العنوان ما ينبغي للعرب أن يعرفوه عن وضع اللغة العربية في إفريقيا جنوب الصحراء
الكاتب د. عمر با
تاريخ النشر الثلاثاء 15-يونيو-1999
مشاهدات 63
نشر في العدد 1354
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 15-يونيو-1999
يذهب الغربيون إلى إفريقيا ليعيشوا مع الناس في قراهم النائية ويشاركونهم الطعام والشراب ورعي الماشية والصيد.. لا تفوتهم دقيقة من دقائق الحياة المحلية حتى يتقنوا لغتهم ويخبروا تفاصيل النسيج الاجتماعي.. وفي ذلك كله لا يتكلمون عن الدين ولكنهم في الواقع هم المرشدون الواقعيون للمنصرين وراء الكواليس.
عند مجيء الأوروبيين إلى غرب إفريقيا كانت المكاتبات بينهم وبين السلاطين المحليين تتم باللغة العربية.. وبعد استتباب الأمر لهم فرضوا لغاتهم - خاصة الفرنسية - على المنطقة.
ثم انتشرت الحملة لتقضي على استخدام الحرف العربي في اللغات المحلية.. والآن نجد دارسي اللغة العربية مضطرين لتدريس اللهجات المحلية بالحرف اللاتيني.
بقلم: د. عمر دبا([1])
الصراع الديني في العالم مستمر ولن يتوقف -ولا أسلوبه- عند كل من يدعو إلى دين معين، وله غاباته التي يسعى إلى تحقيقها وإنجازها.
للمنصرين أسلوبهم ولهم مشكلاتهم، ولما كانوا هم الطرف الأعلم بحاجة المنطقة بحكم أن المنطقة خضعت لهيمنتهم زمنًا طويلًا فإنهم بالتالي لا يجهلون ظروف وأحوال المنطقة وخاصة إذا علمنا أنهم هم صانعو تلك الظروف، ولقد أشار سياسيوها أكثر من مرة إلى أنهم يفتعلون الأزمات في مكان ما من العالم رغبة في غربلة الأمور ثم يصوغون لتلك الأزمة حلًا ليأتي الحل طبق تصورهم وإرادتهم.
الاطلاع الدقيق للنصارى الأوروبيين على أقاليم العالم عامة، وعلى إفريقيا خاصة لا يرجع فقط إلى كونهم استعمروا معظم أصقاعه، وكون أقمارهم الاصطناعية تمخر عباب أثير الفضاء في السماء تصور المواقع بدقة دقيقة وتتنصت على المكالمات وتتجسس على الناس، فحسب ولكنهم أنفسهم لما جبلوا عليه من جهد وأناة وتحمل وتضحية واستعداد لمكابدة الصعاب كلها عوامل جعلتهم بل هيأتهم لأن يكونوا قادرين على اصطياد المعلومة الصحيحة الدقيقة من مكانها.
لقد رأيناهم في إفريقيا يأتون - من بينهم نساء ورجال وفتيات بمختلف الأعمار- يعيشون مع الناس في قراهم النائية، ويغيرون أسماءهم ويصطنعون حياة هؤلاء.. وتجد الرجل منهم يعيش في وسط الفلاحين- مثلًا- ما يربو على خمسة عشر عامًا يشاركهم في جميع أعمالهم ويحيا حياتهم ويتخذ له قطيعًا من المعز والبقر يرعاها تناوبً مع مستضيفيه -كما يفعلون- ويتسمى بأسمائهم ويتلقب بألقابهم بعد أن يكون قد صنع لنفسه- وبيديه كوخًا صغيرًا يأوي إليه- وهو المولود في وسط مدينة شيكاغو أو أتلانتا أو واشنطن أو باريس.. إلخ، لا يعاف الناس ولا يتكابر عليهم ولا يسهك مطعومهم أو مشروبهم، معرضًا نفسه المختلف الأمراض التي قد تغزو جسمه كما تغزو بل تفتك بأجسام الأفارقة وخاصة في مواسم نزول الأمطار حيث تتكاثر أسراب البعوض والحشرات اللاسعة القارضة، وتراهم يشاركون الصبيان والفتيان في صيد الغزلان، والأرانب والطيور في الغابات والبراري، وكذلك نساؤهم يفعلن ويتصرفن طبق تصرفات المرأة المحلية.. ولا تفوتهم دقيقة واحدة من دقائق الحياة المحلية المعيشة ليخرج وهو يتقن اللغة، لغة القوم الذين عاش معهم إتقان سيبويه للضاد، وخبر دقيق تفاصيل النسيج الاجتماعي وتركيباته وتناقضاته ليرجع إلى الجهة التي ابتعثته وهو - والحق- خبير عليم يتكلم عن دراية، ويتحدث عن خبرة ويكتب عن معرفة، على أن هؤلاء لا يمكن بحال من الأحوال أن تجدهم يتكلمون عن الدين، لا يبشرون ولا ينذرون، ولكنهم في واقعهم هم المرشدون الواقعيون للمنصرين وراء الكواليس لأن المنصر يستنير بضوء معلوماتهم ويسير طبق معطيات توصياتهم.
