العنوان ماليزيا تعلن إجراءات تقشفية جديدة لمواجهة الأزمة الاقتصادية
الكاتب صهيب جاسم
تاريخ النشر الثلاثاء 23-ديسمبر-1997
مشاهدات 67
نشر في العدد 1281
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 23-ديسمبر-1997
خفض نسبة النمو إلى ٥٪
- ماليزيا مصممة على حل مشاكلها بنفسها دون اللجوء إلى المعونة الأجنبية أو صندوق النقد
منذ أن بدأت الأزمة الاقتصادية الآسيوية في ٢ يونيو الماضي والحكومات الأسيوية تعمل على مواجهتها وعلاج آثارها من خلال سلسلة تدابير تقشفية أعلنتها معظم دول جنوب شرق آسيا وكانت من ضمنها ماليزيا، أعلن وزير ماليتها أهم هذه الإجراءات في ١٧ أكتوبر الماضي عندما طرح ميزانية عام ۱۹۹۸م أمام البرلمان الماليزي، لكن الأوضاع الاقتصادية الإقليمية تفاقمت أكثر من ذلك، مما دفع الحكومة لإعلان تدابير شد حزام جديدة فما هذه التدابير؟ وإلى متى ستستمر؟
علل أنور إبراهيم وزير المالية إعلان هذه التدابير -خاصة أنها جاءت بعد ٤٨ يومًا من إعلان الميزانية- بأن اقتصاد المنطقة قد ساء بصورة كبيرة في الأسابيع الماضية فما زالت أسواق تايلند وإندونيسيا لم تستقر رغم أنهما دخلتا تحت برنامج القروض لصندوق النقد الدولي، ثم ظهرت الأزمة الكورية التي أجبرت كوريا الجنوبية على قبول قرض إعانة من الصندوق قدره ٥٧ مليار دولار، ثم واجهت اليابان أزمة جديدة بسقوط إحدى كبريات شركاتها وبنكين آخرين، وهذه الأزمات المالية لها آثارها الشديدة على الاقتصاديات الإقليمية بشكل خاص وبالأخص في قطاعها المالي، فقد أثرت على ثقة المستثمرين في الأسواق المالية الإقليمية، ونتجت عن ذلك ضغوطات شديدة على عملات وبورصات المنطقة، كما أن هناك عدة مخاطر أخرى متوازية مع الأزمة والتي قد تستمر في تأثيرها على الأداء الاقتصادي العام والاستقرار المالي، فقد تأثر القطاع الخاص بالأزمة بسبب سوء اختيار مجالات الاستثمار والديون لمؤسسات أجنبية والتركيز على قطاعات غير فعالة تجاريًّا وخاصة قطاع العقارات.
كان القطاع العام الماليزي يسجل فائضًا في الموارد منذ عام ۱۹۹۰م وحققت الميزانية الفيدرالية فائضًا منذ عام ۱۹۹۳م وانخفضت الديون الخارجية على الحكومة من 28,3 مليار رنجکت عام ١٩٨٦م إلى 8,9 مليارات هذا العام، لكن الأزمة التي تعرضت لها البلاد بسبب الوضع المالي الإقليمي وانخفاض عملات دول جنوب شرق آسيا لصالح الدولار حتى وصل سعر الدولار إلى 3,87 رنجکت مقابل 2,5 قبل الأزمة وانخفاض الأسعار في بورصة كوالالمبور بنسبة ٥٠٪، كل ذلك اضطر ماليزيا إلى إعلان ما أسماه أنور إبراهيم بـ«التدابير الإستراتيجية» لتقوية الاقتصاد وإعادة الاستقرار المالي، والتي وصفها بأنها «مؤلمة» لمنح ماليزيا القدرة على التكيف مع الأزمة والاعتماد على النفس لمواجهة أي مخاطر أخرى قد تظهر جراء الأزمة الإقليمية في ظل استمرار الموقف الماليزي برفض معونة صندوق النقد الدولي ولإعادة الثقة في نفوس المستثمرين الأجانب بقوة الاقتصاد الماليزي وقدرته على العودة لما كان عليه قبل الأزمة.
