; ما وراء قانون الجنسية في الهند | مجلة المجتمع

العنوان ما وراء قانون الجنسية في الهند

الكاتب عبدالله أبو بكر باعثمان

تاريخ النشر الأربعاء 01-يناير-2020

مشاهدات 79

نشر في العدد 2139

نشر في الصفحة 34

الأربعاء 01-يناير-2020

       أقليات مسلمة

 

ما وراء قانون الجنسية في الهند

يعد القانون الجديد انتهاكاً لديباجة الدستور وللمادة (14) منه التي تنص على المساواة بين جميع المواطنين دون تمييز

أكثر من 200 مليون مسلم يعيشون مخاوف كبيرة من فقدان الجنسية والحق في العيش بكرامة

منظمة «RSS" حددت 100 عام لتحويل الهند إلى دولة هندوسية كاملة وذلك عام 2025م

شخصيات كبيرة مثل أحفاد الرئيس الهندي السابق فخرالدين وضباط سابقون بالجيش فقدوا جنسيتهم بسبب القانون

النظام القضائي أظهر خضوعاً تاماً للنظام الفاشي وقد وضح هذا في قضية مسجد "بابري"

د. عبدالله أبوبكر 

أقرت الحكومة المركزية في الهند مؤخراً قانوناً مثيراً للجدل بعنوان "قانون (تعديل) الجنسية"، المختصر بـ"CAA"؛ ما أجج الاحتجاجات في أنحاء البلاد من جميع طوائف الشعب، ما عدا الحزب الحاكم ومؤيديه، هذا القانون ينص على تعديل لقانون الجنسية لعام 1995م بمنح الجنسية للاجئين القادمين من ثلاث دول مجاورة فقط (باكستان، أفغانستان، بنجلاديش) الذين ينتمون إلى ست ديانات فقط (الهندوسية والمسيحية والسيخ والبوذية والجاين والفارسية)، كما أن القانون يحدد فترة الإقامة للحصول على الجنسية لتلك المجتمعات لتكون 5 سنوات بدلاً من 11 سنة القائمة، ويستبعد القانون المسلمين عمداً، كما أنه لا يشمل اللاجئين من البلدان الأربعة الأخرى المجاورة للبلاد. 

يعد هذا القانون انتهاكاً واضحاً لديباجة الدستور التي تؤكد أن الدولة ستبقى «جمهورية ذات سيادة ديمقراطية اشتراكية علمانية»، كما أنه يخالف المادة رقم (14) من الدستور التي تنص على «المساواة بين جميع المواطنين دون تمييز من طبقة أو ديانة أو جنس أو لغة أو أي عنصر آخر».

والجدير بالذكر أن الحكومة المركزية اقترحت قانون «CAA" لدعم تطبيق قانون آخر هو "السجل الوطني للمواطنين" (NRC)، علماً بأن هذا القانون الأخير يطبق في ولاية آسام شمال شرقي البلاد فقط على أساس حكم من المحكمة العليا؛ وذلك لظروف خاصة تتعلق بقضية اللاجئين الفارين من دولة بنجلاديش أثناء قيام هذه الدولة في بداية عام 1970م بعد الفصل من باكستان، لكن الحكومة الحالية تصر على تنفيذ هذا السجل في جميع أنحاء البلاد، وإذا تم تطبيقه فسيكون تحدياً كبيراً للمسلمين لإثبات جنسيتهم؛ لأن قانون "NRC" يطلب من كل شخص إثبات الجنسية من خلال أدلة يعود تاريخها إلى ما قبل عام 1971م، أو من خلال إدراج الاسم في سجل المواطنين لعام 1951م، ويستبعد أي وثائق أخرى معتمدة في البلاد مثل بطاقة الهوية الشخصية وبطاقة التموين وغيرها. 

أما بالنسبة لغير المسلمين، فيمكن الحصول على الجنسية من خلال القانون الجديد "CAA" المثير للجدل. 

باختصار: تحاول الحكومة الحالية تهميش المسلمين في البلاد، وهم أكبر الأقليات حيث يمثلون نحو 15% من السكان، ويتجاوز عددهم 200 مليون نسمة. 

الخلفية

يرأس الحكومة الحالية الحزب القومي اليميني «بهارتيا جاناتا» (BJP)، وهو الوجه السياسي للمنظمة الهندوسية الفاشية "RSS"، التي تم تأسيسها عام 1925م؛ بهدف تحويل الهند إلى دولة هندوسية بصورة مطلقة لا مكان فيها للذين لا يتبعون الثقافة الهندوسية في حياتهم، وقد صرحت المنظمة عن هذا الهدف من خلال كتابهم المقدس "نحن.. تعريف وطننا" الذي ألفه الرئيس الثاني للمنظمة "أم أس جولفاركر"؛ حيث اقترح أفكاره العنصرية، وأوصى كوادر المنظمة باتباع نهج زعماء الفاشية أمثال "هيتلر"، و"موسوليني" لتحقيق هذا الهدف. 

ويقترح الكتاب خيارين اثنين فقط للمجتمعات غير الهندوسية، إذا كانوا غير مستعدين لقبول واتباع الثقافة الهندوسية؛ وهما إما أن يغادروا الهند، وإما أن يكونوا مستعدين للعيش كعبيد يخدمون الدولة الهندوسية، ولن تكون لهم جنسية أو حقوق أو ميزات تقدمها الدولة. 

