; ماذا يعني أن يتنازل الرجال ؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا يعني أن يتنازل الرجال ؟

الكاتب ناهد إمام

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أبريل-1999

مشاهدات 51

نشر في العدد 1344

نشر في الصفحة 60

الثلاثاء 06-أبريل-1999

المجتمع الأسري

التنازلات في الحياة الزوجية (2 من 2)

ماذا يعني أن «يتنازل» الرجال؟!

الأزواج: أعمال المنزل ورعاية الأبناء ليست من اختصاصنا

القاهرة: ناهد إمام

* الدكتور جمال عبد الهادي: التعاون بين الزوجين وارد في كل شيء

* خبير إعلامي: الإعلام يجسد صورة سيئة للصراعات الزوجية تؤدي إلى التوحد معها

* أستاذ علم النفس: التنازل مؤشر للإحساس بالمشاركة والحب من الآخر يضفي مزيدًا من القرب والتماسك

«ليس- دائمًا- المرأة وحدها تتنازل».. صيحة احتجاج من الرجال.. فهم أيضًا- بل كثيرًا- ما يتنازلون- كما يقولون- وبخاصة في هذا العصر! فهل يتنازل الرجل؟ وهل مطلوب منه ذلك؟ وما شكل تنازلاته؟ وما آثارها على الحياة الزوجية؟ وهل تقدرها المرأة أو لا تعترف بها؟ وما معنى أن يتنازل الرجال؟!

«كل أسبوع لازم تزور أمها».. بهذه الكلمات أطلق حسين محمود صيحة غضب، يقول: وأنا أتنازل وأوافق وأسمح لها أن تزور أمها، ونظرًا لبعد المسافة فأنا أتنازل مرة أخرى وأسمح لها بالمبيت ليلة في بيت أهلها!

توفيق عبد الحكيم «متزوج ولديه توأم» يقول: نظرًا لظروف زوجتي الصحية، وما تتطلبه رعاية التوأم من جهد وتعب فإنني كثيرًا ما أضطر- متنازلًا- إلى غسل الأطباق والملابس، ومساعدة زوجتي في شؤون المنزل، مما يهدر وقتي، ويشتت فكري، ولكن ماذا أفعل؟ هذه هي ضريبة الزواج التي يدفعها رجال هذا الزمان!

عبد الحميد حسان «مهندس لديه 3 أطفال»: قبل الزواج لم أكن أتخيل أنه سيأتي علي يوم أشتري فيه «الخضار»! وكلما حدث أن اضطررت لشراء الخضار لزوجتي شعرت بمهانة! أليس هذا تنازلًا؟! مهندس محترم يضيع وقته في مثل هذه الأشياء؟!

جميل مصطفى «مطلق في الثلاثينيات ولدي أربعة أطفال»: ما حدث في زيجتي السابقة كان تنازلًا دفعت ثمنه، فقد كنت أبحث- ككل شاب- عن زوجة جميلة، وكنت أضع مواصفات خاصة لهذا الجمال، كما أنني كنت أريدها ذات مستوى اجتماعي لائق ودرجة علمية مرموقة تناسبني، ولم يكن هناك عقبات سوى أن قدراتي المالية لا تستطيع دفع مقابل لعروسة بكل هذه المواصفات، وكنت بسذاجتي أعتقد أن من أتقدم طالبًا الزواج منها يكفيها أن يقال إن زوجها «دكتور في الجامعة».. فتنازلت وتزوجت فتاة- زوجتي السابقة- أحبتني كثيرًا فقلت لا بأس فحبها سيجعلها تتفاني لإسعادي وهو الأفضل للرجل، أي أن يتزوج من تحبه لا من يحبها.. ولكن مع مرور الأيام ظل الأمل القديم في الاقتران بفتاة جميلة يراودني، ولم تملأ زوجتي عيني، فلم تكن مواصفاتي الحالمة تنطبق عليها وإنما كانت عادية الجمال، وليست باهرة! ولهذا لم نستمر طويلًا برغم وجود الأولاد وحبها لي!

وقد أصبح حبها هذا قيدًا لا يطاق... وعندما استخدمت حقي الشرعي في الزواج بأخرى- مع الإبقاء عليها- رفضت فقررت هذه المرة ألا أتنازل!

