العنوان ما الحلول الواقعية لأزمة الأمن الغذائي؟
الكاتب حسن القباني
تاريخ النشر الأربعاء 31-أغسطس-2022
مشاهدات 124
نشر في العدد 2171
نشر في الصفحة 35
الأربعاء 31-أغسطس-2022
خبراء يجيبون..
345 مليون نسمة في 82 بلداً يعانون نقصاً حاداً في الأمن الغذائي
أكثر من 8% من تجارة الغذاء العالمية هُددت بعد فرض قيود من 25 بلداً
4 مؤسسات دولية تدعو إلى تحرك عاجل لمعالجة أزمة الأمن الغذائي العالمية
البنك الإسلامي للتنمية يعلن 6 مبادرات للمواجهة وتوفير نحو 10 مليارات دولار
د. نور الدين: العناية بالمياه أول منافذ الحل العربي لأزمة الغذاء
د. صيام: استغلال الموارد والاستقلال العلمي وإحداث التكامل.. المخرج من الأزمة
د. نزيه: لا بد من العودة للغذاء التقليدي والمساهمة الأسرية في إنتاج الغذاء
حسن القباني
يعاني العالم العربي والإسلامي من مخاطر غذائية جمة ضمن أخطار تحاصر الأمن الغذائي العالمي برمته، وفق بيانات وإحصاءات رسمية دعت إلى التحرك المدروس والعاجل، بحسب خبراء ومؤسسات دولية.
يعني مفهوم الأمن الغذائي، حسب تعريف منظمة الأغذية والزراعة الدولية (الفاو)، «توفير الغذاء لجميع أفراد المجتمع بالكمية والنوعية اللازمتين للوفاء باحتياجاتهم بصورة مستمرة من أجل حياة صحية ونشطة».
وبحسب خبراء في هذا المجال تحدثوا لـ «المجتمع»، فإن العناية بالمياه هي صمام الأمان لصيانة الأمن الغذائي للدول العربية والإسلامية، بجانب العمل على إقرار التكامل العربي والإسلامي الفعلي وتفعيل الاتفاقيات المشتركة لمواجهة ما يستجد في ملف الأمن الغذائي، ورفع كفاءة المياه وطرق الري، وتفعيل المنظمة العربية للتنمية الزراعية التابعة لجامعة الدول العربية.
الاستقلال العلمي والبحثي من الأهمية بمكان كذلك، بحسب الخبراء الذين أكدوا أن استمرار اعتماد العرب على الغرب تهديد شامل للأمن الغذائي، ويتطلب اتخاذ قرارات وطنية بالاكتفاء الذاتي من المحاصيل الإستراتيجية كالقمح، بجانب البعد عن زراعة نباتاتهم والاعتماد على غذاء عربي ابن بيئته دون إضافات غربية.
العناية بالمياه
من جانبه، يرى أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة د. نادر نور الدين أن المنطقة العربية منطقة شح مائي، وأن 18 دولة من إجمالي 22 تعاني من أزمة مياه، فضلاً عن عدم وجود اكتفاء ذاتي إلا في الأسماك وبعض الفواكه مقابل غلبة كبيرة لاستيراد الحبوب والزيوت واللحوم وغيرها؛ ما جعل العرب أكبر مستورد للغذاء في العالم.
ويضيف، في حديث لـ «المجتمع»، أن الأمن الغذائي العربي والإسلامي مرهون بالمياه وحسن استخدام مواردها، موضحاً أن أي تطوير في الملف الغذائي يستلزمه رفع كميات المياه في أي بلد وتدابير موارد مائية، خاصة في حالة السعي للتوسع في المحاصيل الإستراتيجية كالقمح.
ويشير د. نور الدين إلى أن الهدر في المياه كبير بالمنطقة العربية، وهو ما يتطلب التعامل العلمي والفني مع ذلك بصورة عاجلة، عبر تحلية مياه البحر ومعالجة مياه المخلفات وإعادة استخدامها ورفع كفاءة نقل المياه وري الأراضي الزراعية والاعتماد على الطرق الحديثة في الري، مع التوسع في الأبحاث حول المياه الجوفية في الصحاري.
ويوضح د. نور الدين أن المنظمة العربية للتنمية الزراعية مسؤولة بحكم تخصصها عن إحداث التكامل العربي، خاصة أن هناك قراراً من جامعة الدول العربية، منذ عام 2011م، بالسعي لتأجير مساحات للاستصلاح الزراعي العربي في دول الوفرة الزراعية التي تمتلك الأرض الخصبة والوفرة المائية؛ مثل بعض الدول الأفريقية وأمريكا الجنوبية، وللأسف –والكلام لنور الدين- لم يتم تفعيل الاتفاق حتى الآن رغم المعاناة الحالية والمتوقعة.
