العنوان ماليزيا والزلزال الاقتصادي الآسيوي!
الكاتب صهيب جاسم
تاريخ النشر الثلاثاء 11-نوفمبر-1997
مشاهدات 72
نشر في العدد 1275
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 11-نوفمبر-1997
أبعاد... مواجهته.. والحلول المطروحة
الزلزال بدأ في تايلند عندما سقط «البات» تحت هجوم المضاربين ثم توالت الضربات حتى وصلت ماليزيا
§ د. مهاتير محمد: جورج سوروس هو المتهم الأول وراء الأزمة.. فهو رجل ذو مهنة غير أخلاقية.
§ أيهما تقع عليه المسؤولية: المضاربات الدولية أم الأنظمة المالية الداخلية لدول المنطقة؟
§ ماليزيا تواجه الأزمة بـ: إجراءات تقشفية.. خفض الضرائب ونسبة النمو.. تقنين تجارة العملة.. سلة مشتركة للعملاء.
§ هل هناك مؤامرة حقًا لإطفاء مستقبل آسيا الزاهر؟ وهل لإنشاء تكتل أسيا الاقتصادي علاقة بذلك؟
«في الحقيقة إننا نواجه أحد أشكال الحرب الاقتصادية التي أعلنت من قِبَلِ جهات غربية، وأرض المعركة هي سوق الأوراق المالية»، «إن هناك مجموعات دولية تحاول أن تتآمر لتهز استقرار الاقتصاد الإقليمي» و«إن النمو السريع لاقتصاديات دول المنطقة جذب أنظار العالم المتحضر في العقدين الأخيرين وسبب نوعًا من الحسد».
كانت هذه مقتطفات من الكلمة التي ألقاها نائب رئيس الوزراء ووزير المالية الماليزي أنور إبراهيم أمام جمع كبير من أعضاء حزب المنظمة الملايوية القومية المتحدة «أمنو» في اجتماعهم السنوي الأخير في سبتمبر الماضي، وأضاف قائلًا: «إن النمو السريع وتقدمنا الاقتصادي قد خوف تلك الدول التي أصبحت قلقة من أن قوتنا سوف تضعف الهيمنة الاقتصادية للقوى الكبرى، إضافة إلى أن الصين بدأت تتجه نحو الاقتصاد المفتوح...».
كان لهذا الاجتماع الحزبي لأكبر منظمة سياسية في ماليزيا قادت التحالف الحاكم منذ الاستقلال أهمية خاصة... فهو قبل كل شيء يأتي بعد أيام من عيد الاستقلال الماليزي الـ ٤٠ في 31/ 8/ 1997م .... «٥٧- ۱۹۹۷م»... واختلف عن الاجتماعات التسعة السنوية السابقة التي لم يكن أنور إبراهيم يتحدث فيها عن المصاعب الاقتصادية التي تواجه دول جنوب شرق أسيا؛ حيث شهدت التسع أو العشر سنوات الماضية نموًا مطردًا لم يشهده البلد منذ الاستقلال...
لكن أنور إبراهيم أعاد للأذهان ما قاله في كلمته وهو يعلن الميزانية الوطنية قبل 3 سنوات عندما دعا الشعب الماليزي للاستفادة من دروس القرآن ومنها الرؤيا التي فسرها سيدنا يوسف -عليه السلام- وما كان في تفسيرها من سبع سنوات عجاف أعقبتها سبع سنوات خير وبركة.. ولعله عندما قال ذلك في كلمته لم يدرك معناها الكثيرون لكن مرادها واضح في أذهان من يسمعها الآن.
إن الأزمة الاقتصادية لا تواجه ماليزيا وحدها، كما أنها ليست المصدر الذي خرجت منه الأزمة، فالأزمة بدأت في تايلند وتبعتها الدول الأربع الأخرى «الفلبين - إندونيسيا - ماليزيا - سنغافورة» وتعود أول بوادر الأزمة عندما وقع «البات» التايلندي تحت هجوم مضاربين مما دفع تايلند وسنغافورة للتدخل للدفاع عن البات في الفترة من ١٣ -١٥ مايو الماضي، لكن تايلند أجبرت على تعويم البات عملتها في الثاني من يونيو وطلبت من صندوق النقد الدولي تقديم «مساعدة فنية» وانخفض البات بنسبة تتراوح ما بين ۱٥ -۲۰% وفي ٧ يوليو أعلن البنك المركزي الفلبيني عن سماحه بمرونة أسعار البيسو مقابل الدولار وقامت إندونيسيا بالمثل، وخلال شهري يوليو وأغسطس كانت البورصات الأسيوية قد تراجعت بنسب لم تعهدها منذ عقد أو عقدين على الأقل... وتراجعت أسعار تبادل العملات الإقليمية مقابل الدولار الأمريكي بنسب متفاوتة، لكن أكثر نسب الهبوط كان في سعر الروبية الإندونيسية التي تراجعت في إحدى الفترات بنسبة ٥٠% وانحدر البات التايلندي مقابل الدولار بنسبة ٤٤% والرنجت الماليزي بنسبة ٢٥ -33% والبيسو الفلبيني بنسبة ٣٢,٢% وكانت أعلى نسبة انخفاض للدولار السنغافوري وهو الأقل تضررًا 8- 9%.
ماليزيا.. كفاح ٤٠ عامًا....
لقد انتقل الاقتصاد الماليزي نقلات كبيرة منذ الاستقلال في عام ١٩٥٧م، فقد فتحت أسواقها هي وكثير من دول المنطقة منذ وقت مبكر للمستثمرين الأجانب الذين كانوا أحد أسباب النمو بعد استعمار دام قرونًا، فماليزيا –مثلًا- خرج منها المستعمرون بعد ٤٤٦ عامًا تاركين البلد في وضع سيئ كغيرها من الدول المستعمرة، ولم تصبح ماليزيا ذلك البلد الصاعد اليوم بصورة «معجزة» كما أطلق عليها صندوق النقد الدولي هي وعدد من دول جنوب شرق أسيا، بل لقد بنيت ماليزيا بدموع وعرق شعبها في أيام حلوة وأخرى مرة، ويعود نجاحها الأسباب كثيرة منها: السلام الاجتماعي، الاستقرار السياسي، سياسات ذات بعد مستقبلي، استراتيجيات صحيحة... عمل جاد ومنظم، ومع كل هذا تبقى أهمية إدارة النجاح الاقتصادي التي تعد أصعب من جلب هذا النجاح، ويعتبر هذا أحد التحديات التي تواجه دول جنوب شرق أسيا فمع آثار العولمة وصعوبة الاستقلال الاقتصادي تظهر تحديات اقتصادية جديدة تحتاج إلى إدارة حكيمة.
قبل ٣٥ عامًا كانت ماليزيا معتمدة في اقتصادها على القصدير والمطاط والذي كان سلعة مهمة في الأسواق العالمية، لكن ذلك الوضع لم يدم مما تسبب في اهتزاز الدخل الاقتصادي للشعب؛ ولذلك قررت ماليزيا الانتقال إلى القطاع الصناعي، ولم يكن لديها آنذاك قدرات صناعية ولا سوق داخلية كبيرة، وهما من أهمِّ عوامل نجاح حركة التصنيع، ولذلك كان لا بُدَّ من الاعتماد على الاستثمارات الأجنبية والتي لن تنجذب إلى السوق إلا بأن يضحي البلد، بالضرائب والمشاركة المحلية، في وقت ارتفعت فيه معدلات البطالة... فأصبحت ماليزيا بعدها «أرض الفرص» بالنسبة للمستثمرين، وفاتنة الشركات المتعددة الجنسيات ذات الاستثمارات طويلة المدى، فنمت التجارة والمشاريع العقارية الكبيرة والتي أعطت البلد دفعة قوية إلى الأمام، ومع تحرير السياسة المالية بدأت الاستثمارات «الرأسمالية» تتدفق، ومع منتصف التسعينيات دخلت ماليزيا في قائمة الدول الصناعية الجديدة «المجموعة الثانية» خاصة بعد أن بدأت تلعب دورًا دبلوماسيًا وسياسيًا بارزًا مقارنة بغيرها من الدول النامية، أما في مجال الصناعات فقد حققت أكثر من أحلامها؛ حيث صدرت العام الماضي ما قيمته ۸۰ مليار دولار من المواد المصنعة، والتي تحتل نسبة ٨٢% من المواد المصدرة.
وهذه البيئة خلقت فرصَ عملٍ هائلة، بل إن لديها نقصًا في العمالة الماليزية في كثير من القطاعات، مما دفعها للاعتماد على العمالة الأجنبية التي وصل عددها إلى ١.٧ مليون موظف وعامل.