الداعيةوالمنصر
أما عندنا فالأمر مختلف، وحتى الذين دربوا لغاية الدعوة رأيتهم يتصرفون كه موظفين لا يخرجون من المدن ولا يعيشون الحقيقة.
لا ينبغي أن يكون سلوك بل اهتمامات الداعية المسلم شبيهًا بل منافسًا للمنصر ميدانيًا لاختلاف مرامي الغايات التي يسعى كل إلى تحقيقها، وما يمكن أن يكون مشكلة للداعية المسلم يريد إزاحتها قد يكون من الصالح للمنصر أن يبقى، وما يمكن أن يكون مشكلة للمنصر قد يكون من صالح الداعية المسلم أن يدوم، سابقًا كان معظم المسلمين يسعون إلى تبني اللغة العربية باعتبارها لغة الإسلام وبالتالي – منطقًا- لغة المسلمين لا ضير ولا غضاضة ولا حساسية أو هزة نفسية، فمعظم المسلمين في طور من أطوارهم التاريخية اتخذوا العربية أداة تعبير وتفاهم مع الغير بها يعبرون عن أفكارهم نثرًا وشعرًا وإن كانت لهم رطانتهم في بيوتهم وسط محيطهم العائلي، فتلك الرطانة أيضاً اصطلح لها رموز كتابية من خلال منظومة الأبجدية العربية أي أنهم لم يخرجوا من الحرف العربي الذي به كتب القرآن الكريم.
واستمرت الحال إلى ما بعد مجيء الأوروبيين وغزوهم للعالم الإسلامي، وكان من جملة الجبهات التي فتحوها لمحاربة الإسلام وتضييق الخناق عليه ومحاصرته ثني المسلمين العجم عن استعمال الحرف العربي فجرى تحويل معظم كتابة اللهجات - اللغات- من الحرف العربي إلى الحرف اللاتيني إمعانًا في فرض عزلة ثقافية على العربية وتم ذلك في كل من تركيا وماليزيا، حيث تكتب لغة المالايو بالحرف اللاتيني بعد أن كانت تكتب بالحرف العربي واللغة السواحلية والصومالية في شرق إفريقيا، ثم جاء الدور للغات الإفريقية الإسلامية أمثال كل من الفلانية والهاوسا وولوف وسرا كولي.. إلخ غرب القارة.
حتى وقت قريب كان أجدادنا يتكاتبون فقط باللغة العربية والذين لا يعرفونها يكتبون اللغة الفلانية لكن بالحرف العربي – والكتابة مجرد اصطلاح رسم تصويري فقط.
غير أن محاربة الإسلام كانت تقضي محاربة أزيائه ومظاهره لأن الخط العربي أو الكتابة من اليمين إلى اليسار عربيًا يوحي بأنه من ظلال الثقافة الشرقية العربية وإن كان صاحبه يكتب اللغة الفارسية أو الأردية، أزعم أنه من ميزات العقل الأوروبي النصراني أنه ينتبه لدقائق الأمور في وقت مبكر ويضع لها اعتباراً لمعرفته وزنها وتأثيرها على مختلف المستويات والأصعدة لاحقًا.
منذ زمن ليس بالقصير شرع حبك المؤامرات على الإسلام، وعلى اللغة العربية في العالم الإسلامي غير العربي. وأعلم -وأنا ذو ثقافة عربية- أنه جرى حتى في العالم العربي نفسه محاولات يائسة في تحويل الكتابة العربية إلى الحرف اللاتيني لولا صمود العرب المسلمين في وجه ذلك التيار العميل الغادر الخائن فتروى في هذا الصدد قصة جرت بين شيخ أزهري وأحد مبشري كتابة العربية بالحرف اللاتيني وهو سلامة موسى أن الشيخ الأزهري قال له: لماذا أنت تدعو وبحماس زائد لتحويل كتابة اللغة العربية من الحرف العربي إلى الحرف اللاتيني؟ فأجابه سلامة موسى: «لأني أريد أن أعممها» ولكن الشيخ الأزهري رد عليه قائلًا: لا .. بل أنت تريد أن تبرنطها، أي حجر القمه؟ ولا يجاري الداهية إلا الداهية.
