; ما هكذا الدعوة إلى إصلاح الأوضاع يا حمد | مجلة المجتمع

العنوان ما هكذا الدعوة إلى إصلاح الأوضاع يا حمد

الكاتب الشيخ عبد العزيز بن باز

تاريخ النشر الثلاثاء 28-أغسطس-1984

مشاهدات 92

نشر في العدد 681

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 28-أغسطس-1984

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:

فقط اطلعت على ما نشر في جريدة السياسة بعددها 668 في 19/ 8/ 1404ه لكاتبه حمد السعيدان وقد نسب إلي هداه الله كلامًا عن حلق اللحية تجرأ فيه بشيء لم أقله ومما ذكر أني قلت أي فتوى تصدر باسمي يجب أن تكون ممهورة بخاتمي ومصدقة من وزارة الأوقاف الإسلامية. وهذا الكلام ظاهر البطلان لأني لم أشترط يومًا ما تصديق وزارة الأوقاف الإسلامية على ما يصدر مني من الفتاوى. ثم استرسل في الكلام عن حلق اللحية وغيرها وزعم أن قول النبي صلى الله عليه وسلم «خالفوا المشركين قصوا الشوارب وأعفوا اللحى» يقتضي بهذا العصر أن نحلق اللحى لأن المجوس والمشركين واليهود والسيخ وغيرهم يطلقون اللحى وقال «وعليه يجب مخالفة هذه الفئات نحلق لحانا. وقد قام رجال الأزهر بتطبيق هذا الحديث وهو مخالفة المشركين وغيرهم وحلقوا لحاهم» إلى آخر ما قال ولا شك أن هذا جرأة من الكاتب وسوء أدب منه مع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فبيانه صلى الله عليه وسلم واضح وأمره واجب الامتثال والتنفيذ ويخشى على مخالفته من العاقبة السيئة كما قال تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: ٦٣) وأمره صلى الله عليه وسلم بإعفاء اللحية واضح وتنفيذه واجب إلى قيام الساعة سواء وفر الكفار لحاهم أم حلقوها، وموافقتهم لنا في شيء من شرعنا كإعفاء اللحية لا يقتضي أن نخالف شرعنا كما أن دخولهم في الإسلام أمر واجب عليهم ومحبوب لنا ونحن مأمورون بدعوتهم إلى ذلك ولا يقتضي ذلك خروجنا من الإسلام إذا دخلوا فيه حتى نخالفهم بل علينا أن ندعوهم إلى دين الله وألا نتشبه بهم فيما خالفوا في شرع الله وهذا أمر معلوم عند جميع أهل العلم.