وتعلَّم كثيرٌ من الماليزيين أسرارَ الاقتصاد الصناعي، وبدأوا بصناعة السلع بصورة أكثر استقلالية عن اليابانيين أو الغربيين، بل وبدأ المستثمرون الماليزيون بنشر الرنجت الماليزي حول العالم، فقد نما الاستثمار الماليزي الخارجي بنسبة 8% خلال 9 سنوات «88 - ۱۹۹۷م»، وانخفضت نسبة التضخم ٣.٥%، وارتفع معدل دخل الفرد من ۱۷۰۰ دولار في عام ۱۹۷۰م إلى 5 آلاف دولار في عام ١٩٩٧م، وكان لماليزيا نسبة عالية من الادخار وصلت إلى ٣٥% من مجموع الناتج المحلي ووصلت أسعار الفائدة إلى 8- 9% وهو سعر جيد للمدخرين والمقترضين وأصبحت ماليزيا تمتلك أفضل البنى التحتية في المنطقة من موانئ ومطارات وطرق سريعة وقطارات وطاقة لا تنقطع عن المدن إلا نادرًا، وكذا المياهُ والمواصلات والهواتف.
أرباح هائلة
وبدأت الشركات تُدِرُّ الأرباح الهائلة، ومع خفض الضرائب عليها فقد ارتفع دخل الحكومة بنسبة ١٠% سنويًا، وحققت الميزانية الحكومية فائضًا خلال الأربع سنوات السابقة وانخفض حجم الديون الماليزية، وقد أدت هذه السياسات إلى خفض العجز في ميزان المدفوعات عام ١٩٩٦م من ٧ مليارات إلى 5 مليارات وانخفض أكثر من ذلك في النصف الأول من هذا العام، ولو أعطيت البلد فرصة ولم يضرب اقتصادها مع جاراتها لانخفض أكثر، بل انتهى هذا العجز العام القادم، كما أنه من ميزات ماليزيا عن بعض دول المنطقة وجود حكومة قوية وقادرة على صنع القرارات وتنفيذها، وهو ما ساعدها في هذه الأزمة مقارنة بحكومة تايلند التي تبدو أضعف سياسيًا وإداريًا، ولذلك كانت أكثر الضحايا جراحًا في الأزمة بين دول المنطقة، وما زالت تعيش أزمةَ إيجاد حكومة قوية.
من هذه التجربة الاقتصادية يمكن أن تستفيد الدول النامية دروسًا كثيرة، وتسعى الحكومة الماليزية لإفادة كل دولة نامية من غرب آسيا وفي آسيا الوسطى، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية للتعرف عليها، ومن الأمور التي استطاعت الإدارة التنفيذية إنجازها:
1 - أن تدير حجمًا كبيرًا من الاستثمارات الأجنبية وقد استفادت في الفترة الأخيرة من المعادن والمواد الخام بصورة جيدة يتطلبها وضع السوق الآن بعد أن كان إنتاج هذه المنتجات الزراعية سابقًا لا يحتاج إلى تقنية عالية.
2 - أنها وفرت مواد ومنتجات مصنعة صالحة للتصدير بصورة كبيرة في جميع أنحاء العالم.
3 - كونت واكتشفت أسواقًا جديدة في دول عالم الشمال والعالم الثالث.
٤ - انفتاح الحكومة وتساهلها مع الشركات والمستثمرين.
5 - إعطاء الأولوية لمشاريع البنية التحتية وتليها الصناعة التي أنجز فيها ۸۹۱۸ مشروعًا خلال الفترة «٨٥ -٩٦م» كان نصيب الأموال الأجنبية منها ٥٠- ٥٥% حسب ما ذكرته إحصائية لوكالة التقدم الصناعي «ميدا» وتوزعت بالترتيب على المشاريع التصنيعية: الكهربائية، والإلكترونية، والملابس والمنسوجات، والمطاط، والخشب، والبلاستيك، والكيماويات.
هذا بالطبع إضافة إلى الاعتماد على خطط خمسية متصلة تنفذ تحت إطار خطة عامة طويلة المدى فبعد انتهاء الخطة الاقتصادية الجديدة (۷۰- ۹۰) بدأت الآن خطة التنمية الوطنية التي تسير موازية للخطة الصناعية الثانية (١٩٩٦م- ٢٠٠٥م) كما أنه من المهم وضع هدف محدد تعمل كل هذه الخطط والجهود من القطاع الخاص والعام من أجله.
كان لا بُدَّ من هذه اللقطات السريعة من شاشة الواقع الماليزي عند هبوب العاصفة الاقتصادية قبل الرجوع إلى كلام د. مايكل كامرسيوس رئيس صندوق البنك الدولي الذي قال: في ١٧ يونيو: «ماليزيا مثال جيد كبلد فيه سلطات واعية بتحديات إدارة الضغوطات الناتجة عن نسبة النمو العالية وتحدي المحافظة على نظام مالي ثابت وسط تدفق رؤوس الأموال بشكل كبير ونمو سوق العقارات»
وأضاف: لقد بقى العجز في السنوات الماضية منخفضًا، وأما العجز الحالي فهو بسبب الإنفاق على الاستثمارات الكبيرة لكن انخفض بصورة كبيرة. وقال وضمن الجهود الرامية للمحافظة على تدفق شامل وتوزيع المعلومات إلى الأسواق كانت ماليزيا ضمن الدول الأولى التي شاركت في الخدمة الخاصة بتوزيع المعلومات التابعة لصندوق النقد.
هذا كلام أكبر مسؤول في صندوق النقد... لكنه يتناقض مع كلامهم الآن بأنهم فقدوا الثقة في أساسيات الاقتصاد الماليزي وإلقائهم باللوم على الحكومة في الاضطراب الاقتصادي الأخير..
لقد كان أداء الاقتصاد الماليزي جيدًا إلى أقصى المعايير الدولية، فنسبة النمو استمرت ما بين ٨- ٩.٥% ولمدة عشر سنوات مع فرص عمل كافية ونسبة تضخم منخفضة والاحتياطي الأجنبي حتى شهر يوليو «قبل الأزمة» كان كافيًا لتمويل ٤ أشهر من الاستيراد، بل وكانت هناك تقديرات بأن الرنجت سيتقدم أمام الدولار، فإذا كانت هذه الصورة تؤكِّد سلامة أساسيات الاقتصاد فكيف وقع السقوط المالي المفاجئ بعد انحدار البات التايلندي وفي شهرين؟
لماذا وقعت الأزمة؟ ومَنْ وراءَها؟!
إذا تصفح الإنسان أي صحيفة أسيوية أو استمع إلى تصريحات الرؤساء أو المسؤولين أو قرأ تقارير البنوك ومعاهد الدراسات يجد نفسه أمام كمٍ هائل من التفسيرات الرامية لتحليل أسباب الأزمة وسبل علاجها ومستقبل دول المنطقة.. تفسيرات متضاربة ومتجددة وبصورة متغيرة يوميًا، لكن يمكن تقسيمها بشكلٍ عام إلى مجموعتين من الآراء.. إحداهما تتهم المضاربين الدوليين وتجارة العملة بأنها السبب الرئيسي وراء هذه الأزمة المفاجئة.. والمجموعة الثانية تحاول أن ترجع ذلك لأسباب داخلية بالدول والأنظمة المالية في المنطقة ومعظمهم من الغربيين، وهناك محللون يؤمنون باشتراك العاملين المذكورين في الأزمة، ولكنهم قد يعطون أهميةً أكبر لأحدهما:
أولًا: التفسير الغربي «التحرري»
بدأ هذا الرأي يتراجع في أعين الاقتصاديين خاصةً الأسيويين منهم مع بقاء الكثير من المحللين الغربيين معتقدين به مع أن ما أصاب هونج كونج، بل وحتى نيويورك يثبت عكس ذلك.