توأمان.. متلازمان
منذ أن وصل الإسلام إلى غرب إفريقيا - وهو ما يناهز ألف سنة بالتمام والكمال طبق نصوص تاريخية لا يرقى إليها الشك- وصلت اللغة العربية إلى المنطقة، ذلك لأن الإسلام واللغة العربية توأمان متلازمان، إذ بها يفهم الإسلام وكتاب الإسلام الأول مكتوب بها، لقد سعى الناس في منطقة الشمال والغرب الإفريقيين إلى تعلم تلك اللغة، حتى لقد ذاب الشماليون في العرق العربي وإن بقيت هناك لهجات بربرية إلا أنها لم تعد لغة الشارع ولا لغة الثقافة ولا يباهي الإنسان غيره بمعرفتها، وفي جنوب الصحراء لم يرق الوضع إلى ذلك المستوى - مستوى الذوبان اللغوي- ولكن العربية درست واستعارت اللهجات الإفريقية كثيرًا بل كثيرًا جدًا من المفردات العربية وبرزت إلى الوجود جامعات راقية في الطرف الجنوبي أمثال كل من تمبوكوتو وسعت في نشر الإسلام في باقي أرجاء المنطقة وانبثقت منها محاضر علمية عظيمة الشأن خرجت فطاحل العلماء وعظائم الرجال في حوض نهر السنغال، فحتى عند مجيء الأوروبيين فإنهم كانوا مضطرين دائمًا أن يكون معهم مترجم يفهم العربية، لأن المكاتبات بينهم وبين السلاطين المحليين كانت تتم باللغة العربية، وأمامنا شواهد لذلك كثيرة على شكل رسائل كان يجري تبادلها بين الطرفين غير أنهم أي الأوروبيين بعد استتباب الأمر لهم وبث سيطرتهم على المنطقة فرضوا المدرسة الفرنسية - وهي فرنسية اللغة- على المنطقة فنظرًا لقوتها لأنها هي الرسمية فإنها غدت المهيمنة وعملوا على توجيه الأنظار إليها وصاحب ذلك إغراءات عظيمة لمن انخرط فيها وتعلم لغتها من فرص ومناصب واعتبارات اجتماعية ووجاهة محلية لأنه يشي بالولاء للأمر القائم.
غير أن علماء الإسلام قاوموها بوسائلهم الخاصة بأن حذروا الناس مغبة الاغترار بها ولم يشجعوا المسلمين على بعث أبنائهم إليها إلا متمردًا عليهم في الغالب ومنهم من ذهب إلى حد تحريم تعلمها خشية التشبه بالنصارى مستقبلاً وبالمقابل شجعوا الناس على تعلم القرآن الكريم وحثوهم ببعث أبنائهم إلى محاضر تعلم اللغة ومعاهد الشريعة، فوجد كثير من الذين تخرجوا في تلك المحاضر المحلية طريقهم إلى البلاد العربية ليزيدوا من ثقافتهم العربية والإسلامية على أمل أن يرجعوا ويواصلوا المسيرة، وبعد الاستقلال وجد هؤلاء الذين درسوا العربية أنفسهم في وضع لا يحسدون عليه، ذلك لأن الذين تربعوا على رأس الحكم لم يسعوا إلى استرجاع مكانة اللغة العربية أو يفسحوا المجال أمام ذوي الثقافة العربية من أبناء بلادهم فأصبح معظم بل ما يزيد على ٨٥٪ من حاملي الشهادات العربية عاطلين عن العمل بعدما كابدوا مشقات وأي مشقات للوصول إلى بلاد العرب والالتحاق بمؤسساتها العلمية مما خلق في نفوس كثير منهم إحباطًا عظيمًا فمما يزيد على ٩٥٪ من ذوي الثقافة العربية لا يدرس أبناؤهم القرآن الكريم ناهيك عن اللغة العربية بذريعة أنهم لا يرغبون أن يروا أبناءهم مستقبلًا في وضع كالذي هم فيه، وهذا نذير سوء إذ كان من المتوقع أن يكون هؤلاء الأساس المتين واللبنة الأولى للثقافة العربية والإسلامية غير أن العكس – للأسف- هو الحاصل فالحماس يزداد فتورًا، ففي بداية الستينيات كان في نفوس الشباب المسلم اندفاع عارم لتعلم اللغة العربية ظناً بأن لها مستقبلًا، وأنا أتذكر أن أحدهم كان يقول: أخشى أن يكون هذا الاندفاع الشديد بداية عنيفة لنهاية محزنة.