راضي أمين «مدرس ومتزوج منذ عامين»: أعود من عملي في الثانية بينما تعود زوجتي المدرسة من عملها في الرابعة، مما يحتم على أن أمر على الحضانة لأحضر ابنتنا- سنة ونصف- وأمكث معها ساعتين أرعى شؤونها من تغيير حفاظات وإطعام، ونوم.. إلخ، فيما اعتبره تنازلًا بينما تسميه زوجتي مشاركة وواجبًا، مما يثير بيننا المشكلات!

أشرف طلعت «زوج شاب يعمل طبيبًا، لديه ابن وحيد، وزوجته طبيبة- يقول: نعم الرجال يتنازلون وبخاصة هذا العصر، يكفي معرفة أنني- على سبيل المثال- لا أرى زوجتي سوى يومين في الأسبوع، أما بقية الأيام فهي في المستشفى الذي تعود منه إلى بيت والدتها، حيث ابننا الرضيع المقيم هناك بسبب ظروف زوجتي العاملة، أليس تنازلًا أن أعود يوميًا من عملي فلا أجد زوجتي ولا طعامي ولا أي شيء؟! البيت خواء كأنني لم أدخل إليه زوجة تملؤه دفنًا وأنسًا!

ناصف سليمان «زوج صريح جدًا- كما يصف نفسه- يبلغ من العمر 30 متزوج منذ 5 أعوام» يقول: قدمت تنازلًا ندمت عليه العمر كله! لقد كتبت على نفسي قائمة منقولات زوجية، وهذا أبهظ تنازل يقدمه الزوج، ولا أدري من شرع قانون «القائمة» هذا؟! كثيرًا ما أشعر كلما حدث خلاف بيني وبين زوجتي أنها تستخدم «القائمة» كورقة ضغط ضدي وإذلالي.

التنازلات.. استقرار!

الأصل في الحياة الزوجية أن يسود التواد والحب والتكريم بين الزوجين.. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(الروم: 21)، فالزوجان يشكلان كيانين منفصلين، ولكن الحقيقة أنهما- أي الزوجين- كيان واحد متكامل- وهو آية من آيات الله ذكرها في معرض الحديث عن الآيات الكونية- كما ورد في سورة الروم- ذلك أن الزواج ليس مجرد إحصان للفرج أو موضع للشهوة، وإنما هو حدث كوني ضخم، يترتب عليه نتائج خطيرة، ومسؤوليات عظيمة، هكذا يبدأ الدكتور جمال عبد الهادي- الداعية الإسلامي- حديثه، ويقول: التعاون ركيزة أساسية في الحياة الزوجية، ولا شك في أن التضحيات مطلوبة، وأن العبء الأكبر في ذلك يقع على المرأة الزوجة والأم، فهي التي تحمل وتلد، وترضع، وتربي وتعتني بشؤون الأسرة، وتتبعل للزوج وتهيئ المنزل، وتقوم بمهامه.. إلخ، وهي في ذلك كله تضحي لكنها لا تستطيعه دون تعاون من الزوج، ومن الأولاد أيضًا.

ويواصل الداعية الإسلامي حديثه: «التعاون» بين الزوجين أمر وارد في كل شيء: في مواجهة المشكلات الاقتصادية داخل الأسرة، وفي القيام بمهام المنزل، وفي الاعتناء بشؤون الأطفال.. إلخ.

والدنيا كلها تعلم من سيرته صلى الله عليه وسلم أنه كان يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويكون في مهنة أهله.

ولم يقل أحد أنه صلى الله عليه وسلم تنازل، أو أنه صلى الله عليه وسلم فعل أمرًا معيبًا يقدح في الشخصية، أو الرجولة، أو حتى القوامة!

ويعلق الدكتور جمال عبد الهادي على بعض تنازلات الأزواج قائلًا: وأحب أن أهمس في أذن الزوج الذي «يتنازل» عندما يقبل بمسألة قائمة المنقولات الزوجية عند العقد والاتفاق بشأن الزواج، أقول، نعم إن هذا الأمر ليس له أصل من الشريعة، وإنما هو عرف مستحدث، وحفظ الحقوق أمر مطلوب شرعًا، وقد يجدي هذا الأسلوب مع أناس لا يتقون الله في الأعراض، لذا فإن الكتابة، وأخذ العهود والمواثيق هذه كلها أمور جائزة شرعًا، ولكن المحرم هو التطفيف، والمبالغة.