كان التجار والاقتصاديون في انتظار إعلان هذه التدابير التي جاءت لتغطي ما لم يطرح أو ما يحتاج إلى مراجعة في ميزانية ۱۹۹۸م ولتعالج ٣ قضايا رئيسية:
- نسبة العجز الحالي، وقد تعهدت الحكومة ببذل الجهود من أجل خفضه إلى ٣٪ من مجموع الناتج القومي لعام ۱۹۹۸م مقارنة بالنسبة المعلنة سابقًا والتي كانت ٤٪، وهذا يعني أن ينخفض حجم العجز إلى ٨ - ٨,٥ مليارات رنجكت العام القادم بعد أن كان ۱۳ مليارًا عام ١٩٩٧م، وسيتم هذا التخفيض من خلال خفض حجم إنفاق الحكومة الفيدرالية بنسبة ١٨٪ بينما كان قد أعلن رفع هذا الإنفاق قبل شهرين فقط، وهذا التخفيض يعني توفير 10,5 مليارات رنجكت ليصل الإنفاق الحكومي الفيدرالي إلى ٤٧,٧ مليارًا في العام القادم، وهذه ستكون لها نتائج مؤلمة كما وصفها أنور إبراهيم والاقتصاديون الآخرون وخاصة بالنسبة للقطاع العام والشركات التي توفر الأجهزة والمعدات للحكومة أو التي تأمل أن تنفذ مشاريعها.
- وسينعكس الخفض بالتالي على نسبة النمو فبينما كان متوسط النمو ٨- ٩٪ خلال السنوات الماضية فإنه سيكون ما بين ٤- ٥٪ فقط من مجموع الناتج القومي، وكان أنور إبراهيم أعلن عند تقديم الميزانية أن النمو سيكون ٧,٥- ٧,٧٪ . ولكن وزارة المالية راجعت التوقعات السابقة ضمن التدابير الجديدة.
وقد تأجلت المشاريع الكبيرة غير الإستراتيجية والمشاريع التي لم يبدأ تنفيذها والتي تعتبر غير ضرورية جدًّا لتطوير فاعلية الاقتصاد، وبينما يعتبر خفض نسبة النمو سيئًا في الأحوال الطبيعية فإنه قد واجه تفاعلًا إيجابيًّا في هذه الحالة الاستثنائية، وقد كان لإعلان هذه التدابير أثر إيجابي مباشر على بورصة كوالالمبور لأنه سيخفض من نسبة العجز في ميزان المدفوعات الذي يحسب حجم الصادرات والواردات في السلع والخدمات، ويخفض نسبة الإنفاق الحكومي ونسبة النمو سينخفض حجم الاستيراد وبالتالي يتحسن مستوى العجز المالي في ميزان المدفوعات.
- وفي المقابل تتجه ماليزيا إلى تعزيز التصدير وتنشيط السياحة التي انخفضت مواردها في الأشهر الأخيرة بسبب حرائق الغابات في إندونيسيا المجاورة.
