العنوان بعد عودته من إندونيسيا... الناشط الخيري فهد الشمري يروي مشاهداته للمجتمع: ما حدث أشبه بقيامة صغرى لا تقوى عليها ترسانة الغرب النووية
الكاتب أيمن إبراهيم
تاريخ النشر السبت 12-فبراير-2005
مشاهدات 53
نشر في العدد 1638
نشر في الصفحة 18
السبت 12-فبراير-2005
أكد الناشط الخيري بجمعية الإصلاح ورئيس قطاع آسيا فهد الشمري عاد للتو من زيارة إندونيسيا - أنّ تداعيات الزلزال والأمواج العاتية التي ضربتْ دول جنوب شرق آسيا قد تمتد إلى ١٠ سنوات، واصفاً ما حدث بأنّه عبارة عن قيامة صُغرى، وأنّ ترسانة الأسلحة النووية الغربية مجتمعةً لا يمكن أن تُحدِث ما خلّفته هذه الكارثة ... وقال الشمري في حوار لـ المجتمع: رغم أن معظم من أُضيروا في هذه الكارثة من المسلمين، إلا أنّ تمثيل المؤسسات الخيرية الإسلامية كان ضعيفاً، ولم يتجاوز أصابع اليد الواحدة، فيما كان وجود المنظمات الغربية والشرقية واضحاً ولافتاً، مشيراً إلى أنّ تفاعل الدول العربية والإسلامية مع مثل هذه الأحداث غالبا ما يكون ضعيفاً أو يأتي متأخراً، على عكس الدول الغربية . وفيما يلي نص الحوار:
. ما أهم مشاهداتكم خلال زيارتكم للمناطق المنكوبة؟ لاشك أن المؤمن يؤمن بقضاء الله وقدره، وهذه الكوارث التي تقع بين الحين والآخر لابد أن نأخذ منها العبرة والعظة، وأن نقف أمامها متأملين ومتدبّرين، ومن المفارقات أنّ ۹0% ممن أصيبوا وتضرروا في كارثة آسيا من المسلمين ولله عز وجل في ذلك حكمة، وفي هذه المناطق تجلت لنا مشاهدات عدة منها:
أن حجم الدّمار الذي سحق المناطق المنكوبة ومحقها لا يمكن أن تعبر عنه العبارات، فما حدث هو عبارة عن قارعة قيامة صغرى ولا يمكن لترسانة الغرب النووية مجتمعة أن تحدث ما خلفته هذه الكارثة.
وجدنا المسلمين في حالة صبرٍ وتسليم بقدر الله، فبعد الإفاقة من هول هذه الصدمة بدؤوا يستوعبون الموقف، ويتعايشون مع واقعهم.
تكاتفٌ بين المسلمين الإندونيسيين أنفسهم.
فرغم ما حل بهم من كارثة كانتْ روح التعاون والتخفيف عن المتضررين سمة أساسية.
ما أثار انتباه الغربيين قبل المسلمين... صمود المساجد بصورةٍ غير طبيعيةٍ، حتى لو كانت مبنية من الأخشاب، فحسب روايات الناجين لقد احتمى بعضهم في هذه المساجد وكان ارتفاع الأمواج حولها لا يقل عن عشرة أمتار.
لماذا المساجد ؟
• هل معنى ذلك أنه لا توجد مساجد قد تضررت من جراء هذا الطوفان؟ وما ردكم على ما ردده البعض من أنها لم تتضرر بسبب قوة أساساتها الخرسانية؟
توجد بالطبع مساجد دُمرَت، لكن المفارقة اللافتة أنّ كثيراً من المساجد بقيت على حالها وسط حُطام ودمار من جميع الجهات على امتداد البصر، وما قيل إنّ المساجد لم تتضرر لأنها ذات أساسات خرسانيةٍ متينة غير صحيح.لأننا أثناء تجولنا في المناطق المنكوبة زرنا بعض الأماكن التي كانت مبانيها حديثةً، ومع ذلك دمّرتها الأمواج، ولم تبقِ منها ولم تذر.
اللاجئون أصبحوا صيداً ثميناً للمنظمات الكنسيّة حيث لا يوجد أمن أو قانون
وسط هذه القارعة الصغرى- كما أسميتموها- كيف يصف الناجون طريقة نجاتهم ؟
البيوت التي كانت على الساحل لم . يكن أمام أحد من ساكنيها فرصة النجاة، فقد وجدنا سفناً دفعتها الأمواج إلى وسط . عاصمة إقليم آتشيه، وقد وصل عددها إلى 8 موجاتٍ متتاليةٍ، وهذا كان كافياً لإيقاع أكثر من ١٥٠ ألف قتيل من مسلمي إندونيسيا .
