العنوان ماذا يمكن أن تتضمن رؤية بوش لمستقبل القضية الفلسطينية
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر السبت 22-يونيو-2002
مشاهدات 68
نشر في العدد 1506
نشر في الصفحة 24
السبت 22-يونيو-2002
الحصيلة الهزيلة لرحلة مبارك «عنوان»... نعرف به فحوى الخطاب الأمريكي المنتظر
وزير الخارجية الأمريكي يرسم صورة مضحكة لدولة فلسطينية بلا طعم ولا لون ولا رائحة!
بينما يستقبل شارون «مجرم الحرب»، المدان صهيونيًا استقبالًا حافلًا، في البيت الأبيض الذي زاره ٦ مرات حتى الآن، وتلتمس الإدارة الأمريكية اليمينية المتشددة له الأعذار، وتبرر كل ما يقوم به من عمليات إبادة وإهانة للشعب والرموز الفلسطينية، نجد الناطق باسم عصر العولمة، الكاتب الصحفي توماس فريدمان يستقبل الرئيس مبارك زعيم أكبر دولة في المنطقة، مصر بمقال يقول له فيه بصراحة: لا تتدخل في الشأن الفلسطيني، حدثنا عن مصر التي حققت حكوماتك المتتالية فشلًا ذريعًا في تحديثها ويقارن بين حرية الإعلام في قطر، والاقتصاد القوي في تونس، وبين الكبت والانهيار الاقتصادي في مصر.
ولا يكتفي بذلك، بل يضع الملح على الجرح فيعتبر أن إدارة الرئيس مبارك لملف التعامل مع الإسلاميين -التي اتسمت بالعنف الشديد، وعدم السماح للتيارات المعتدلة بمساحة من الحركة- هي التي أدت إلى ازدهار التطرف والغلو والتشدد والعنف في التيارات الإسلامية، بل يوجه الاتهام صراحة إلى مصر في عهد مبارك بأنها تخلصت من الإسلاميين بالسماح لهم بالخروج منها لينضموا إلى أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة، ليصبحوا هم المنظرين والقادة الميدانيين، وينتقلوا بهذا التنظيم إلى مرحلة متقدمة في التخطيط والتفكير والتنفيذ، في إشارة لا تخفى إلى مسؤولية مصر عن تحمل تبعة وأثار زلزال سبتمبر في أمريكا.
كان ذلك كله ردًا على الحملة الدعائية التي صاحبت زيارة مبارك لأمريكا والتي ركزت على محورين رئيسين:
الأول: الشأن الفلسطيني، وهو سبب الزيارة وكان مبارك يحمل معه رؤية مصرية تتضمن بندًا رئيسًا هو إقرار جدول زمني ينتهي بإقامة دولة فلسطينية في مدة لا تتجاوز ٣ سنوات مقابل إنهاء العنف وتحجيم المقاومة الفلسطينية خلال هذه الفترة، على أن يلعب الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الدور الرئيس كشريك في هذه العملية، وعليه أن يقوم بما يطالبه به الصهاينة والأمريكيون من محاربة للاتجاهات المقاومة كلها وفي قلبها الحركات الإسلامية حماس والجهاد الإسلامي، وأيضًا إصلاح السلطة الفلسطينية وفق الشروط الصهيونية لتتحمل مسؤوليتها عن أمن الكيان الصهيوني وسلامته.
الثاني: أن مصر قامت قبيل أحداث سبتمبر بتحذير أمريكا من أخطار وعمليات يرتب لها تنظيم القاعدة، مستهدفًا الأراضي الأمريكية دون تفصيلات حول هذه العمليات، وهذا ما حرص مبارك على تناوله في كل أحاديثه الإعلامية.
ولعل المحور الثاني، قصد به مصريًا جذب الاهتمام الإعلامي وشد انتباه الإعلام الأمريكي إلى وجود الرئيس في أمريكا وهو ما حدث بالفعل إلا أن أثاره السلبية تحققت فهو يتضمن تدخلًا في الشأن الداخلي الأمريكي الذي يشغل الرأي العام هناك حاليًا، حيث يدور جدل منذ أسابيع حول التقصير والإهمال الذي تتهم به أجهزة المخابرات والمباحث الفيدرالية، بل والإدارة الأمريكية ذاتها بشأن أحداث سبتمبر، وأنها كانت على علم مسبق باستهداف أراضي أمريكا، مما أدى إلى تداعيات كبيرة مثل إنشاء وزارة للأمن الداخلي وتخصيص عشرات المليارات لها والتنسيق بين الأجهزة كلها داخليًا وخارجيًا. فإذا كان فريدمان في مقالته يقول لمبارك: لا تحدثنا عن فلسطين، فلعله يقصد من باب أولى ولا تحدثنا عن نصائحك للإدارة الأمريكية، ولا تتدخل في شؤوننا الداخلية.