وقد حددت منظمة "RSS" موعد 100 عام لتحويل الهند إلى دولة هندوسية كاملة، وقد اقترب الموعد بحلول عام 2025م، وتعمل المنظمة الفاشية بجد لتحقيق هدفها من خلال أساليب وطرق مختلفة بما فيها التأثير والقبض على فروع الجهاز الإداري للدولة، وقوات الأمن، والساحات الاجتماعية والثقافية، والمراكز الأكاديمية. 

وفي المجال الاجتماعي، كانت المنظمة تثير توترات طائفية لتوسيع الفجوة بين مجتمعات الهندوس والمسلمين، ومن جانب آخر عملت على تعزيزها السياسي من خلال تكوين أحزاب شتى، من أقوى هذه الأحزاب حزب "BJP" الحاكم حالياً؛ حيث تحقق الفوز بالأغلبية المطلقة في مجلسي البرلمان، على الرغم من اتهامها بالتلاعب والتزوير في العملية الانتخابية الأخيرة للبرلمان في عامي 2014 و2019م.

ونظراً لأن الحكومة يرأسها حزب قومي يميني يصر على تنفيذ أجندتها الفاشية، من خلال أي وسيلة وحيل ومكائد؛ لتحقيق أهدافه، بما فيها تدبير أعمال الشغب والقتل ضد المسلمين والأقليات والمعارضين السياسيين؛ فإن الشعب خائف من التنفيذ الحقيقي للدولة الهندوسية بسرعة فائقة، فمنذ تشكيلها في منتصف عام 2019م، كانت الحكومة حريصة على تنفيذ خطوات تؤثر بشكل مباشر على المجتمع الإسلامي، مثل إلغاء المادة رقم (370) من الدستور الخاصة بالمكانة الخاصة لولاية كشمير ذات الأغلبية المسلمة.

حسابات خاطئة

كان الحزب الحاكم مصراً على تطبيق قانون «NRC" في ولاية آسام والولايات الأخرى؛ فقد توقع إسقاط جنسية ما لا يقل عن 4 ملايين مسلم، حيث إن نسبة المسلمين تبلغ 35% من سكان هذه الولاية، لكن عند انتهاء المرحلة الأولى من تطبيق القانون أسفرت عن فقدان الجنسية لنحو مليوني شخص غالبيتهم من المجتمع الهندوسي، وذلك بفضل العمل الشاق للمنظمات التطوعية بتقديم المساعدات للناس على إثبات جنسيتهم، والجدير بالذكر أن الذين فقدوا جنسيتهم كان منهم بعض كبار الشخصيات أمثال أحفاد الرئيس الهندي السابق السيد فخر الدين علي أحمد، وضباط سابقين في الجيش خدموا البلاد لأكثر من ثلاثة عقود.

ونظراً للنتيجة غير المتوقعة في ولاية آسام، اقترح الحزب الحاكم تنظيم قانون "CAA" الجديد لإعادة جنسية غير المسلمين في حال فقدانها أثناء تنفيذ قانون "NRC" وطرد المسلمين من حق الجنسية؛ وبالتالي إذا تم تنفيذ قانوني "NRC" و"CAA" في جميع الولايات -كما تريد الحكومة ومنظمة "RSS"- فمن المفترض أن يعيش أكثر من 200 مليون مسلم في مخاوف لا نهاية لها من فقدان الجنسية والحق في العيش بكرامة كبشر، ربما لا تستطيع الحكومة طرد جميع المسلمين من البلاد، لكن سيتعين على المسلمين أن يعيشوا حياة قلقة تؤثر على إبداعهم وإنتاجيتهم؛ مما يهدد وجود أجيالهم المستقبلية.

من المحزن جداً أن النظام القضائي في الدولة قد أظهر آثار الخضوع للنظام الفاشي، كان هذا واضحاً في قضية مسجد "بابري"، حيث حكمت المحكمة العليا بتخصيص ملكية موقع المسجد المهدوم لبناء هيكل هندوسي، رغم أن الأدلة أثبتت وجود المسجد في الموقع لمدة 5 قرون منذ تأسيسه في عام 1526م بأمر من الملك ظهير الدين محمد بابر، مؤسس مملكة المغول، وظل مسجداً حتى هدم في 6 ديسمبر 1992م في وضح النهار، وبعد نضال قانوني طال لأكثر من 6 عقود يشعر المسلمون باليأس من الظلم ومنع العدالة حتى من جانب القضاء. 

وتشهد الهند حالياً احتجاجات واسعة ومظاهرات سلمية ضخمة في جميع أنحاء البلاد على مختلف المستويات؛ بدءاً من القرى والمدن والبلدات، وساحات الكليات والجامعات، بمشاركة جميع شرائح الناس رجالاً ونساء، مسلمين وغيرهم، وكل من يهتم بالديمقراطية والمساواة، وبالطبع واجهت الحكومة المتظاهرين بالحديد والنار، وقد استشهد عدد منهم، كما أن المجتمع الإسلامي في جميع أنحاء العالم يشعر بالقلق إزاء مصير المسلمين في الهند الذين يمثلون أكثر من 10% من سكان المسلمين في العالم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 478

91

الثلاثاء 29-أبريل-1980

المجتمع الدولي (العدد 478)

نشر في العدد 2098

64

الاثنين 01-أغسطس-2016

أخبار الأقليّات

نشر في العدد 2137

82

الجمعة 01-نوفمبر-2019

نؤيد عملية «نبع السلام»