العنوان ما أشبه اليوم بالبارحة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يونيو-1981
مشاهدات 66
نشر في العدد 533
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 16-يونيو-1981
عندما ابتُليتْ بلاد المسلمين في الأندلس بملوك وأمراء الطوائف الذين آثروا الملك والدنيا على الدين والأوطان قذف الله في قلوبهم الوهن وسلط عليهم النصارى المتعصبين وأخذت حواضر الإسلام تسقط واحدة تلو الأخرى، وبسقوط غرناطة عام ١٤٩٢م على يد فرديناند الثاني لم يبق من المسلمين في الأندلس إلا بقايا عذبت عذابًا شديدًا، وفي هذه المناسبة كتب أبوالبقاء صالح بن شريف الرندي قصيدة يتفجع فيها على الأندلس وما أصابها وأصاب المسلمين من النكبات والفواجع نقتطف منها هذه الأبيات:
فَجائِعُ الدُهرِ أَنواعٌ مُنَوَّعَةٌ *** وَلِلزَمانِ مَسرّاتٌ وَأَحزانُ
وَلِلحَوادِثِ سلوانٌ يُهوّنُها *** وَما لِما حَلَّ بِالإِسلامِ سلوانُ
دهى الجَزيرَة أَمرٌ لا عَزاءَ لَهُ *** هَوَى لَهُ أُحُدٌ وَاِنهَدَّ ثَهلانُ
أَصابَها العينُ في الإِسلامِ فاِرتزَأت *** حَتّى خَلَت مِنهُ أَقطارٌ وَبُلدانُ
فاِسأل بَلَنسِيةً ما شَأنُ مرسِيَةٍ *** وَأَينَ شاطِبة أَم أَينَ جيّانُ
وَأَين قُرطُبة دارُ العُلُومِ فَكَم *** مِن عالِمٍ قَد سَما فِيها لَهُ شانُ
وَأَينَ حمص وَما تَحويِهِ مِن نُزَهٍ *** وَنَهرُها العَذبُ فَيّاضٌ وَمَلآنُ
***
تَبكِي الحَنيفِيَّةُ البَيضَاءُ مِن أَسَفٍ *** كَما بَكى لِفِراقِ الإِلفِ هَيمَانُ
عَلى دِيارٍ منَ الإِسلامِ خالِيَةٍ *** قَد أَقفَرَت وَلَها بالكُفرِ عُمرانُ
حَتّى المَحاريبُ تَبكي وَهيَ جامِدَةٌ *** حَتّى المَنابِرُ تَرثي وَهيَ عيدَانُ
***
يا غافِلاً وَلَهُ في الدهرِ مَوعِظَةٌ *** إِن كُنتَ في سنَةٍ فالدهرُ يَقظانُ
وَماشِياً مَرِحاً يُلهِيهِ مَوطِنُهُ *** أَبَعدَ حِمص تَغُرُّ المَرءَ أَوطانُ
يا راكِبينَ عِتاق الخَيلِ ضامِرَةً *** كَأَنَّها في مَجالِ السَبقِ عقبانُ
وَراتِعينَ وَراءَ البَحرِ في دعةٍ *** لَهُم بِأَوطانِهِم عِزٌّ وَسلطانُ
أَعِندكُم نَبَأ مِن أَهلِ أَندَلُسٍ *** فَقَد سَرى بِحَدِيثِ القَومِ رُكبَانُ
كَم يَستَغيثُ بِنا المُستَضعَفُونَ وَهُم *** قَتلى وَأَسرى فَما يَهتَزَّ إِنسانُ
ماذا التَقاطعُ في الإِسلامِ بَينَكُمُ *** وَأَنتُم يا عِبَادَ اللَهِ إِخوَانُ
أَلا نُفوسٌ أَبيّاتٌ لَها هِمَمٌ *** أَما عَلى الخَيرِ أَنصارٌ وَأَعوانُ
***
يا مَن لِذلَّةِ قَوم بَعدَ عِزّتهِم *** أَحالَ حالَهُم كفرٌ وَطُغيانُ
فَلَو تَراهُم حَيارى لا دَلِيلَ لَهُم *** عَلَيهِم من ثيابِ الذُلِّ أَلوانُ
وَلَو رَأَيت بُكاهُم عِندَ بَيعهمُ *** لَهالَكَ الأَمرُ وَاِستَهوَتكَ أَحزانُ
***
يا رُبَّ أمٍّ وَطِفلٍ حيلَ بينهُما *** كَما تُفَرَّقُ أَرواحٌ وَأَبدانُ
وَطفلَة مِثلَ حُسنِ الشَمسِ إِذ برزت *** كَأَنَّما هيَ ياقُوتٌ وَمُرجانُ
يَقُودُها العِلجُ لِلمَكروهِ مُكرَهَةً *** وَالعَينُ باكِيَةٌ وَالقَلبُ حَيرانُ
***
لِمثلِ هَذا يذوبُ القَلبُ مِن كَمَدٍ *** إِن كانَ في القَلبِ إِسلامٌ وَإِيمانُ
واليوم في بلد من بلاد المسلمين وفي مدن مشابهة لمدن الأندلس يسام المسلمون سوء العذاب والحرائر الشريفات يخرجهن العلوج من بيوتهن يهتكون أعراضهن.. وفي أخوات حمص وغرناطة تيتم الأطفال وترمل النساء على نحو ما وصف أبوالبقاء وأشد والحال هي الحال، ملوك وأمراء ورؤساء لا نخوة فيهم ولا حمية، ورحمك الله يا أبا البقاء فكأنك تعيش بيننا وكما يقال ما أشبه اليوم بالبارحة.