وأما الدرس الذي خرجت به ماليزيا من الأزمة فهو خفض الاعتماد على التمويل الأجنبي للمشاريع والاستمرار في خطة زيادة معدل الادخار الذي يعتبر من أعلى معدلات الادخار في العالم، حيث وصل إلى ٤٠٪ من مجموع الناتج المحلي، أما القطاع البنكي فقد أكد أنور إبراهيم أن وضعه ما زال مستقرًا، لكنه أعلن عن تدابير خاصة به وبالقطاع التجاري، وكان أول المشاريع التي بدأت التدابير تطبق عليها مشروع الجسر البري بین تایلند وماليزيا والذي تقدر تكلفته بـ۱۰ مليارات رنجكت، فقد أجل تنفيذ المشروع ما عدا الجزء الأول منه والذي سيكلف ۱٫۸ مليار رنجكت وهو لمد أنابيب غاز بين تايلند وماليزيا، وسبب تأجيل المشروع عدم قدرة القطاع الخاص التايلندي والماليزي والإندونيسي على تمويل المشروع في ظل الأزمة الحالية وعدم قدرة الحكومة التايلندية بصورة خاصة على إتمام الجزء التايلندي من المشروع، ولذلك أعلنت ماليزيا أنها لن تنفذ المشروع منفردة وستؤجل ذلك لما بعد الأزمة الحالية.
كل هذه الإجراءات جاءت لتظهر للمستثمرين الأجانب تصميم ماليزيا على حل مشاكلها بنفسها دون اللجوء إلى المعونة الأجنبية من صندوق النقد الدولي.
أما تنفيذ مخططات هذه التدابير فستقوم به لجنة خاصة أعلنت الحكومة تشكيلها يوم ٢١ نوفمبر الماضي وسميت بـ«المجلس التنفيذي الاقتصادي القومي»، والذي أعطي السلطة من قبل مجلس الوزراء ويعمل كذلك كمجلس استشاري «برئاسة رئيس الوزراء د. مهاتير محمد وبعضوية بعض الوزراء والاقتصاديين، وستكون لهذه اللجنة سلطة اتخاذ قرارات كتلك التي أعلنت في فترة الطوارئ عام ١٩٦٩م، مع أن الطوارئ لم تعلن حتى الآن، وقال مهاتير عندما أعلن تأسيس المجلس إن الهدف منه: معالجة المشاكل الاقتصادية المالية»، ومن أجل تحقيق ذلك كان علينا أن نعلن تطبيق الأسلوب نفسه الذي اتبع في حالة الطوارئ عندما شكل مجلس العمليات الوطني، لكن المجلس التنفيذي الحالي هو إجراء لمواجهة أزمة اقتصادية. كان مجلس العمليات الوطني قد شكل بعد أحداث ۱۳ مايو ١٩٦٩م لحل الأزمة العرقية والسياسية آنذاك.
لم تكن الأزمة الحالية التي تواجهها ماليزيا هي الأولى من نوعها، فقد انخفض معدل النمو في الفترة من ١٩٨٤م- ١٩٨٦م بسبب انخفاض أسعار السلع الخام كزيت النخيل والمطاط والقصدير بسبب انخفاض الطلب عليها عالميًّا، ولكن أسباب انخفاض النمو هذه المرة أكثر تعقيدًا وأسبابها مختلفة كما ذكرنا، كما أن تأثيراتها أكبر بكثير، وقد ذكر تقرير البنك الوطني الماليزي عن وضع الاقتصاد في الربع الثالث لعام ۱۹۹۷م، أن جميع قطاعات الاقتصاد قد سجلت انخفاضًا في نسبة نموها فقطاع الخدمات نما بنسبة 1,1٪، بينما نما قطاع المعادن بنسبة 0,1٪ فقط وهناك قطاعات ثانوية كانت ذات أداء أفضل من قطاعات أخرى فبينما نما قطاع تصنيع السيارات بنسبة ٢١٪، كان هناك انخفاض في نمو الإنتاج الكهربائي والأخشاب، وفي القطاع الزراعي ارتفع إنتاج زيت النخيل بسبب ارتفاع حجم الطلب والأسعار دوليًّا، وفي المقابل كان هناك تراجع في بيع المطاط وشجر الصوان، وإذا نظرنا نحو عام ١٩٩٨م فمن المتوقع أن يشهد انخفاض نمو حادًّا في قطاع البناء مع انتهاء مشاريع ملاعب ألعاب الكومنولث ومع تأجيل معظم المشاريع الكبيرة وهذا سيؤثر على إنتاج الإسمنت والحديد ومعدات البناء وستنخفض تجارة السلع الاستهلاكية بسبب انخفاض الاستهلاك.