وهذه الجرأة من الكاتب في حمل الحديث الشريف على وجوب حلقها لأن المشركين وغيرهم تركوا حلقها جرأة شنيعة في نشر الباطل والدعوة إليه ثم هي مخالفة للواقع فليس كل الكفار قد وفروا لحاهم بل فيهم من يعفيها وفيهم من يحلقها. ولو فرضنا أنهم كلهم أعفوها لم يجز لنا أن نخالف أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فنحلقها لمخالفتهم وهذا لا يقوله من له أدنى علم وبصيرة بشرع الله عز وجل ويلزم عليه لوازم باطلة ومنكرات كثيرة وأما ما ذكره عن شيوخ الأزهر من كونهم حلقوا لحاهم لما رأوا بعض الكفار قد أعفاها فهذا لو سلمنا صحته لا حجة فيه فإن مخالفة بعض المسلمين لما شرعه الله لا يحتج بها على ترك الشرع المطهر بل الواجب الإنكار على من خالف الشرع والتحذير من الاقتداء به لا أن يحتج بعمله على مخالفة الشرع. وكثير من العلماء قد خالفوا الشرع المطهر في مسائل كثيرة إما لجهل بالدليل وإما لأسباب أخرى ولا يجوز أن يكونوا حجة في جواز مخالفة ما علم من الشرع لكونهم لم يأخذوا به بل غاية ما هناك أن يعتذر عنهم بأن الشرع لم يبلغهم أو بلغهم من وجه لم يثبت لديهم أو لأعذار أخرى كما بسط ذلك الإمام العلامة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه الجليل «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» وقد أجاد فيه وأفاد وأوضح أعذار أهل العلم فيما خالفوا من الشرع فليراجع فإنه مفيد جدًا لطالب الحق وإني أنصح الكاتب حمد بأن يتقي الله ويحذر لمز الملتحين وسوء الظن بهم كما أنصحه بأن يحسن الظن بجميع إخوانه المسلمين الذين يحرصون على تطبيق الشريعة ويتتبعون سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ويتأسون به في أقواله وأعماله وأن يحملهم على أحسن المحامل عملًا بقول الله عز وجل في سورة الحجرات ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الحجرات: 10) ومعنى قوله ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي لا يلمز بعضكم بعضًا واللمز العيب ثم قال الله سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (الحجرات: 11)، فأمر سبحانه باجتناب كثير من الظن وأخبر أن بعضه إثم وهو الظن الذي لا دليل عليه ولا أمارة شرعية ترشد إليه. ولهذا ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» وهذا كله لا يمنع من نصيحة من أخطأ من أهل العلم أو الدعاة إلى الله في شيء من عمله أو دعوته أو سيرته بل يجب أن يوجه إلى الخير ويرشد إلى الحق بأسلوب حسن لا باللمز وسوء الظن، والأسلوب العنيف، فإن ذلك ينفر من الحق أكثر مما يدعو إليه ولهذا قال الله عز وجل لرسوليه موسى وهارون لما بعثهما إلى أكفر الخلق في زمانه ﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه: ٤٤) وأخبر الله عن نبيه صلى الله عليه وسلم بما جبله عليه من الرفق والحكمة واللين واللطف في الدعوة فقال سبحانه ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: 159). وأمره سبحانه أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة فقال عز وجل ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: ١٢٥) وهذا الأمر ليس خاصًا به صلى الله عليه وسلم بل هو موجه إليه وإلى جميع علماء الأمة وإلى كل داع يدعو إلى حق لأن أوامر الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم لا تخصه بل تعم الأمة جميعًا إلا ما قام الدليل على أنه خاص به ولقول الله سبحانه ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: 21) الآية.. ولقوله عز وجل ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: 157) وقوله سبحانه ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: 100) وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «من يحرم الرفق يحرم الخير كله» وقال عليه السلام «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه» وقال أيضًا عليه الصلاة والسلام «إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف» في أحاديث كثيرة تدل على أن الواجب على الدعاة إلى الله سبحانه والناصحين لعباده أن يتخيروا الأساليب المفيدة والعبارات التي ليس فيها عنف ولا تنفير من الحق والتي يرجى من ورائها انصياع من خالف الحق إلى قبوله والرضى به وإيثاره والرجوع عما هو عليه من الباطل وأن لا يسلك في دعوته المسالك التي تنفر من الحق وتدعو إلى رده وعدم قبوله وأسال الله أن يوفقنا وسائر المسلمين للفقه في دينه والثبات عليه والدعوة إليه على بصيرة وأن يعيذنا وسائر المسلمين من شرور أنفسنا وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم بغير علم إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.

 

حول إنكار  صيام رمضان  ثمانية وعشرين يومًا  وقضاء اليوم الأول منه

من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم سماحة شيخ الأزهر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق.

وفقه الله لما يحبه ويرضاه

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

فقد بلغني بالنشرة المرفقة تصريح سماحتكم لصحيفة الأخبار المتضمن إنكار صيام رمضان 28 يومًا ثم قضاء اليوم الأول من رمضان باعتبار وقوع خطأ في تحديده... الخ.

وأخبر سماحتكم أنني استغربت ما تضمنه هذا التصريح لما أعلمه عن فضيلتكم من العلم والفضل وأن مثل هذا الحديث لا يخفى عليكم.. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الشهر لا ينقص عن تسعة وعشرين يوما. ومتى ثبت دخول شوال بالبينة الشرعية يعد صيام المسلمين ثمانية وعشرين يومًا فإنه يتعين أن يكونوا أفطروا اليوم الأول من رمضان فعليهم قضاؤه لأنه لا يمكن أن يكون الشهر ثمانية وعشرين يومًا وإنما الشهر تسعة وعشرون يومًا أو ثلاثون.

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في الجزء 25 من فتاواه ص 154 – 155 أن هذا حدث في زمن على رضي الله عنه صاموا ثمانية وعشرين يومًا وأمرهم علي بصيام اليوم الذي نقصهم وإتمام الشهر تسعة وعشرين يومًا.

فآمل التنبيه على الصحيفة بالصواب إذا كان قد صدر من فضيلتكم لها خلافه ولا يخفى أن فضيلتكم محل الثقة والاعتبار وسيأخذ بفتواكم من لا يحصيه إلا الله ويعتمدون عليها.

ولوجوب التناصح بيننا والتواصي بالحق والتعاون على البر والتقوى رأيت الكتابة إلى فضيلتكم في ذلك. والله المسؤول أن يوفقنا جميعًا لإصابة الحق في القول والعمل وأن يجعلنا وإياكم من الهداة المهتدين إنه جواد كريم. أثابكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الرابط المختصر :