وفي النهاية لابد من أن يعلم الأزواج أنه لا شيء في الدنيا يساوي استقرار الحياة الزوجية.

الزوجية.. عطاء بلا حدود

وعما تقوم به وسائل الإعلام من تكريس المعنى السلبي لمفهوم التنازل في الحياة الزوجية يقول الدكتور صفوت العالم- أستاذ الرأي العام بكلية الإعلام جامعة القاهرة- كان الأزواج قديمًا يأخذون خبرة الزواج من الأب والأم أي الأسرة، فكانت تأتيهم الخبرة الحياتية م البيئة بشكل نمطي، ولصالح الأسرة، ولكن الآن تكاد تكون وسائل الإعلام هي الموجه للجميع وهي- للأسف الشديد- غالبًا ما تبرز بعض المضامين، وتجسد بعض الشخصيات بشكل قد يتسم بالحدة والصراع الدرامي بين الزوجين، وفي درجة من درجات الصراع يحدث توحد مع الجمهور المستهدف، وتحدث المحاكاة!

ويستطرد أستاذ الإعلام فيقول: وبعدما تحدث المحاكاة!

ويستطرد أستاذ الإعلام فيقول: وبعدما تحدث المحاكاة يجد المرء ما يبرر له السلوك الذي يريده، ولابد من أن نعي أن أي مضمون إعلامي يتناول شكل الأسرة يكون له أهداف معلنة وأخرى كامنة، من هنا يلزم أن تقدم المادة الإعلامية متفقة مع النسق القيمي الديني الأخلاقي الذي ننشده في المجتمع، وليس وفق ثقافة كاتب السيناريو أو توجهاته الفكرية، فالمحك دائمًا «هو مصلحة» المجتمع فلا أعرض نماذج سلبية محدودة غير قابلة للشيوع، أو غير ملائمة يستمد منها الأفراد خبرات الزواج بدعوى أنها موجودة في المجتمع دون نظر إلى محدوديتها.

ويوضح الدكتور صفوت العالم أن ارتضاء طرفي «علاقة الزوجية» بعضهما للآخر في رباط مقدس، هذا شأنه يتطلب أن يدرك كلاهما أن أي نوع من التضحية أو الاهتمام بحقوق الآخر ليس تنازلًا شكليًا، كما يحدث في أشكال العلاقات الأخرى، وإنما هو من المودة والرحمة لتدعيم استمرار هذا الشكل الأسرى، ويقول: فأنا إذا «تنازلت» ولم أشعر الطرف الآخر بذلك فهناك شعور بالامتنان سيتولد لديه، وهو درجة من الاحترام المتبادل، والتقدير، والتفاني، والاهتمام.. إلخ، وينعكس- بلا شك- تأثير ذلك على الأبناء، والعكس صحيح، أي أنه عندما يشعر أحد أطراف العلاقة الزوجية- والكلام للدكتور العالم- أنه «يتنازل» فإن هذا يحدث نوعًا من المقياس الاقتصادي الضمني! أي التفكير الدائم في «المقابل» لهذا التنازل، وإذا لم يجده يحدث نوع من العصبية الزائدة والحدة في التعامل نتيجة للصراع وعدم الشعور بالأمان، فهناك هواجس وأحلام لا تجعله يشعر بأن حياته مستتبة مع الآخر، ولكن من اليسير التخلص منها!

تنازلات الرجل لها تقديرها!

متفقًا مع الرؤية السابقة يؤكد الدكتور عادل مدني- أستاذ علم النفس بجامعة الأزهر- أهمية «التنازل» كمؤشر للإحساس بالمشاركة، والحب من الطرف الآخر، مما يضفي على العلاقة مزيدًا من التماسك والقرب.