آثار هذا الانخفاض ستكون سلبية على الناس مع أنها ذات فوائد مستقبلية على المدى البعيد، ويقول بعض الاقتصاديين إن هناك دائرة اقتصادية تقليدية معروفة «نمو مطرد- انحدار- خروج من الأزمة- الصعود مرة أخرى»، وفي الحالة الماليزية وكذا بعض دول جنوب شرق أسيا نما الاقتصاد الماليزي بمتوسط ٨- ٩ سنويًّا بين عامي ۱۹۸۹ و١٩٩٦م وهي أطول فترة ازدهار اقتصادي وأقواها منذ الاستقلال الماليزي قبل ٤٠ عامًا، وعندما يقول الاقتصاديون إن النمو أصبح غير مستقر فإنهم يقصدون بذلك أنه استمر بنسبة عالية ولمدة طويلة وأن الطلب على السلع والخدمات أصبح يفوق قدرات الاقتصاد على سد هذه الحاجة، مما يؤدي إلى عنق الزجاجة الاقتصادية وحدوث التضخم الذي يؤثر بصورة مباشرة على أصحاب الدخل المنخفض والمتوسط.
كما أن النمو المطرد في جنوب شرق آسيا قد أدى إلى زيادة حجم الديون والاستثمار في قطاعات غير إنتاجية كالعقارات وأسواق الأسهم.
إلى متى؟
لعل هذا أصعب سؤال في الموضوع، وتعتمد الإجابة على صحة تنفيذ التدابير الاقتصادية لمعالجة الأزمة، فقد استمر الوضع تقشفيًّا لمدة عامين حتى خرجت ماليزيا من الانخفاض في نموها في منتصف الثمانينيات، واليوم هناك فرصة ثمينة لمعالجة الأزمة من خلال استغلال انخفاض سعر صرف الرنجكت أمام الدولار لزيادة حجم التصدير ومع التوجه نحو خفض الواردات سيتحسن وضع ميزان المدفوعات وهو أمر ضروري للتعافي من الأزمة، وكانت أحدث الدراسات في هذا الشأن قد توقعت أن تخرج ماليزيا خلال عامين من الأزمة الحالية وتعود نسبة النمو السابقة وهي ٧- ٩٪ في عام ۲۰۰۰م، وقد ذكر التقرير الصادر عن المعهد الماليزي للبحوث الاقتصادية أن نسبة نمو العام القادم ستكون ما بين ٥- ٦٪ بينما ستكون نسبة نمو عام ١٩٩٩م 6,1٪ وعلل المدير التنفيذي للمعهد محمد عارف نسبة النمو المنخفضة: لقد اجتزنا الماراثون وعلينا أن نقلل من سرعتنا، وهو يرى أن على القطاع الصناعي أن يساعد ماليزيا في الخروج من الأزمة مع ضرورة خفض التكاليف في الاستيراد في هذا القطاع، وهو يتوقع أن يبقى سعر صرف الدولار في معدل 3,45٪ رنجكت في الربع الأول من العام القادم إلى بدايات عام ۱٩٩٥ حيث من المتوقع أن يرتفع سعر الرنجكت أمام الدولار ليصل إلى 2,80 – 2,85، وقال محمد عارف إن لانخفاض الرنجكت عاملًا إيجابيًّا مع انخفاض العملات الإقليمية الأخرى ولو لم يحدث ذلك لخفضت الحكومة من سعر الرنجكت للحفاظ على تنافسية السلع الماليزية في الأسواق العالمية، وبالرغم من أن الوضع السيئ قد انتهى، فإن التعافي من الأزمة يعتمد على مدى الثقة لدى المستثمرين في إيداع أموالهم لدى شركات ماليزية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل
80