والأفلام التي شاهدناها هناك للحظات الأولى للكارثة تظهر مشاهد الهلع والفزع التي سببتها الأمواج، فقد كان الناس يركضون بسرعةٍ مذهلةٍ وكأنّ وحشاً كاسراً يريد أن يلحق بهم، ومما يكرّس المأساة أنّ هؤلاء الناجين قد خسروا كل شيء في حياتهم ولم ينجوا إلا بالملابس التي يرتدونها.
أول مؤسسة خيرية .
كيف تفاعلتم في جمعية الإصلاح مع هذه الكارثة؟ وماذا قدمتم للمنكوبين؟
شاهدنا القساوسة يقدمون - الإغاثات بأنفسهم، وروى لنا البعض أن المنظمات الكنسيّة تستغل هذه الأحداث أسوأ استغلال لتنصيير المسلمين .
انطلاقاً من حديث النبي ﷺ «مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى»، فقد سارعنا منذ البداية بترتيب حملة إعلامية لإعطاء صورةٍ واضحة للجمهورعن حجم الكارثة وتداعياتها، ولهذا كنا أول مؤسسةٍ خيرية كويتية توزع الإغاثات على المنكوبين، وذلك بعد أسبوع من الكارثة، وهذا يعتبر وقتاً قياسياً؛ لأن الخطوط الجوية كانت مقطوعة تماماً، لكن من خلال مكتبنا في جاكرتا كان التحرّك سريعاً مع الأحداث وتم تسيير أكثر من قافلةٍ إغاثية من مواد إغاثية وملابس وأغطية وكان لذلك أثر في تخفيف المعاناة.
كيف كان تجاوب المحسنين مع المأساة؟ وما أشكال هذا التجاوب؟
التجاوب كان فعّالاً، والمحسنون تفاعلوا بسخاءٍ وتعاطف كبير مع إخوانهم، وأشكال هذا التجاوب تعددتْ من خلال اتصالاتنا ومبادرات شخصية من الناس والمراسلات والنشرات الإعلامية التي وزعت مع الصحف، وقد جاد جميع شرائح المجتمع بما عندهم، ودوافعهم كانت إنسانيةً أولاً، ثم إسلامية ثانياً، على اعتبار أن أغلب المنكوبين من المسلمين .
تمثيل ضعيف .
ماذا عن حجم المنظمات الإسلامية التي تفاعلت مع الكارثة؟ وهل كان دورها على مستوى الحدث؟
زرنا المنطقة المنكوبة بعد ١٥ يوماً من وقوع الكارثة، وفوجئنا بأن أدنى مستوى تمثيل كان للمؤسسات الخيرية الإسلامية فقد كان عددها لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة بل أقل من ذلك. وهذا تمثيل ضعيف ولا يتناسب مع الحدث، في حين أن باقي الدول سواء كانت غربية أو شرقية (من كوريا والصين واليابان وغيرها ) كان تمثيلها واضحاً ولافتاً، كما كانت المؤسسات الغربية منظمةً وحريصةً على التنسيق فيما بينها، هذا بدون شك كان له تأثير سلبي على المسلمين. .
ما سبب هذا التمثيل الضعيف للمؤسسات الإسلامية الخيرية؟
للأسف إنّ تفاعل كثيرٍمن الدول العربية والإسلامية مع الأحداث العالمية ضعيفٌ للغاية، ولو قارنّا بين العمل الخيري العربي ونظيره الغربي لوجدنا أن العمل الخيري الغربي مدعومٌ دائماً من الدولة،وسريع الانتقال إلى أماكن الكوارث وهوعملٌ يستغل مثل هذه الأحداث لأهدافٍ خاصةٍ، بخلاف العمل الخيري في بلادنا. فهو عمل أهلي ذو إمكانيات محدودة، بل قد يتعرض لضغوط وتضييق.