يقول: قد لا تسمح طبيعة الرجل في مجتمعاتنا الشرقية بقبول فكرة «التنازل» أو ممارستها بسهولة، فالولد في الأسرة- عادة- هو الذكر الذي يأمر أخته، وتستجيب أمه كل مطالبه وتخدمه وتفضله.. إلخ، هذا الشكل من التعامل يشعره أن الآخرين عليهم دائمًا أن يضحوا لأجله، ولراحته، أما هو فلا يضحي، أو يتنازل، فالتنشئة منذ الصغر، وشكل تعامل الأسرة يكشف- إلى حد ما- ما يمكن أن تكون عليه الشخصية في المستقبل، وقد يحدث هذا مع البنت، ولكنه مع الذكور أكثر!ولكن هذا لا ينفي- والكلام للدكتور مدني- أن الرجل لا يتنازل لأنه أمر لا غناء عنه تفرضه طبيعة الحياة الزوجية ومتطلباتها، وهو أمر مطلوب من الطرفين بشكل عام، وما يهم في التنازل هو فكرة القيمة وليس القياس، فأنا- كزوج- أتنازل «مثلًا»، وأحقق «رغبة» لإبني دون رغبتي.. أتنازل عن جزء من وقتي لقضاء مهمة لمصلحة الأسرة أو الأبناء، أحيانًا أتنازل عن راحتي مثلًا فأبذل مجهودًا مضاعفًا لكي أوفر حياة أفضل لأسرتي، ومن الممكن ألا أفعل، وأن أعيش في مستوى الدخل الأساسي، أتنازل عن جزء من المال المدخر لشراء أساسيات خاصة لي فأؤثر أولادي وزوجتي، وأؤخر حاجياتي مثلًا، وهكذا لا شك في أن الرجل- الزوج والأب- يتنازل، فلابد من أن نقدر له ذلك!

التنازل «برضى»!

ويرى الدكتور أحمد المجدوب- الخبير الاجتماعي بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية الجنائية- أن التنازلات» في الحياة الزوجية تكون في الحقوق الثانوية وليس الأساسية، يقول: التنازل- بداية- يكون عن حق ترتب لي لدى الأخرين، فمثلًا في نطاق العلاقة الزوجية يترتب على عقد الزواج احتباس الزوجة للزوج، وهذا حق للزوج بموجب الزوجية، وقد يتنازل الزوج المتدين ويسمح لزوجته بمبيت- مثلًا- خارج منزل الزوجية كأن تزور أهلها أو ما إلى ذلك! وهنا يكون قد تنازل عن حقه، ولا شيء في ذلك مادام يتم في جو من الاتفاق والود الذي ينبغي أن يكون «الأرضية» الثابتة التي يتلاقى عليها الزوجان دائمًا.ولكن هناك مثال آخر لا نقول فيه إن الزوج تنازل! فمن يقول: إنه تتزوج فلانة، وتنازل لأنها غير مطابقة للمواصفات نقول له: كذبت!فهذا القول هو من باب الكبر والغرور والنرجسية: لأنه منذ البداية وضع شروطًا متعسفة، فهو يريدها جميلة جدًا، غنية، ذكية، ذات مركز علمي واجتماعي مرموق.. إلخ، والكمال لله وحده ونجده في النهاية يترك شروطه الواحد تلو الآخر، لأن الواقع فرض عليه ذلك، و «للعلم لا يوجد إنسان يضحي ويتنازل بهذا الشكل! لأنه لا أحد يتنازل عن حياته»!بعض الأزواج يعتبر مساعدة زوجته في شؤون البيت وتربية الأطفال «تنازلًا». وينصح الخبير الاجتماعي الزوجة بأن تتعامل مع الزوج بذكاء، يقول: تستطيع الزوجة بذكائها الاجتماعي أن تجعل زوجها يعاونها في شؤونها وليسمه تنازلًا كيفما يريد، لا بأس، المهم أن تجعله يتنازل ولكن «برضا»!، فمن المهم ألا ينطوي الأمر على شبهة الإجبار أو المساس بمكانة أي من الطرفين، وأن تكون الزوجة حكيمة في أسلوب تعاملها بهذا الشأن مع الزوج بالثناء والتقدير لمشاعر الطيبة، ورقته معها.. إلخ.ويواصل الدكتور المجدوب حديثه قائلًا: وهناك أمور تتطلب ذكاء في إدارة مصالح الأسرة عندما نختلف في الرأي بشأنها، فماذا نفعل؟ هل نقول للمرأة تنازلي لأن الزوج هو «القوام» على الأسرة؟ نقول للزوج تنازل لأن الزوجة أكثر خبرة بهذا الشأن!القاعدة هنا هي أن ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38)، والأبناء مسؤولية مشتركة، واستقرار الأسرة متعلق بذلك، ورأيت أن الحل في أن أعرض عليهم البحث، وأخذ المشورة من ذوي التخصص أو الخبرة في هذا الأمر، والوصول إلى حل وسط يرضي جميع الأطراف! لأن «التنازل» لا يصلح هنا!.

الرابط المختصر :