ویرى الفريق الذي يدافع عن جورج سوروس رجل الأعمال اليهودي الذي يتهمه د. مهاتير محمد بأنه المتهم الأوَّل وراء الأزمة، يرى أن سبب الأزمة هي من أساسيات الاقتصاد، بل وإن المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض كرر مرارًا أن مستوى العملة هو الذي يعكس مستوى الاقتصاد للبلد وأن اللاعبين في السوق يجب أن لا يتهموا بأنهم وراء الأزمة، ويرجع محللون غربيون آخرون ومنهم فيليب بورونج أن أحد أهم أسباب هذه الأزمة هو «العجز المعلوماتي»، وذلك لأن المعلومات -حسب قوله- خاطئة أو غير كافية عند توافرها في الأسواق أو أنها مفقودة أصلًا ويذهب إلى انتقاد صندوق النقد الدولي الذي يعتبر نفسه «حكيم» البنوك والذي عجز عن توفير المعلومات في وقتها المناسب ويرى أن الشركات والبنوك الأجنبية بعد أن ألقت بأموالها في سلة المعجزات الآسيوية -كما يحب الغربيون تسميتها- استيقظت وهي أمام حقيقة مجهولة أحدثت هستيريا بين المستثمرين الذين سحب الكثير منهم أموالهم من أسيا بسببها.. ويرى جيم إجلان أن سبب الأزمة هي جراح دول المنطقة التي اتهمها بالفساد الإداري والسياسات الفاشلة وإخفاء المعلومات عن المستثمرين ولضعف الثقافة والديمقراطية.. بل ويتهم آخرون الصين، لكن هذا الاتهام ذهب أدراج الرياح عندما ضُربت الصين عن طريق هونج كونج فكانت آخر الضحايا، بل ويتوقع أن تتأثر هي الأخرى في حجم صادراتها بعد أن انخفضت أسعار عملات دول جنوب شرق آسيا، وبالتالي سلعها المصدرة كذلك ستكون منافسة للصين بعد أن كانت هي منافسة لهم..
أما سوروس اليهودي الهنجاري الأصل الأمريكي الجنسية فقد دافع عن تحرير التجارة هو ووزير المالية الأمريكي، روبرت رويني اللذان رأيا فيها الحل للأزمة، ووصف سوروس الأزمة بأنها: «نكسة» في تاريخ «المعجزات الأسيوية»، وأنها مؤقتة ستندفع المنطقة بعدها نحو الإصلاح الاقتصادي لوجود طاقة هائلة في المنطقة.. وقد أعطى سوروس أسبابًا أخرى يعتقد أنها وراء الأزمة تتركز في: نقص في المعلومات التجارية والمالية، والتوسع في الائتمان، ديون الشركات التي ارتفعت بنسبة ٣٠% في الـ: ٣ سنوات الماضية، بسبب المشاريع الكبيرة على حدِّ قوله.
خطأ التفسير التحرري
إن الصدمة التي أصابت البورصات العالمية وعلى رأسها بورصة "هونج كونج"، وتبعتها البورصات الأسيوية الأخرى أثبتت أن السوق المالية تسير وفق ما يريده المضاربون لا وفق نظرية قوى السوق المجردة، فهونج كونج كانت عشيقة المحللين والاقتصاديين الذين طالما استدلوا بها منذ أن تدهور الاقتصاد التايلندي وتبعه تدهور العملات في جنوب شرق آسيا.. كان يُقال: أنظروا إلى هونج كونج، لو كانت أساسيات اقتصادها ضعيفة لترنح دولارها مع عملات جنوب شرق آسيا ولحدث لها ما حدث لدول جنوب شرق آسيا، وبالتالي فأنتم – يا دول جنوب شرق آسيا، تعانون من ضعف أصول اقتصادياتكم!! لكن ما أصاب هونج كونج وتأثرت به بورصات بلاد الغرب أثبت خطأ تلك النظرية، وأضاف إلى جعبة ماليزيا دليلًا آخر على أن ما ذهبت إليه منذ بداية الأزمة أن وراء هذه الأزمة مضاربون يلعبون بالسوق كيفما شاءوا اعتقاد صحيح وأن الانفتاح الكامل للشركات الأجنبية سيولد تحديات سابقة لأوانها في وجه مسيرة النمو لدول الشرق الصاعد، لقد تبنى رئيس الوزراء الماليزي د. مهاتير محمد ونائبه ووزير ماليته أنور إبراهيم، تبنيا منذ بداية الأزمة تفسيرًا مغايرًا للتفاسير الأخرى في شرحها لأسباب الأزمة ودعوا لإصلاح النظام المالي العالمي.. وبالرغم من أن البنك الدولي وصندوق النقد ما زالا يدرسان هذه الاقتراحات فإن هناك الكثير من المعارضين الذين يحاولون اتهام ماليزيا بأنها تريد تغطية نقاط ضعفها باتهامها اليهودي جورج سوروس ورفاقه بأنهم وراء الأزمة، ويرى هؤلاء المعارضون أو التحرريون -كما يسميهم البعض- يرون أن السوق المالية تسير وفق سياسة مالية وتدابير متينة، لكن الواقع يثبت عكس ذلك، فمديرو صناديق التمويل أمثال: سوروس، خبراء في هذه السياسات المالية واقتصاديات الدول ولديهم معلومات مفصلة عن الأسواق المالية، ولذلك يحركون الأموال التي تحت تصرفهم في الوقت الذي يرونه مناسبًا من البلد الذي يرونه ضعيف الأساس إلى بلد يعتقدون أنه قوي الأساس وهذا ما حصل في يوم الخميس الأحمر والاثنين الأسود، ويرى هؤلاء ومن يؤمن من الاقتصاديين بـ: «نظرية قوى السوق المجردة» أن السوق مقيم مجرد وذكي لأداء اقتصاد بلد معين، ويشبهونه بدور المحكمة العليا التي تصدر أعلى الأحكام على أحد البلدان على أساس المعلومات المتوافرة، فإذا تدهورت أسعار عملة أو أسهم بورصة بلد معين فهذا يعني في نظرهم أن ذلك البلد قد غاصت أرجله في الوحل، وإذا كانت إحدى العملات قوية فذلك؛ لأن اقتصادها قوي.. كيف نعرف صحة ذلك؟ سيقولون لنا: لأن السوق دائمًا حكيم ودائمًا على حق، لكن ما يعاب على هذه النظرية أنها معتمدة على افتراضات وإذا أخذنا هونج كونج كمثال فإن أساسيات اقتصادها متينة ولكنها سقطت كفريسة جديدة، وبالتالي لا يمكن الدفاع عن هذه الافتراضات، هونج كونج أكبر اقتصاد أسيوي بعد اليابان وصاحبة احتياطي أجنبي يقدر بـ ۸۸ مليار دولار لم يحمها ذلك من أن تتدهور بورصتها، وبالتالي إثبات عدم صحة نظرية «القوي لا يتأثر» وتايوان واجهت الشيء نفسه عندما أجبرت على رفع القيود عن تثبيت سعر صرف الدولار الأمريكي بعد أن أنفقت خمسة مليارات دولار للدفاع عن عملتها في وجه الدولار، لكنها سئمت بعد ذلك، إنه ليس من المستغرب أن يغير المتحررون موجة حديثهم وأن يجدوا لأنفسهم تفسيرًا آخر للأزمة فماليزيا مثلًا -كهونج كونج- وصفها المدير العام لصندوق النقد الدولي في مايو بأنها: «نموذج يحتذى به»، ثم أصبحت في يوليو في نظره ذات اقتصاد أساسه ضعيف!!
الزلزال الأوَّل...
لقد كان زلزال هونج كونج الأول والزلزال العالمي الثاني ذا إيجابية مُهمَّة وهي إيقاظ الرأي العام العالمي أمام الحقيقة التي حاول التغاضي عنها؛ وهي أن المضاربين والاحتكاريين خطر على التجارة العالمية، وقد بدأت بعض الصحف الغربية الحديث عن حقيقة الأزمة ومن ذلك الصحيفة الكندية المعروفة "جلوب أند مايل"، التي وصفت حادث هونج كونج بذهول واضح وقائلة: إنها كانت «السماء الآمنة» لآسيا ومع أنها تساير الأسلوب الغربي في اقتصادها، وكان من المفترض حسب نظرية قوى السوق المجردة أن لديها صناعة من العاصفة التي بدأت تهب من تايلند.
الأكثر من ذلك أنه في باب الاقتصاديات في الصحيفة نفسها تمَّ إثبات رأي ماليزيا وهو أن مديري صناديق التمويل التي اتهمت بضرب اقتصاديات جنوب شرق آسيا حققوا ربحًا كبيرًا ومفاجئًا في الاضطراب الجديد.
وقد نقل كاتب المقالة عن بيتر روسيون الذي يدير صندوقًا ذا (١,٥) مليار دولار في المنطقة قوله: «إن أصحاب الصناديق التمويلية يلعبون الآن لعبة ذكية»(!!!) اقتصاد هونج كونج المعروف بقوته والموصوف من قبل مستشار البنك الدولي بثر بوتلبير بأنه: «قوي جدًّا جدًّا». هذا النوع من الاقتصاد وقع تحت رحمة المضاربين مما يدل على أن أي اقتصاد يمكن أن يهاجم من خلال سوق العملة والأوراق المالية ومعنى هذا أنه ليس بالضرورة بأن نقول إن اقتصاديات دول جنوب شرق آسيا «ضعيفة الأساس»، ولا يمكن الإيمان ببساطة بـ: «سقوط المعجزات الأسيوية»، ولكن الاقتصاديين المنصفين يصفون مسيرة النمو بأنها: «توقفت مؤقتًا»، ولكنها لم تسقط إلا إذا استثنينا تايلند عند بعض الآراء التي ترى أنها لم تتوقف فقط، بل بدأت تتراجع..