أجواء الزيارة
جاءت زيارة مبارك هذه المرة بناء على طلب أمريكي وفي إطار تحضير الإدارة الأمريكية لرؤيتها حول قضية فلسطين التي أعلن عنها الرئيس بوش واختلفت حولها أركان إدارته بين متشدد ضد عرفات وسلطته يريد الإطاحة به تمامًا، وبين من يرى أن لعرفات دورًا لابد أن يؤديه ويراه صالحًا كشريك في عملية التسوية.
والجدير بالذكر أن هذه الإدارة اليمينية المتطرفة كانت تبتعد بنفسها عن قضية فلسطين، وتنأى عن التدخل المباشر في تفاصيلها، وقد حددت أولوياتها بعيدًا عن الشرق الأوسط ومشكلاته باستثناء ضرب العراق، الذي يعد من أولوياتها، إلا أن أحداث سبتمبر والمسارعة باتهام العرب وإعلان الحملة الأمريكية ضد ما تسميه الإرهاب وتصاعد المقاومة الفلسطينية الشجاعة داخل فلسطين، وازدياد العمليات الاستشهادية التي وصلت إلى وتيرة غير مسبوقة القت الرعب في قلوب الصهاينة، وزرعت الفزع في نفوس الدول الراعية لهذا الكيان العنصري الاستيطاني، وأعادت الأسئلة الرئيسة حول مستقبل هذا الجسم الغريب المزروع في الجسد العربي.
كانت هذه الإدارة ترى أمامها ما حدث من إدارة كلينتون والفشل الذي منيت به في إدارتها لهذا الصراع، فإذا بها ترى نفسها أمام المأزق نفسه لا يسبب أهمية العرب أو الشأن الفلسطيني، بل بسبب ما يواجهه الكيان الصهيوني من مأزق تاريخي.
أعطت الإدارة الأمريكية الضوء الأخضر لمجرم الحرب شارون في عملية السور الواقي وباركت جرائمه وأعلنت أنها تأتي في سياق الدفاع عن النفس، إلا أنها اصطدمت بجدار المقاومة الصلب في جنين ونابلس وغزة مما دفعها إلى إعادة تقييم الموقف من جديد، وجاء الضغط الشعبي العربي والإسلامي الذي يساند حق الفلسطينيين في المقاومة، ويهدد بانفجار الغضب ضد أنظمة عجزت عن الوقوف في وجه آلة الحرب الصهيونية، فإذا أصابع الإدارة الأمريكية تحترق بلهب فعلتها في فلسطين.
كانت القضايا المثارة في أجواء الزيارات المتتالية إلى واشنطن تركز على مسائل عدة:
١-كيف يتم تحقيق الأمن للكيان الصهيوني؟
٢- إعطاء أمل أو ملهاة للفلسطينيين خاصة من الناحية الاقتصادية.
٣-تشكيل رؤية حول الدولة المقترحة لفلسطينيين سياسيًا.
٤- الدور الذي يمكن أن يلعبه عرفات، وهل بإمكانه أن يقوم به أم لابد من الإطاحة به.
٥- الإصلاحات الضرورية داخل السلطة الفلسطينية.
تباين وجهات النظر مصريًا وأمريكيًا
حمل الرئيس مبارك معه رؤية سبقت الإشارة بها، تتلخص في الآتي:
- عرفات شريك كامل ولابد من المحافظة على وضعه وإعطائه فرصة للقيام بالإصلاحات المطلوبة، وعدم إهانته كرمز.
- الدولة الفلسطينية ضرورة لإنهاء النزاع ولابد من إعلانها في نهاية مرحلة لا تتجاوز ٣ سنوات في حل نهائي على أساس «الأرض مقابل السلام» وأن يكون هناك جدول زمني لذلك.
الأمن الصهيوني لن يتحقق إلا بإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل دخول الجيش الصهيوني مناطق السلطة الفلسطينية، وتجنب الرئيس الإشارة بإيجابية إلى الحق في المقاومة المشروعة للشعب الفلسطيني، وما سبق إعلانه من أن الخلط بين المقاومة الفلسطينية والإرهاب مرفوض.
بل ذهب الرئيس إلى أبعد من ذلك فكان وصفه للعمليات الاستشهادية بأنها عمليات انتحارية.
وخلال المؤتمر الصحفي المشترك حرص مبارك على الحديث باللغة العربية وكان حديثه موجه إلى الأمة العربية لاستعراض الموقف المصري في صورة من يريد أن يبرئ ذمته وأنه أدى واجبه.