إغاثة تنصيرية
• ماذا عما تردد من استغلال الغطاء الإنساني للقيام بأعمال تنصيرية؟
. كل كارثة تحل بالمسلمين تعتبر فرصة مواتيةً للمؤسّسات التنصيريّة، وإندونيسيا ليستْ استثناء من هذه الأحداث، فقد وُجدتْ المنظمات الغربية بكثافة في وقت مبكرٍ، وكان دورها واضحاً ولافتاً، فقد نقلت إحدى المنظمات الأمريكية ٣٠٠ يتيم من إقليم أتشيه إلى أماكن إيواء خاصة في جاكرتا لتنصيرهم، وهناك منظماتٌ تنصيريةٌ إندونيسيّةٌ تستغل الأحداث، وتقدم الإغاثات والعلاج، ومعها تقدم نسخ الأناجيل وتتحدث معهم عن العقيدة المسيحية.
لكن كيف تقوم هذه المنظمات بأعمال التنصير في إندونيسيا ؟
. هذه المنظمات تستغل الملاجئ والمخيمات، وتعمل على نشر أفكارها، والمشكلة في إندونيسيا أنه لا توجد مسطحات فضاء كثيرةٌ لإقامة المخيمات والملاجئ، فالمناطق تغطيها غاباتٌ كثيفةُ الأشجار، والغابات ليست مكاناً مناسباً لإقامة المخيمات، ومن ثم فاللاجئون يتوزعون في أماكن متعددة.
وقد اصبحوا صيداً ثميناً لهذه المنظمات، كما أن هناك مناطقٌ أصبحتْ مبتوتة الصلة بالمناطق العمرانية، حيث لا توجد جسورٌ أو طرقٌ تؤدي إليها، وهو الأمر الذي تستغله المنظمات الكنسية التي تتنقل بالطائرات وتصل إلى هذه المناطق التي لا يوجد فيها أمن أو قانون
هل رأيت بنفسك بعض مظاهر التنصير؟ وهل شاهدت أناجيل في أيدي بعض المسلمين؟
معلوماتنا عن عمليات التنصير استقينا بعضها من المنكوبين ووسائل الإعلام الإندونيسية، والبعض الآخر شاهدناه بأنفسنا، وما شاهدناه هو أن القساوسة الغربيين ومعهم مترجمون يتحركون في أوساط اللّاجئين بشكل سافر، ويقدمون الإغاثات بأنفسهم.
. تدارك ما فات.
وماذا عن واجب المسلمين الآن تجاه تداعيات هذه الكارثة الإنسانية؟
كارثة بهذا الحجم العظيم راح ضحيتها حوالي ٣٠٠ ألف قتيلٍ، معظمهم من المسلمين، كان ينبغي على المسلمين أن ينسّقوا جهودهم وأن يكونوا من أوائل الموجودين على ساحة الحدث، فقد مسحت مدن بأكملها وخلّفتْ وراءها کوارث اجتماعيةً وإنسانيةً كبيرة، كما أن البنية التحتية من طرق وتعليم وصحة قد دُمرتْ تماماً، ونظراً لأنّ آثار هذه الكارثة ستمتد من 5-10 سنوات، فالأمر يحتاج من المسلمين إلى تدارك ما فاتهم، والمسارعة إلى إنقاذ إخوانهم، وعدم تركهم فريسةً سهلةً وهيِّنة في أيدي المنصِّرين، فالوقت مازال يسمح بتصحيح الخطأ السابق من خلال العمل المنظم والمنسق بين الهيئات العربية والإسلامية الرسمية ونظيرتها الإسلامية في بلادنا .
. القرى الخيرية .
وماذا عن المشاريع التي ينتظرها المتضررون منكم؟ .
اتفقنا مبدئياً مع الوزير الإندونيسي المفوَّض لشؤون الإغاثة هاشم علوي، على أن يخصص لنا مساحاتٍ واسعةٍ من الأراضي لنقيم عليها مشروع الإيواء، وهو عبارة عن قرى خيريةٍ تشتمل كل قريةٍ على بيوتٍ سكنيّةٍ. بالإضافة إلى مدرسةٍ وملحقاتها الأساسية من مسجدٍ وسوقٍ ودار أيتامٍ ومركزٍ للتأهيل النفسيّ ووحدةّ صحيةٍ، وهذا المشروع بدأنا فيه الخطوات الأولى.
ومن جانبها رحبتْ الحكومة الإندونيسية بهذا المشروع، ونأمل أن يكون بمثابة نموذج يُحتذى من قبل المنظمات الإسلامية وغيرها حتى نستطيع أن نقدم مشاريع نوعيةٍ، وندعو جماهير المسلمين إلى دعم هذا المشروع.