وكانت مجلة بزنس ويك الأمريكية قد نشرت في أحد أعدادها في شهر أغسطس الماضي بعد شهر من بداية الأزمة في تايلند تقريرًا أكَّدتْ فيه أن شركات صناديق التمويل قد استفادت كثيرًا من الأزمة بسبب المبالغ الضخمة التي تتحكم بها وتقدر على نقلها من بلد إلى بلد.. فمؤسسة مالية تدير ١٠ مليارات من أموال المستثمرين قد تطلب تحريك ١٠ مليارات منهم للمضاربة، وهو أسلوب قد يجلب أرباحًا أو خسارات هائلة في الوقت نفسه، وكانت صناديق التمويل قد عانت في النصف الأول من هذا العام من أداء ضعيف لكن في غضون الأيام الأولى لسقوط البات التايلندي ارتفعت أرباحها!! وأرجعت المجلة هذا الارتفاع المفاجئ إلى مضارباتهم على البات، ثم على الرنجت الماليزي، والروبية الإندونيسية، والبيسو الفلبيني، حتى وصل أثر ذلك إلى الدولار السنغافوري عملة البلد الذي كان يسمى مثل هونج كونج: «بالسماء الآمنة»، لكن دولارها لم يسلم كذلك، وتؤكِّد المجلة أولًا ارتفاع أرباح شركة جورج سوروس «سوروس کوتافند» في شهر يوليو والسبب كما ذكرت هو تحركاته المالية في المنطقة، كذلك شركة «تايفر منجمنت»، وهي ثاني أكبر صندوق تمويل في العالم وتمتلك ١٠.٥ مليارات دولار تحت تصرفها وقد ارتفعت أرباحها بنسبة ١١,٧% بعد معدل أرباح منخفض قبل شهر يوليو «شهر الأزمة» قدر بـ 0.07% فقط، وصندوق تمويل أغروناوت بارت التي ارتفعت أرباحها بنسبة 23.2% في الفترة المالية «يناير - يوليو ۹۷» مقارنة بـ ١٠.٤ في الفترة المالية «يناير - يونيو ۹۷» وهو ارتفاع هائل في شهر واحد فقط، ورقم رابع يشير إلى ارتفاع أرباح صندوق تمويل «أوميجا أدفا يسرس» وكان الفرق بين معدل أرباحها في الفترتين ۱۸% -٢٤,١% وقد اختتم تقرير المجلة بقوله: إن صناديق التمويل هي «العامل الرئيسي» لحدوث الأزمة المالية الأسيوية.. الغريب في التفسير الغربي أو «السوروسي» لحدوث الأزمة ليس إنكارهًا لدور صناديق التمويل «التخريبي»، ولكن اقتراحها على دول المنطقة بأن تسارع في مسيرة تحرير سوق أموالها بقيادة منظمة التجارة الدولية مع أن تحرير سوق الأموال كان هو السبب والمسهل لتحركات المضاربين فهو الفيروس المسبب للمرض الاقتصادي وليس علاجه وعلى الأقل في الأوقات الراهنة مع عدم استعداد الدول النامية لتبعات وتحديات الانفتاح الاقتصادي الكامل وغير المتدرج.
ثانيًا: التفسير الماليزي للأزمة
بعد بداية الأزمة الاقتصادية في تايلند بأسابيع خرج علينا الدكتور مهاتير محمد رئيس الوزراء الماليزي متهمًا جورج سوروس وآخرين معه بخلق هذا الاضطراب الاقتصادي وكان ذلك إعلانًا مبكرًا، لكن ما حصل بعدها وما كشفته الصحافة حتى بعض المطبوعات الغربية أثبتت صحة ما يقول، وكان مهاتير وسوروس قد حضرا اجتماع صندوق النقد والبنك الدوليين الـ51 في هونج كونج في سبتمبر الماضي وتحدث كل منهما عن رأيه في الأزمة، فمن جانبه وصف مهاتير جورج سوروس بأنه «مغفل» صاحب مهنة «غير أخلاقية» وكان قد وصفه منذ شهور بأنه مجرم كالذي يوزع المخدرات ليدمر الأوطان وذلك لتدميره اقتصاد دول بأكملها كافحت ٤٠ عامًا من أجل أن تنهض بشعوبها ومستوى معيشتها ثم يأتي أمثال سوروس ليخرب إنجازات ٤٠ عامًا، وفي المقابل نرى سوروس في المؤتمر يدافع عن المجتمع المنفتح.. وعن ذلك قال مهاتير: إننا طالما نرحب بالمستثمرين الأجانب بما في ذلك المضاربون، ولكن عندما تستخدم صناديق التمويل ثقلها الرهيب في رفع وخفض أسعار الأسهم لكسب أرباح مالية هائلة من احتكاراتهم فإنه من المستبعد أن تتوقعوا منا أن نرحب بهم، وكان المستشار الاقتصادي لمهاتير قد أكد ذلك بقوله: لا اعتقد إن د. مهاتير ضد الأجانب كما يقول الناس ولكنه ضد الاحتكاريين.. لقد أنجزنا الكثير بمساعدة المستثمرين الأجانب، وقال: لا يمكن لنا أن نكون ضد المستثمرين الأجانب.
وكان مهاتير قد أكَّدَ مرارًا أن لديه أدلة دامغة على تورط سوروس، وقال: إنه يدير مؤسسة مالية استخدمت في ضرب الرنجت. يقول د. مهاتير في مقابلة مع مجلة فورتشن: إن لدي أدلةً دامغةً على اشتراك سوروس.. وبالطبع ليس هو الشخص الوحيد فالآخرون تبعوه لكنه هو الذي بدأ.. وكان لديه اتجاه بالضغط على ماليزيا وتايلند لمنع ضم مانيمار لرابطة آسيان.
هناك إجماع بين الكثيرين على أن سرعة انتشار الأزمة وتطوراتها كان في ذاته أمرًا مفزعًا وغريبًا مع عدم وجود تفسير «اقتصادي مجرد» للأزمة.. فهناك فرق في الأداء الاقتصادي بين الدول وأسعار عملاتهم متفاوتة، وتختلف نسب العجز والتضخم بينهم... إلخ، كل هذا يشير إلى أنه ليس من المعقول أن نقول إن أساسيات الاقتصاد هي السبب فتايلند ليست كماليزيا –مثلًا- في عدة أمور منها:
1- أن تدفق الاستثمارات الأجنبية بصورة أكبر إلى ماليزيا يمكن أن يساعد في ملء الفجوة في الميزانية لكن الاستثمارات في تايلند بعيدة عن أن تقدر على ذلك.
2- اعتماد تايلند بصورة أكبر على رؤوس الأموال قصيرة الأجل وهو ما جعل من الضروري فرض نسبة فائدة عالية إذا ارتفعت أكثر من القيمة الأسمية لنمو الناتج القومي؛ لأنه سيكون من الصعب على الشركات أن تربح بما فيه الكفاية لسداد أسعار الفائدة؛ ولذلك بدأت الشركات التايلندية باستدانة ديون جديدة لتغطية الديون القديمة وفوائدها، أما في ماليزيا فما زالت أسعار الفائدة أقل من القيمة الأسمية لنمو الناتج القومي، وهذا يعطي فرصة أخرى للشركات لتكسب أرباحًا تسد بها الفائدة علاوة على أن حجم الديون الأجنبية قصيرة الأجل الماليزية أقل من مثيلاتها التايلندية كما أن أسعار تبادل العملة أكثر مرونة في ماليزيا.
3- الاستجابة للأزمة كانت تختلف؛ حيث لم تتفاعل الحكومة التايلندية بقوة مع الأزمة باتخاذ إجراءات سريعة مثل الحكومة الماليزية؛ وذلك بسب عدم الاستقرار السياسي واستمرار تغير الوزراء ورؤسائهم.
٤- حجم العجز في الميزانية التايلندية ضعف العجز الماليزي، فقد كان عجزها ٨.١ مليار دولار في عام ١٩٩٤م، و١٣.٢ في عام ١٩٩٥م و١٤.٤ مليار في عام ١٩٩٦م.
ومع أن نمو الاقتصاد التايلندي كان بين ٦- 9% في الأعوام الماضية فإن نموه هذا العام سيكون 3% مقارنة بنسبة نمو ٧- ٧.٥% للاقتصاد الماليزي العام القادم.