وظهرت حقيقة الموقف الأمريكي في حديث بوش خاصة عند زيارة شارون فهو لم يتعهد مطلقًا المبارك بأي جدول زمني «كان هذا مطلبًا مصريًا أساسيًا»، وأعلن أن عرفات لم يقم بالإصلاحات المطلوبة، وأنه لا أحد يثق بحكومته الجديدة، وصرح أخيرًا مع شارون بأنه لا يرى شريكًا صالحًا في الطرف الفلسطيني، مما دفع متحدثًا باسم البيت الأبيض لمحاولة تصحيح وترميم آثار هذا التصريح المدمر لوضعية عرفات وهو الذي يتمتع بحماية مصرية، ويعتبر أمل صره في وجود حل مرض على حدودها الشرقية، فقد أنهم مبارك أحد المرشحين لخلافة عرفات وتحبذه إسرائيل بأنه جاسوس، فمصر و تضع كل بيضها في سلة واحدة هي ياسر عرفات، ولا تفتح خطوطًا مع القوى السياسية الأخرى، ولا حتى مع قيادات فتح في الداخل مما يضعها في موقف صعب في حالة اختفاء عرفات.
كان التباين في المواقف واضحًا جدًا، وكان أقصى ما وصل إليه تقرير وزير الخارجية المصري للزيارة وصفها أنها تركت بصمات على تفكير الإدارة الأمريكية.
وكان أقصى ما وصل إليه المعتدلون في الإدارة الأمريكية – إن وجدوا- قول كولن باول وزير الخارجية في حديث لجريدة الحياة حول الدولة الفلسطينية-في وصفها إنها شيء يمكن خلقه أو تكوينه ويمكن تسميته دولة مؤقتة يمكن للشعب الفلسطيني أن ينظر إليه كخطوة في الطريق إلى التسوية شيء يمكن أن يستثمروا فيه آمالهم وأحلامهم شيء يمكن للأسرة الدولية أن تستثمر فيه بثقة، إنما كي يتم تكوين مثل هذه الدولة المؤقتة يجب أن تكون ذات حكم ديمقراطي، وشفافية بلا فساد وحيث تعمل المنظمات الأمنية جيدًا حتى هذا الكلام المضحك رفضه المتحدث باسم البيت الأبيض وهنا علينا أن نسترجع نتيجة زيارة شارون حيث هند بوضوح أنه إذا تم الضغط عليه لقبول هذا الشيء الذي يمكن خلقه وتكوينه –بلا لون ولا طعم ولا رائحة بلا حدود ولا سيادة ولا عاصمة –فإنه سيلجأ إلى انتخابات مبكرة، مما يجمد الوضع السياسي داخل الكيان الصهيوني، ويعني احتمال عودة نتانياهو إلى الحكم، أو إعادة انتخاب شارون بأغلبية تتيح له معارضة الإدارة الأمريكية.
الخلاصة أن كل طرف كان يتكلم بلغة مختلفة ولديه أولويات مختلفة، فبدا كأن كل رئيس يخاطب جمهوره فقط وليس هناك اتفاق على أي نقطة من أجل تهدئة الموقف
المستقبل واحتمالاته
إذن علينا ألا نعول كثيرًا على رؤية الرئيس. بوش ولا على خطته للمستقبل، فهو يتحدث بلسان شارون ويعبر عن خططه وهذه معروفة موجودة على الأرض.
إن سبب ما وصلنا إليه هو التعويل على الراعي الأمريكي وإهمال قدراتنا الذاتية ومقولة إن ٩٩٪ من أوراق القضية بيد أمريكا المنحازة للصهاينة واليوم وبعد انتفاضة الأقصى التي اثبت الفلسطينيون فيها قدرتهم على مناجزة العدو وإيلامه وبث الرعب في قلبه علينا إعادة النظر في جوهر القضية.
علينا دعم المقاومة الشجاعة – مع طول النفس ولندع الإمبراطورية الأمريكية تغرق في مشكلاتها داخليًا وخارجيًا، فسنة الله جارية وسيتسع الحرق على الرائق وستواجه أمريكا المشكلات في كل مكان، وستجني ثمار عداواتها لكل من ينصحها أو يعترض على سياستها.
وستبقى آثار الزيارة على الوضع المصري، الداخلي فمع كل تقارب أمريكي مصري تدفع الحركة الإسلامية ثمنًا باهظًا كقربان يقدم للأمريكيين، وتناثر مساحة الحركة والنشاط الداعم للفلسطينيين، وهنا ننتظر ما تقدمه أمريكا من أفكار في المؤتمر الوزاري المزمع عقده والذي لا يتوقع أحد أن يرضي القادة العرب في المنطقة.
أما آثار فشل الزيارة على الأوضع الداخلية، خاصة الاقتصادية فهو لن يزيد الأوضاع سوءًا لأن انهيار الوضع الداخلي مصر ليس في صالح أمريكا نفسها.
وستزداد الضغوط على عرفات وعلى الشعب الفلسطيني وعلي العرب لقبول خطط شارون المدعومة أمريكيًا بلا مقابل يذكر، وهنا يخشى الجميع إذا خضعوا لهذه الضغوط من الانفجار القادم الذي يمكن أن يعيد رسم خريطة المنطقة كما فعلت نكبة ١٩٤٨م من قبل.