ويحمِّل أستاذ الموارد المائية المسؤولية للدول البترولية في عدم تضافر جهودها مع الدول غير البترولية لمنع أزمة الغذاء، ومواجهة نقص المياه، في ظل اعتماد الدول البترولية على أموالها في شراء أراض لحسابها، سواء حكومية أو عبر رجال أعمال، وزراعتها دون السير في تفعيل اتفاقيات التكامل العربي الإستراتيجي مع باقي الدول.
3 مسارات متوازية
ويرى أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة مستشار مركز الدراسات الاقتصادية الزراعية د. جمال صيام أن الحل يقع في 3 مسارات متوازية؛ وهي استغلال الموارد الغذائية الهائلة في العالم العربي والإسلامي، وإقرار الاستقلال العلمي والبحثي وامتلاك أدوات التطوير بدلاً من الاعتماد على الغرب، وإحداث تكامل عربي إسلامي بقرار سياسي جماعي.
ويوضح، في تصريحات لـ «المجتمع»، أن السودان، على سبيل المثال، يمتلك وفرة في الموارد سواء المياه أو الأرض أو الثروة الحيوانية، وهو لا يستخدم سوى 40% منها، بل يستورد غذاءه بنسب كبيرة من الخارج، وما ينطبق على السودان ينطبق على كثير من الدول العربية والإسلامية.
ويضيف أن المسار الثاني يرتكز على التطوير العلمي والبحثي والإداري، فلا يعقل والعالم يدخل على أزمة غذائية كبيرة، والعرب ما زالوا يستوردون أصناف الزراعة والأسمدة والآلات الزراعية كالجرارات من الغرب! وهو ما يستلزم ضرورة إعلان الاستقلال العلمي والبحثي، خاصة أن لدينا كوادر متميزة في بلدان العالم العربي والإسلامي، ومنها مصر التي تمتلك كوادر علمية متميزة في مراكز البحوث الزراعية وبحوث الصحراء وغيرها.
ويشير د. صيام إلى أن عنق الزجاجة في المسارين الأول والثاني هو التمويل، لاستغلال الموارد وتطوير آليات التعامل علمياً وإدارياً، وهو ما يحتاج إلى تضافر جهود الدول العربية والإسلامية، خاصة أن معظم الدول النامية تقع في نطاقهم، عبر رصد وتخصيص موارد لا تقل عن 3% من الناتج الإجمالي لصالح الأمن الغذائي ومن أجل زيادة الإنتاجية الزراعية.
ويؤكد مستشار مركز الدراسات الاقتصادية الزراعية بالقاهرة أن التكامل بين الدول العربية والإسلامية بات واجب المرحلة وثالث المسارات المطلوبة بصفة عاجلة، فكثير من الدول وفي المقدمة منها مصر تحتاج إلى أموال لأن لديها كوادر فقط، وهناك دول عربية وخليجية تمتلك المال وليس لديها كوادر، ولأنها لا تنظر إلى التكامل بعين إستراتيجية وتلجأ لحساب مصلحتها فقط، دون اعتبار للمصلحة العامة عبر منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية كمؤسستين في تأطير العمل الجماعي.
ويشير د. صيام إلى أن المنظمة العربية للتنمية الزراعية التابعة لجامعة الدول العربية لديها دور ملموس في إطار البحث العلمي، ولكن تحتاج كغيرها من المؤسسات البحثية لتحويل الجهد العلمي إلى جهد ملموس على الأرض؛ ما يتطلب إرادة سياسية جماعية لإحداث التكامل بدلاً من استحواذ البعض على أراضي دولة السودان بأموالها دون النظر إلى عدم قدرة بعض الدول الأخرى على القيام بنفس فعلها لعدم امتلاكها أموالاً.
ويحذر د. صيام الجميع من التهاون في ملف الأمن الغذائي، مؤكداً أن التحديات كبيرة في العالم العربي والإسلامي، ورغم أنها متفاوتة من بلد إلى أخرى، فإن أزمة الغذاء ستطول الجميع، ولعل الحرب الأوكرانية الروسية أعطت الدرس للجميع وقدمت التحذير المبكر حتى يتحركوا ويقوموا بتأمين دولهم دون انتظار الغرب وصراعاته.
ويضرب د. صيام المثال بمصر التي تحتاج إلى رفع نصيب الزراعة في الاستثمارات العامة من 3% إلى 10% كحد أدنى لمواجهة ما هو قادم، وهو الفكر الذي يجب أن تسعى له باقي الدول العربية والإسلامية، فالأزمة واحدة والتهديد واحد.
العودة للأصل والإنتاج الذاتي
أما استشاري التثقيف الغذائي رئيس المؤسسة العلمية للثقافة الغذائية بالقاهرة د. مجدي نزيه، فيؤكد أن الحل في مواجهة أزمة الغذاء يتركز على مسارين؛ هما الرجوع إلى النمط الغذائي التقليدي المتصل بالبيئة، والمساهمة في إنتاج الغذاء على المستوى الأسري.