هذه المقارنة تظهر أن الأوضاع الاقتصادية تختلف بين ماليزيا وتايلند لكن ماليزيا لم تسلم من هجوم المضاربين مما يعني تأكيد دورهم في النموذج الماليزي وحتى الإندونيسي والسنغافوري والفلبيني ولو سلمنا بوجود نقاط ضعف ذكرها المسؤولون في هذه الُّدول، لكنها لا تقارن بالمعايير الاقتصادية المعهودة بالعملة والسوق المالية لهذا الانهيار.. الحقيقة إنه من المتوقع وجود نقاط ضعف في اقتصاديات جنوب شرق أسيا وهو أمر طبيعي وإلا ما سميناها: «دولًا نامية»، ولا بُدَّ من التأكيد على أن ما قطعته هذه الدُّول من أشواط طويلة في مسيرة النمو لم تقطعه أوروبا إلا في أكثر من قرن على الأقل إن لم تكن قرون والمشكلة الأكبر التي تفكر الحكومة الماليزية وجاراتها لحلها هي معالجة مشكلة العجز؛ ولذلك أعلن أنور إبراهيم وزير المالية الماليزي تقليصًا في الإنفاق الحكومي بنسبة ٢% مع إعلان تدابير أخرى لمواجهته، وكان العجز في ميزان المدفوعات قد انخفض من 9% من مجموع الناتج المحلي في ١٩٩٥م إلى ٥.٥% عام ١٩٩٦م.
إن أساسيات وأصول الاقتصاد الماليزي كانت متينة عند حدوث الأزمة؛ بنية تحتية، قيادة، وسلطة قوية، استقرار سياسي واجتماعي، نسبة إنتاجية عالية، بنية ادخار عالية، استثمارات في التقنية والتعليم... إلخ، فكيف حدث السقوط المفاجئ؟
إن أزمة العملات الآسيوية لم تكن بسبب القيمة الآسيوية التي هي أحد أسباب نمو النمور الأسيوية كالعمل الجاد والعزم والتصميم نحو تحقيق الهدف، والتعهد في خدمة المجتمع والوسطية، والتأثر بتعاليم المعتقدات سواء كانت إسلامية في ماليزيا وإندونيسيا وبروناي، أو بوذية أو غيرها في الدول الأخرى، كل هذه العوامل لا يمكن أن تكون سببًا لتدهور أسعار العملات، بل إن القيمة المادية البحتة هي التي دفعتها نحو السقوط بروح أنانية تسعى للربح على حساب الآخرين من خلال احتكارات على حساب كثير من الشعوب، اليوم جنوب شرق آسيا في المرتبة الأولى وتليها شرق آسيا أصبحتا آخر ضحية للمضاربات بعد المكسيك، وكما يقول د. مهاتير محمد «ويبدو أنه مع بداية نمو أي دولة نامية فقيرة فإنها تغتصب لتفقر مرة أخرى».
ماليزيا: مقترحات لمواجهة الأزمة
على الصعيد المحلي قامت الحكومة الماليزية بإعلان تدابير تقشفية خاصةً ضمن ميزانية عام ۱۹۹۸ لمواجهة الأزمة، فقد قامت بتقديم مقترحات ودراسات لمشاريع لمواجهتها إقليميًا ودوليًا بالتعاون مع دول رابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان» والمقترحات التي قدمتها لصندوق النقد والبنك الدولي هي:
۱- تقييم عمل صناديق التمويل وبنوك الاستثمار وقد صرَّح أنور إبراهيم بأنهم «وافقوا مبدئيًا» على المقترح الذي يسعى نحو إيجاد شفافية أكبر للوصول إلى المعلومات المتعلقة بأنشطة صناديق التمويل وتحركاتها.
۲- تدابير جديدة للمقترضين تتعلق بالأنشطة البنكية ومقترح «درع حرب»، الذي يوفر ٤٨ مليار دولار للدول التي تواجه أزمات قد تهدد النظام المالي العالمي.
3- مشروع «سلة مشتركة للعملات» «ليكون هناك معيار من أجل مقارنة قيمة العملات المختلفة، واليوم لدينا الدولار كمعيار وهو عملة غير مستقرة، لكننا نحتاج إلى معيار أقل تقلبًا» هكذا علل د. مهاتير أهمية هذا المشروع، ويكون التقييم لأي عملة على أساس المعايير والأداء الحقيقي للاقتصاد لبلدها، وإذا اختيرت هذه «السلة» بحكمة فإنه «سيكون لدينا القدرة على مقارنة عملات مختلفة بمعيار مستقر» فتسهل عملية التجارة وتقلل من أزمة فقدان الثقة في عملة بلد أو اقتصاد بلد معينة.
4- تقنين تجارة العملة: فالأسلوب المتبع حتى الآن في تجارة العملة ليس فيه شفافية ومفتوح لاعتداء الاحتكاريين، ولذلك جاء المقترح الماليزي الذي يرى ضرورة إنشاء سوق خاص لهذا الغرض الذي لاقى ترحيبًا مبدئيًا من قبل مسؤولي منظمة التجارة الدولية والبنك الدولي.. وفي هذا السوق سيكون لهؤلاء المضاربين مقاعدهم المسجلة أسماؤهم رسميًا فيه، وعند تجارتهم بأي عملة سيعرف من اشترى هذه ومن باع تلك، ومن أين أنت هذه الأموال، وإلى أين سحبت تلك المبالغ.
وقد وصف مهاتير وضع السوق الآن بقوله: «نحن نتاجر الآن مع شخص لا نعرفه، مثل الشبح يختفي فجأة ولن تجده، وهذا أمر صعب جدًّا، ولعدم وجود قوانين فإن أي بلد معرض لذلك في أي وقت، ومع أن سوروس يدعي أنه يكافح من أجل مجتمع منفتح فإن تجارته هذه «تجارة خفاء» كما يقول مهاتير، إن النظام القائم اليوم على أسعار البورصة «المرنة» كان قد ظهر لأوَّلِ مرةٍ في العام ١٩٧١م، لكنه كان وما يزال ذا انعكاسات مختلفة، فقد ارتفع حجم تجارة العملة حتى أصبح أكبر من حجم تجارة السلع والخدمات بـ: ٦٧ مرة، منذ ذلك الوقت وحتى العام ١٩٩٦م، كما أن النظام الحالي ليس كما يقول رئيس منظمة التجارة الدولية بأنه: جزء أساسي طويل المدى لتجارة السلع والخدمات الدولية، فقد ظهرت انتقادات كثيرة كما عرض الاقتصاديون بدائل عنه منها؛ العودة إلى نظام الأسعار الثابتة، وتشجيع النشاطات الاقتصادية طويلة الأجل، بدلًا من نشاط المضاربة قصير الأجل، أو السير ضمن تدابير مالية إقليمية، لكِنْ يبدو أن لوبي تحرير التجارة ما زالَ قويًا ومسيطرًا على معظم وسائل الإعلام الاقتصادية.
5- تحريم تجارة العملة: فاجأ الدكتور مهاتير الأسرة الدولية في 20/ 9/ ۱۹۹۷م بدعوته إلى تحريم أو منع أي تجارة بالعملة قانونيًا، ووصف تجار العملة بأنهم «عديمو الضمير» حينما ينقلون المليارات من بلد إلى بلد عند ضغطهم على زر واحد، وقال: «إنني أعرف أنني مقدم على مخاطرة كبيرة عندما أقول ذلك، ولكنني أقول إن تجارة العملة غير ضرورية، وغير منتجة، بل وغير أخلاقية»، وقال: «يجب أن توقف وتعتبر غير قانونية فنحن لا نحتاج لتجارة العملة، بل نحتاج أن نشتري العملة فقط عندما نمول تجارة حقيقية».
ووصفها بقوله: إنها «لا تخلق فرص عمل كافية ولا تنتج سلعًا أو خدمات، وكلها سرية وفيها شيءٌ من الغموض».
6- مقترح إنشاء وكالة دولية لتقديم الاستشارات والمعلومات للسوق المالية من خلال إنشاء نظام معلوماتي تجاري دولي.. د. کامدسيرس - المدير العام لصندوق النقد- أشار إلى أن هذه القوانين يجب عند الموافقة عليها أن تكون ضمن قوانين صندوق النقد الدولي (!).