الحربالخفية
ومن مظاهر محاربة العربية من طرف خفي بدون ما ضجة، التركيز المتعمد على تعلم اللهجات الإفريقية، فالمنصرون يعلمون - بحكم معرفتهم ما يجري في الميدان كما شرحنا في بداية هذا السرد- أن معظم المسلمين يوجهون أبناءهم إلى المجالس القرآنية وهم صغار ولكن الدول المحلية تكفلت بقسط وافر من مهمات المنصرين، لأن المنصرين وجدوا أنهم لا داعي بالنسبة لهم الاهتمام بنشر المدارس لتعليم اللغة الغربية مادامت هذه اللغات هي اللغات الرسمية للدولة نفسها، إذن أصبح التعليم من مهمات الدولة والتعليم يتم بلغة غير عربية فجهل هؤلاء التلاميذ للغة العربية مضمون واتجهت الأنظار إلى مزيد من إبعاد الناس عن وسيلة اللغة العربية، وهذه الوسيلة هي الحرف العربي وانتشرت فجأة وبصورة طاغية المنظمات غير الحكومية التي تعنى بتعليم اللغات المحلية، فمثلًا ينخرط الصبي في المدارس الرسمية وعمره يتراوح ما بين ٧-٨ سنوات ويقضي في المرحلة الابتدائية مدة ست سنوات ويتقدم للامتحان فمما يزيد على ٥٠٪ منهم يرسبون وتكون أعمارهم تتراوح ما بين ١٤ – ١٥ سنة فلا أمامهم من ملجأ سوى الالتجاء إلى المنظمات غير الحكومية التي تتلقفهم وتعيد تعليمهم لمدة وجيزة ثم إعطاؤهم أي منصب في مدارس تعليم اللهجات المحلية وأنا أعرف كثيرين ممن درسوا في الدول العربية ورجعوا وعندهم شهادات ذات قيمة لكنهم لم يحصلوا على أي عمل فاضطروا للتدرب من جديد للحصول على شهادة في رسم الحروف فقط ثم التوظف بموجبها، وبين حين وآخر نرى ولادة منظمة غير حكومية جديدة مهمتها تعليم اللغات المحلية ودفع أجور مرتفعة بحجة محو الأمية حتى ليتساءل المرء من أين يأتي هؤلاء الناس بهذه الأموال في حين أن أصحاب المدارس العربية - ذات القيمة العلمية- لا يجدون ما يدفعون به اجور معلمي مدارسهم؟ وحين يطالب الآباء بدفع أجور المدارس العربية حيث يتعلم أبناؤهم يتناكصون ويتقاعسون ويقولون: «إنكم أصبحتم تجارًا، فمدارسكم إن هي إلا مدارس تجارية» وسرعان ما يتسرب الأبناء خارج المدرسة، ورويدًا رويدًا تموت المدرسة، إنها صورة مؤلمة.
والذي نراه أن دعم ذوي الثقافة العربية بالنسبة للعرب خير وأبقى وأنفع من حفر الآبار أو تبني كفالة اليتيم بكثير وخاصة هو يتيم لا يقرأ القرآن الكريم، وقد يكون مسجلًا في مدرسة تنصيرية أو رسمية وليست لديه تربية إسلامية ولا يصوم ولا يصلي، وقد يكون هذا الراتب الذي يتلقاه من مؤسسة كفالة اليتامى عامل تثبيط لذويه عن ممارسة أي عمل جاد، علماً بأن هذا المبلغ الذي يدفع إليه لو دفع إلى معلم للغة العربية لكان عامل تشجيع له وتحفيز لغيره إلى تعليم ابنه للغة العربية وكذلك مساعدته على إعالة أسرته وتحسين ظرفه المعيشي وإن بدرجة الكفاف، إن المنصر ليس في حاجة ماسة إلى دعم المدرسة المحلية ومع ذلك فهم يفعلون ذلك بكل حماس، وهناك منظمات غير حكومية مهمتها إعانة المدارس الفرنسية بأن تشتري كميات كبيرة جدًا من الدفاتر والأقلام والطباشير وسواها ثم إعادة بيعها إلى المدارس الحكومية بأسعار زهيدة دعماً لها ومساعدة لغير المقتدرين وهو شيء حسن في ذاته.
وأما المدرسة العربية فيظهر فيها العوز، وعلى القائمين عليها المسكنة والفاقة، كثيرون هم الذين تخرجوا في العالم العربي بمختلف التخصصات جالسين بغير عمل فلو جرى تبنيهم في مشاريع ثقافية، علمًا بأن الأجور زهيدة مقارنة مع شهاداتهم أقول لو جرى تبني هؤلاء في مشاريع ثقافية مدعمة من قبل المتبرعين بدل حفر الآبار التي قد تنضب بعد سنة أو سنتين أو كفالة يتيم معوج السير والسلوك كان ذلك أفيد للعرب أصحاب اللغة وأعظم مردودًا إسلاميًا فمنظر حامل الشهادة العربية وهو عاطل عن العمل ولا يملك حتى ثمن شراء دراجة هوائية، وقد أمضى سنين عدداً في مدرجات الجامعات لا يشجع الناس على التورط في تعليم أبنائهم لغة هذا مصير متعلمها.