ويوضح د. نزيه، في تصريحات لـ «المجتمع»، أن العودة لنمط الغذاء الطبيعي ابن بيئته هو الحل الأول لمواجهة الأزمة، عبر التركيز على توفير عناصر الطعام من البيئة وعدم اللجوء إلى استيراد بعض موادها.
وينصح د. نزيه بالبعد عن أنماط الاستهلاك الحديثة التي جعلت العرب يعتمدون على غيرهم في بعض عناصر التغذية رغم أنها كانت لديهم تحت تأثير «عقدة الخواجة»، وما يتصل بذلك بالأطعمة السريعة التي تحتاج إلى زراعات غير مناسبة لبعض ظروف المناخ، مقابل الاعتماد على الزراعات الأصيلة التي تناسب بيئتها، فمثلاً يوجد «القرنبيط» بمصر، وبالتالي يجب ألا نستبدل «البروكلي» به.
ويقترح رئيس المؤسسة العلمية للثقافة الغذائية بالقاهرة على الأسر العربية والإسلامية إنتاج جزء من الغذاء المستهلك على الأسطح والبلكونات، حيث إنها غير مكلفة، وتقلل المصروفات على الاستيراد من الخارج وترفع من معدلات الأكسجين أكثر بما يساهم في الحفاظ على المناخ والوقاية من تغيراته السلبية المؤثرة على الغذاء.
ويشعر د. مجدي نزيه بالتفاؤل، موضحاً أن العرب قادرون على تخطي أي أزمة غذاء في حال استعادوا أصالتهم وركزوا على العودة إلى الغذائي التقليدي، بجانب التفكير في كبار العائلات والقبائل باللجوء إلى سياسة المخزن العائلي للحبوب الجافة كل عام، بحيث يكون كمخزون إستراتيجي في نطاق جغرافي أقل مما تقوم به الحكومات يمكن النجاة به في أي وقت.
من جانبه، أعلن البنك الإسلامي للتنمية، في 29 يوليو الماضي، حزمة بقيمة 10.54 مليارات دولار أمريكي لمواجهة أزمة الأمن الغذائي العالمية عبر برنامج الاستجابة الشاملة للأمن الغذائي التي ستدعم 57 بلداً عضواً بالبنك لمعالجة أزمة الغذاء المستمرة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات الناتجة عن مشكلة الأمن الغذائي في المستقبل.
وسينصب التركيز الأساسي للبرنامج والجزء الأكبر من غلاف التمويل البالغ 7.3 مليارات دولار، الذي سيمتد على مدى السنوات الثلاث المقبلة، على تطوير تدخلات مبتكرة متوسطة وطويلة الأجل لمعالجة نقاط الضعف الهيكلية والأسباب الجذرية لمشكلة انعدام الأمن الغذائي في الدول الأعضاء، وهي تشمل انخفاض الإنتاجية، والفقر الريفي، وتغير المناخ، وضعف مرونة النظم الزراعية والغذائية الإقليمية والوطنية من خلال 6 مبادرات رئيسة هي: بناء القدرة الزراعية على التكيف مع تغير المناخ، سلاسل قيمة الأغذية والمدخلات، إنتاجية أصحاب الحيازات الصغيرة والوصول إلى الأسواق، دعم سبل العيش الريفية، تنمية الثروة الحيوانية والسمكية، بناء أنظمة إمدادات غذائية مرنة.
خارطة الإنقاذ الدولية
وكشفت وثيقة دولية صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة التجارة العالمية عن خارطة إنقاذ لمواجهة مخاطر حدوث أزمة أمن غذائي عالمية.
ودعت المنظمات الدولية الأربع، في بيان مشترك، في 18 يوليو الماضي، إلى تحرك عاجل لمعالجة أزمة الأمن الغذائي العالمية.
وأوضحت المنظمات الأربع أنه بحلول يونيو 2022م، زاد عدد الذين يعانون من نقص حاد في الأمن الغذائي إلى 345 مليون نسمة في 82 بلداً، طبقاً لبرنامج الأغذية العالمي، ومما زاد الأمر سوءاً أن حوالي 25 بلداً واجهت ارتفاع أسعار الغذاء بفرض قيود على الصادرات؛ مما أثر على أكثر من 8% من تجارة الغذاء العالمية.
وبحسب خارطة الإنقاذ الواردة في البيان، فإنه يتعين اتخاذ إجراءات قصيرة الأجل وطويلة الأجل في 4 مجالات أساسية، هي: توفير دعم فوري للفئات الضعيفة، تيسير التجارة وإمدادات الغذاء الدولية، تعزيز الإنتاج، الاستثمار في الزراعة القادرة على تحمل تغير المناخ.