بقي صندوق النقد الدولي محترسًا من مقترح تأسيس صندوق النقد الأسيوي لحل المشكلة الإقليمية، والذي اقترح من قبل رابطة دول جنوب شرق آسيا «أسيان»، ودعم من اليابان وهونج كونج منذ شهر سبتمبر، ففي البداية رفضه الأوروبيون والأمريكان بشدة، بل ووصفه جيمس ويلفنسن - رئيس البنك الدولي بأنه: «لا حاجة لتأسيسه»، ويرى كامرسيوس أن صندوق نقده الدولي يقوم بالمهمة، وقد تغير موقف الولايات في اجتماع هونج كونج بعد مفاوضات طويلة مع دول آسيان التي رحبت بتنازلها عن التحفظات بشأن المقترح الذي يراد من تأسيسه أن يكون صندوقًا للطوارئ المالية وذو ميزانية تقدر بـ: ١٠٠ مليار دولار، وقد أيده وزراء مالية الدول الخمس المتأثرة بالأزمة منذ البداية، ويرى المحللون ضرورة وجود مثل هذا الصندوق الذي يتفادى جمع الأموال من هنا وهناك بصورة سريعة ومؤقتة، وقد لا تكون كافية، كما هو الحال مع تايلند، الخلاف ما زال دائرًا حول علاقة هذا الصندوق بصندوق النقد الدولي الذي يرى أن أي نشاط كهذا يجب أن يكون تحت إشرافه وفي ظل قوانينه.
من جهة أخرى أعلن نائب رئيس الوزراء ووزير المالية أنور إبراهيم في منتصف شهر أکتوبر الماضي عن ميزانية عام ١٩٩٨م التي احتوت على تدابير لمواجهة الأزمة من خلال إجراءات تقشفية محلية عديدة، ومن خلال ترشيد إنفاق القطاع الخاص والعام.
أوَّلُ هذه الإجراءات هو إرجاء تنفيذ 9 مشاريع كبيرة ذات قيمة تقدر بـ: 65.6 مليار رنجت وتقليص المنح الدراسية للخارج، وفرض ضرائب على شراء الكومبيوترات الشخصية ولكن التجار سيستفيدون بتشجيع الحكومة لهم بتخفيض الضرائب عليهم من ٣٠% إلى ۲۸%، وتخفيض الضرائب على بعض السلع ورفعها في سلع أخرى، وإعلان تدابير لمعالجة العجز الحالي من خلال دعم التصدير، وتقليل الاعتماد على الاستيراد... إلخ.
هذه التدابير لاقت استحسان الاقتصاديين، بل وقد جاءت لتلبية كثير من مقترحات المحللين والتجار والخبراء، الذين استمروا منذ بداية الأزمة يقدمون مقترحاتهم للصحافة أو للحكومة بصورة مباشرة، وكثير منها كان يتركز على أخذ العبرة من الأزمة والاستفادة من الفرص التي توفرها للاقتصاد الماليزي لمعالجة شبه العجز والتضخم، وعدم اللجوء لصندوق النقد والبنك الدوليين، كما أن صندوق النقد الدولي رحب بالتدابير وأثنى عليها كذلك، من جانب آخر تسعى الحكومة نحو تحقيق نسبة نمو قدرها 7% في العام القادم، ونمو في دخل الفرد بنسبة ٥,٧% إلى ۱۲,۷۹۷ رنجت ماليزيا سنويًا.
وتحاول الحكومة الحفاظ على الصفة التنافسية للبلد للحفاظ على الخطط التي وضعت للوصول إلى أهداف ماليزيا الاقتصادية القريبة والبعيدة المدى، أما فيما يتعلق بمعالجة العجز في الميزان التجاري فإن الحكومة تبدو جادة في معالجته أولًا بخفض نسبة النمو وهو ليس بعيب؛ حيث ما زال مرتفعًا (٧.٥%)، ومن المعروف أن الاقتصاد لا يمكن أن يسير بنسب نمو عالية طوال السنين، خاصة عند الأزمات، فكل الدُّول الصناعية ذات نسب نمو تتراوح ما بين ٢- 4%؛ ولذلك فالحكومة تريد بخفض النمو أن ترى نموًا واقتصادًا مستقرًا يسهل على الدولة إعادة بنائه الذي سيكسب الاقتصاد الماليزي توازنًا ماليًا صحيحًا في الحساب الحالي، ولأن العجز هو أضعف نقطة في أي اقتصاد نام فلذلك كان التركيز على حله وقد كان العجز حسب الإحصائيات الرسمية ٥.٦ مليارات وارتفع إلى ۷,۹ مليارات في عام ۱۹۹۳م وإلى ۱۲.۱ مليار في العام ١٩٩٤م، و١٨,٧ مليار في العام ١٩٩٥م لكنه بدأ في الانخفاض منذ العام الماضي إلى ۱۳ مليارًا، هذا العجز يختلف عن حساب أصول میزان المدفوعات الذي يضمن تدفق الأموال من وإلى ماليزيا والاستثمارات الأجنبية، وغير ذلك لكن العجز في «الحساب الحالي» يعني أن البلد ينفق «على الاستيراد» أكثر مما يكسب «من التصدير»، وقد بدأ الإعلام الغربي يشن حملة على أن العجز أصبح غير مستقر ولا يمكن التحكم فيه، وهذا بدوره أثَّر على رغبات المستثمرين وعندما أعلن إجراءات تقشفية عرف أن الرسالة التي أرادها المحللون الاقتصاديون قَدْ وصلتْ، وهذه إحدى فوائد ما يعرف بـ: «حوارات الميزانية».
الصحافة ترقص فرحًا
أما الأمر الآخر الذي رقصت له بعض الصحف غير الماليزية فرحًا – وحسدًا - هو أن نسبة النمو قد انخفضت، لكن الاقتصاديين الماليزيين رحبوا بخفضه بنسبة ١- ١,٥% فقط، وذلك للتركيز على نوعية النمو لا على حجمه وهو ما سماه الاقتصادي الماليزي محمد عارف بأنه: تخلص من «هوس النمو».
ولذلك دعا أنور إبراهيم شعبه «لأن لا يرى رقم ٨ بأنه: الرقم السحري، فالمهم هو تدابيرنا القوية لتعزيز ثبات أساسيات الاقتصاد والاستمرار في جذب الاستثمارات الأجنبية»؛ وذلك لأن الكثيرين أخذوا انطباعًا أنه مع نمو ماليزيا بنسبة 8% - 9.5% فإنه عند انخفاضها فإن هذا يشكل عاملًا سلبيًا، وهي فكرة خاطئة اقتصاديًا، كما أن ماليزيا ما زالت الثانية في نسبة نموها حتى بعد الأزمة، ولا يسبقها في المنطقة سوى فيتنام التي لم تصبها الأزمة باضطرابات مباشرة لطبيعة نظامها المالي غير المتقدم وغير المرتبط كثيرًا بأسواق المال العالمية.
أما المستشار الاقتصادي للحكومة دائم زين الدين فيصف تخفيض نسبة النمو بقوله: «حتى الرجل يحتاج قليلًا من الراحة عندما يتعب» ويتوقع أن نسبة النمو سترتفع بعد عام أو عامين إن لم تظهر متغيرات ومفاجآت جديدة.
أما انخفاض سعر الرنجت أمام الدولار الأمريكي فمع وجود الجانب السلبي لذلك فإن هناك جانبًا إيجابيًا وهو أنه سيدفع عملية التصدير وقد بدأت ملامح ذلك تظهر بالفعل فقد سجل الميزان التجاري للشهرين الأخيرين فائضًا قدر بـ 1.2 مليار رنجت بعد شهرين من العجز بسبب انخفاض سعر تبادل الرنجت مقابل الدولار من ٢.٥ -٣.٥% تقريبًا، وفي مقابل ذلك بسبب ارتفاع أسعار السلع المستوردة فإن الحكومة تسعى لتعبئة الشعب على الاعتماد على السلع المحلية قدر الإمكان ومطالبة المصانع بالرقي بنوعية منتجاتها لتحل كبديل عن السلع الأجنبية، ولأن رجل الشارع سيتأثر بالطبع بالأزمة فقد خفضت أسعار تكلفة الرعاية الصحية والتعليمية محليًا، وقد بدأت حملة دعائية للترويج لكل ما هو ماليزي من شراء السلع الماليزية، وظهرت شعارات: كن سائحًا محليًا.. أدرس في ماليزيا.. أنفق بعقلانية.. وحكمة.. أدخر قدر ما تستطيع ترشيد الاستثمار.. قلل من استخدامك لبطاقة السحب الآلي... إلخ.
ولعل الشعب الماليزي قد ساهم بمجموعه بتخفيض الأزمة، وذلك بدعم الحكومة وحتى الأحزاب المعارضة بأشكالها وهو ما أعطى الحكومة فرصة كافية للتركيز على إيجاد حلول للأزمة الاقتصادية بدون إهدار وقت أو جهد على مشاكل داخلية أخرى، كما هو الحال في تايلند؛ حيث عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، ولذلك قام مهاتير بشكر الأحزاب والمنظمات والشعب على دعمهم للحكومة والتزامهم النظام والانضباط، وهذا الموقف الشعبي نتج عن الثقة بمقدرة الحكومة على مواجهة الأزمة بعد عقد كامل من النمو السريع الذي اعتبر أعلى نسبة نمو في العالم الإسلامي وللوعي بأهمية الموقف الموحد وقت الأزمات.
تساؤلات لا بُدَّ منها!
مع ثبوت أن الأزمة قد حدثت بفعل هجوم المضاربين والاحتكاريين، وأن ذلك لا يتعلق بقوى السوق المجردة ولا بضعف أساسيات اقتصادها، ومع إشارة الاقتصاديين أنه حتى بعد الصدمة التي أصابت البورصات العالمية الغربية، فإن الخاسر الأكبر هو الدول الآسيوية والشركات الأجنبية المستثمرة في آسيا، ومع امتداد أثرها إلى كوريا الجنوبية، وتايوان، وحتى اليابان التي تأثرت بصورة أو بأخرى، وقبل ذلك هونج كونج التي كان ضربها مستهدفًا للصين التي ستتأثر حسب توقعات الاقتصاديين بذلك.
وعلى ضوء السيناريو الحالي فإن هناك أسئلة تدور في الأذهان لعل من السابق لأوانه إعطاء أجوبة لها، فإذا افترضنا وجود مخطط الضرب الدول الآسيوية النامية، فما هي أبعاد هذا المخطط؟ وهل هناك مؤامرة حقًا ضد الدول الأسيوية؟ هل ما حصل بسبب ما يعرف من مستقبل زاهر لآسيا إذا لم تتعرض لصدمات في طريقها؟ هل كان هذا بسبب قرب إعلان تأسيس مؤتمر شرق آسيا الاقتصادي الذي سيضم دول آسيان التسعة: «ماليزيا - إندونيسيا - الفلبين -بروناي - سنغافورة - مانيمار - لاوس - فيتنام - تایلند»، بالإضافة إلى دول شرق آسيا «الصين -اليابان -كوريا الجنوبية» والذي سيكون قريبًا في كوالالمبور مع الأخذ بعين الاعتبار أن د. مهاتير محمد هو صاحب فكرة هذا التكتل؟ أم أن الأمر يتعلق بفرض إجراءات تحرير التجارة التي تقف ماليزيا وعدد من الدول النامية ودول آسيان في وجه التعجيل بها، وليس منعها؟ وحيث إن الموعد النهائي الذي أعطته منظمة التجارة الدولية لأعضائها بأن يحرروا أسواقهم المالية فيه هو ١٢/ ۱۲ القادم، وهو موعد جاء بعد الضربة الاقتصادية التي نتجت عن تحرير السوق المالية أصلًا بخمسة أشهر!!.. أمور تجمعت في عام واحد وقضايا أخرى، فإذا كانت هناك خطة مدبرة بليل.. فمن وراءها؟ هل هي بداية حرب جديدة تحل محل الحرب العسكرية، وتكون أرض المعركة البورصات العالمية كما قال أنور إبراهيم؟!
إن الحديث عن الأزمة المالية الأسيوية من نافذة النموذج الماليزي كان لعدة أسباب مهمَّة: فماليزيا كانت رأس الحربة منذ البداية في الإشارة إلى المضاربين بأنهم وراء الأزمة، وقد صدقت الأحداث ذلك، ولأنها قدمت الكثير من المقترحات لحل الأزمة، وبادرت بمواجهتها داخليًا وإقليميًا، ولم تلجأ حتى الآن لصندوق النقد الدولي ولمعرفة كيفية تعامل بلد مسلم مع مثل هذه الأزمة والحفاظ على توازنه في ظل هذا الزلزال الذي استهدف جبال جنوب شرق آسيا أكثر من غيرها..
دور صندوق النقد الدولي في الأزمة
ظهرت تصريحات مختلفة من مسؤولين غربيين أثارت تساؤلًا حول وجود جهود رامية لإسقاط دول جنوب شرق آسيا تحت رحمة صندوق النقد الدولي بقيوده وشروطه القاسية، آخر هذه التصريحات لوزير المالية الأمريكية روبرت روبني الذي تعهد ابتداءً في مقابلة صحفية بعد الزلزال العالمي بأنه سيعمل على إنقاذ جنوب شرق آسيا، لكنه حذَّرَ من أن واشنطن لن تقدم معونة مثل تلك التي منحتها للمكسيك، وقال إن المعونة إذا قدمت فستكون من خلال المؤسسات الدولية، بل وعاد ليتهم دول المنطقة بقوله: «إن على دول المنطقة أن تعيد بنفسها بناء أنظمتها وسياساتها بشكل صحيح».
وعندما سُئل ما إذا كانت إدارته ستأخذ بعين الاعتبار تقديم قرض يقدر بـ: ٥٠ مليار دولار، كتلك التي وفرت للمكسيك وبصورة مباشرة من أمريكا، قال: «لن يتخيل هذا هنا... إن المساهم الرئيسي هنا هو صندوق النقد والبنك الدوليان»، وقال: «أعتقد أنه من الواضح أن المجتمع الدولي قوي بما فيه الكفاية ليتغلب على هذه الأزمة» لكنه قال: إنه لا يعرف كم ستأخذ دول جنوب شرق أسيا من الوقت حتى تتعافى»، وأضاف: يجب أن نعمل بصورة سريعة مع صندوق النقد والبنك الدوليين في المنطقة لإعادة استقرار السوق المالية».
تصريحه يظهر تأكيد دور صندوق النقد الدولي الذي طالما حاولت الدول النامية بما فيها دول جنوب شرق آسيا الابتعاد عنه الاعتماد عليه لمشقة وتبعات ديونه الثقيلة، إن على صندوق النقد الدولي أصلًا أن يقدم المعونة لأعضائه سواء كانت مادية أو فنية أو إدارية، لكن البعض بدأ يتنازل عن دوره، عندما اجتمع المسؤولون في الاجتماع الماضي لصندوق النقد الدولي عام ١٩٩١م في بانكوك كانت اليابان وقتها تئن تحت وطأة سقوط سوق الأسهم والعقارات فيها، بينما كانت دول جنوب شرق آسيا تتمتع بنسبة نمو عالية جِدًّا. وكان هاشيموتو وقتها وزيرًا للمالية، وكان قد اضطر إلى أن يستقيل في ظل ذلك الوضع، واليوم وبعد ٦ سنوات نرى دول جنوب شرق آسیا تواجه وضعًا أصعب من ذلك الذي واجهته اليابان، والعجيب أن صندوق النقد ومنذ تأسيسه قبل (٥١) عامًا، لم يفتح له مكتبًا إقليميًا في منطقة آسيا والمحيط الهادي وقد افتتح مكتب الصندوق الإقليمي لأول مرة في تاريخه في طوكيو في منتصف شهر سبتمبر الماضي ليعلن بدء مرحلة جديدة في دوره في المنطقة، وأعلن أن دوره سيكون مراقبة الأحوال الاقتصادية، ولكن فتح هذا المكتب بعد الأزمة وتحركاته الأخيرة تثير تساؤلًا، ولعلي التقط تصريحًا لرئيس الوزراء الماليزي في 30/ 8 الماضي الذي استنكر فيه عدم مساعدة صندوق النقد الدولي للدول النامية عندما تواجهها أزمات اقتصادية ومالية، وقال: «إن ما يهم الصندوق هو أن يقولوا لنا «لقد قلنا لكم من قبل» حتى لو كان على حساب إفساد اقتصادنا فإنهم سيفعلون لإثبات صحة كلامهم» واصفًا الاقتصاد التايلندي بسوء وضعه حتى بعد استلام معونة صندوق النقد.
تايلند والصندوق
تايلند أوَّل جريحٍ يدخل مستشفى الصندوق في 11 يوليو الماضي حين استقبل معونة قرضية منه تقدر بـ۱۷ مليار دولار، تصرف على ١٦ دفعة، بدأت في ٣١ يوليو وحتى ٣٠ سبتمبر من العام القادم، لكن ملحقات هذه الديون وشروطها التي لم تعلن إلا في ٢٠ / ١٠ / ١٩٩٧م تضع قيودًا على خطط الاقتراض من المؤسسات والدول الأخرى من قبل الحكومة التايلندية، كما تظهر هذه الشروط أن ما أعلنته تايلند من تدابير إصلاحية بنظامها المالي وتعهد وزير ماليتها الجديد بالسير فيه هي جزء من شروط منحة الصندوق، فعلى تایلند مقابل استلامها للقرض أن تسير وفق ما يسمى بـ«معايير الأداء» وهي معايير لم تكن معلنة عندما وقع الاتفاق بصورة كاملة في أغسطس، وهذه الملاحق تظهر أن تايلند لا تستطيع التداين من الخارج إلا في ظل حالات معينة، وكان بعض المسؤولين التايلنديين قد تحدث عن اقتراض ١٠ مليارات دولار من السوق الدولية لبناء مشروعين، لكن خطة صندوق النقد تحدد الديون طويلة الأجل لكنه أكثر مرونة في الاقتراض قصير الأجل، وقد وافقت تايلند على شروط قاسية أخرى، ومع محاولتها لتخفيف هذه الشروط في إحدى الاجتماعات خرج وزير المالية الأسترالي بسحب أموال بلاده التي ساهمت في معونة صندوق النقد إن لم تلتزم تايلند بالشروط.
آخر المخاوف التي ظهرت بشأن مشروع الصندوق في تايلند هو أن عدم الاستقرار السياسي واقتراب موعد الانتخابات، وحمى حملاتها يعتبر تهديدًا محتملًا للإصلاحات الاقتصادية، بينما يراها الكثيرون بأنها حل للأزمة الحكومية الآن، فالانتخابات التي يسبقها حل البرلمان في ديسمبر من المتوقع أن تكون في يناير أو فبراير وقد تشغل السياسيين 3 أشهر، وتايلند في أمس الحاجة للالتزامات المستمرة بتدابير الإصلاح الاقتصادي التي وافق عليها السياسيون الحاليون، الأمر الذي قد يشكل عبئًا جديدًا على تايلند.
كانت الفلبين تأمل أن تنهي ٣٤ عامًا من الاعتماد على صندوق النقد من خلال برنامج تم إنجازه، لكن الأزمة أعادت لتثبت أرجل صندوق النقد في أرض الاقتصاد الفلبيني، وقد منحت الآن ۱,۰۸۷ مليار دولار، وتأمل أن تتخلى في أقرب وقت عن دعم الصندوق، وفي المقابل يواجه مشروع إصلاح الصندوق معارضة التجار حتى الأجانب منهم لرفعه أسعار الضرائب والرسوم الأخرى.
إندونيسيا وصندوق النقد
ما زالت المفاوضات جارية بين إندونيسيا وصندوق النقد، وقد صرح الرئيس سوهارتو يوم 28/ 10 الماضي بأن إندونيسيا قد أعدت برنامجًا لمعالجة الأزمة، وعرضته على صندوق النقد الذي يستعد لتسليم إندونيسيا معونة مالية بالرغم من إنكار سكرتير المالية للدولة موردوينو لذلك، وإشارته إلى «أننا نحتاج إلى معونة فنية» لكن يشاع في الأوساط الاقتصادية أن إندونيسيا طالبت في يوم 8/ 10/ 1997م بمعونة قدرها ۱۰- ۱۲ مليار دولار.
وفي المقابل وفي مظهر يبين تكاتف دول جنوب شرق آسيا مع محاولات الإيقاع بينهم أكدت ماليزيا على لسان نائب رئيس وزرائها أنور إبراهيم استعدادها لتوفير مليار دولار أمريكي (٣,٤ مليار رنجت ماليزي) وتعاهد البلدان على توسيع دائرة تعاونهم في ظل الأزمة، وكانت ماليزيا قد قدمت مليار دولار آخر لتايلند ضمن معونة صندوق النقد، لكن هذا المبلغ الذي ستوفره ماليزيا لإندونيسيا سيكون خارج نطاق صندوق النقد الذي جاء متزامنًا مع عرض سنغافورة توفير ١٠ مليارات دولار سنغافوري خارج نطاق معونة صندوق النقد الدولي أيضًا، والتي عرض تقديمها رئيس الوزراء السنغافوري خلال زيارته لجاكرتا الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر، وقد اعتبر الاقتصاديون معونة ماليزيا وسنغافورة أكثر مما كان متوقعًا، أما معونة صندوق النقد الدولي المتوقعة فقد وصفها أحدهم بقوله: «إنها ليست جيدة، فإندونيسيا لا تستطيع هضم شروط صندوق النقد»، هذا كله مع وضع إندونيسيا النامي الذي يطرح تساؤلًا مشابهًا عند مقارنة ماليزيا بتايلند، فالاقتصاد الإندونيسي أقوى من ذاك التايلندي -المقصود في الشهور الأخيرة- ولكن مع ذلك تعرض لهجوم المضاربين.
أما ماليزيا -ولله الحمد- فلم تطلب ولم تعلن أنها ستطلب معونة من صندوق النقد الدولي، ويأمل الماليزيون استمرار هذا الموقف وعدم ظهور أزمات جديدة تجبرها على طلب معونة..
تطورات العاصفة الاقتصادية الأسيوية لعام 1997م
التاريخ الحدث
14 مايو وقع البات لأول مرة تحت ضربات المضاربين، مما دفع سنغافورة وتايلند للتدخل للدفاع عنه مع إشاعات كبيرة وواسعة من أن هناك اضطرابًا سياسيًا في مجلس وزراء حكومة تايلند الذي لم يمض عليه إلا ستة أشهر منذ انتخابه.
14 مايو يعتقد تدخل البنك الوطني الماليزي وإنفاقه ٢,٥ مليار رنجت ماليزي للحفاظ على سعر الصرف مقابل الدولار عند مستوى ٢,٥٢٥٠ مقبل الدولار، فصعد الرنجت إلى ٢,٤٧ في ١٦ مايو.
17 يونيو البنك الوطني الماليزي يطلب من البنوك إبلاغه بالطلبات المالية الكبيرة للرنجت، خاصة من التجار خارج البلاد.
19 يونيو وزير المالية التايلندي أمنوي فيراخان يستقيل، مما أسقط البات التايلندي حتى تدخل البنك المركزي التايلندي والبيسو الفلبيني يقع هو الآخر تحت هجوم المضاربين فارتفعت معدلات الفائدة.
2 يوليو بداية المرحلة الفعلية الأولى من الأزمة عندما انحنت تايلند لضغوطات المضاربين فعومت عملتها تحت النظام «المرن المتحكم به».
3 يوليو لأول مرة يستخدم البنك الماليزي الوطني اسمه الحقيقي بدلًا عن وكلائه في سوق الأموال الأجنبية.
7 يوليو البيسو الفلبيني يقع تحت هجوم شديد إثر إشاعة كذبت بأن البيسو سوف يعوم مقابل الدولار في أسابيع، فتدخل البنك المركزي مرة أخرى لحماية البيسو.
17 و18 يوليو مسؤولون يابانيون كبار يزورون بانكوك لتظهر اليابان كمنقذ محتمل لتايلند والدول المجاورة.
24 يوليو رئيس الوزراء الماليزي د. مهاتير محمد يهاجم المضاربين متهمًا إياهم بتدمير اقتصاديات دول جنوب شرق أسيا.
30 يوليو صندوق النقد الدولي يمنح مليار دولار للفلبين لدعم البيسو والروبية الإندونيسية تنخفض بنسبة 7%.
11 أغسطس صندوق النقد الدولي يمنح تايلند منحة قرضية بمبلغ ۱۷.۲ مليار دولار بمساعدة دول أسيوية.
12 أغسطس إندونيسيا تدع الروبية لتعوم قيمتها أمام الدولار.
3 سبتمبر إندونيسيا تعلن تدابير لاستعادة ثقة المشترين الأجانب.
4 سبتمبر ماليزيا تعلن إرجاء تسعة مشاريع كبيرة كأحد الحلول لمواجهة الأزمة.
11 سبتمبر البنك الدولي يدعو لإصلاحات مالية شاملة لدول شرق أسيا.
16 سبتمبر إندونيسيا تؤجل مشاريع كبيرة بقيمة ٣٩ تريليون روبية.
20 سبتمبر د. مهاتير محمد يدعو لتحريم تجارة العملة أمام رجال الاقتصاد والمال في مؤتمر صندوق النقد الدولي في هونج كونج.
8 أكتوبر إندونيسيا تعلن أنها ستطلب المعونة من صندوق النقد بما يقدر بـ 10- ۱۲ مليار دولار.
24 أكتوبر بداية المرحلة الثانية من الأزمة عندما انتشرت عدوى الهجوم على العملات والبورصات إلى هونج كونج على مقربة من الذكرى السنوية العاشرة ليوم الاثنين الأسود عام ۱۹۸۷م التي تعرض فيه الاقتصاد العالمي لزلزال مماثل وبعد الانهيار الحاد الذي تعرضت له بورصة هونج كونج ترنحت أسواق المال العالمية تباعًا.
27 و28 ماليزيا وسنغافورة تعبران عن استعدادهما دعم الاقتصاد الإندونيسي بمبلغ ٣,٤ مليار رنجت ماليزي، و١٠ مليارات دولار سنغافوري.
28 أكتوبر زلزال في البورصات العالمية مرة أخرى.