العنوان مبادرة وقف العنف والمكتسبات المنهجية
الكاتب عثمان أحمد عبدالرحيم
تاريخ النشر الثلاثاء 02-نوفمبر-1999
مشاهدات 66
نشر في العدد 1374
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 02-نوفمبر-1999
من معطيات الرصد المتأني للواقع الفكري والحركي في العالم العربي خلال السنتين الأخيرتين بروز حدث على قدر كبير من الأهمية والخطورة فرض نفسه بقوة على الساحتين الإعلامية والفكرية.
تمثل هذا الحدث في إطلاق قادة الجماعة الإسلامية بمصر المبادرة، وقف العنف ضد الحكومة وأجهزتها والتي تمخضت أخيرًا عن إعلان الجماعة وقف العمل العسكري والاتجاه للعمل السلمي، وفي التوقيت نفسه تقريبًا أعلن الجيش الإسلامي للإنقاذ بالجزائر عن وقف عملياته ضد الحكومة الجزائرية، بل وقيامه ببعض العمليات ضد المجموعات المسلحة التي تستهدف الأبرياء.
نبذ خيار العنف - في مبادرة الجماعة - ليس هدنة تكتيكية لجأت إليها لظروف خارجة عن إرادتها دفعتها لإعلانها مع احتفاظها بحق نقضها أو التخلي عنها حين تسمح الظروف بذلك وإنما - حسب ما أعلن - هو نوع من المراجعة الشرعية والفكرية الشاملة التي أجرتها الجماعة في ضوء متغيرات إقليمية ودولية.
كان الحدث جديرًا بالمتابعة والرصد، لا لأنه يتعلق بقضية شغلت الرأي العام العربي طويلًا وأخذت باهتمام الإعلاميين والسياسيين على حد سواء، وإنما لأن المبادرة تعد تأسيسًا وتقعيدًا لمراجعة ذاتية كان يجب على كل اتجاه يطرح نفسه كمساهم في مشروع نهضوي إسلامي أن يجربها على أفكاره وأطروحاته بين حقبة وأخرى، لأن غالبية ما يطرحه أي اتجاه إسلامي لا يخرج عن كونه اجتهادًا عقليًا لمرحلة ما أو لظروف خاصة وما يصلح لمرحلة قد لا يصلح لأخرى، ومعلوم أن المراحل والظروف والملابسات من المتغيرات التي تستحق مراجعة، بل مراجعات للنظر في مدى مواسة هذه الاجتهادات لها.
فمما كان يؤخذ على بعض فصائل العمل الإسلامي التعصب والتحزب لآراء واجتهادات لم يقطع فيها بحكم شرعي ورمي الطرف الآخر بالتبديع والتفسيق تارة وبالجين والخور تارة أخرى، ومن ذلك وسائل وطرائق التغيير في برامج هذه الجماعات فإذا توصلت جماعة إلى قناعة بممارسة اجتهاد معين وانتهاجه كوسيلة الإحداث تحول أو تغيير في واقعها نجد أنها تتعصب لهذا الاجتهاد وتقطع به وتنشي أفرادها وكوادرها على أن هذا الاجتهاد هو الوسيلة الوحيدة والصحيحة شرعًا وواقعًا لإحداث التغيير المرتقب، وتصويره وكأنه مما أجمعت عليه الأمة وتحشد لذلك. المتشابهات من النصوص إيحاء بأن رأيها مقطوع به ولا تجوز مخالفته، وأن ما يطرح على الساحة من طرق ووسائل أخرى إما أن يكون ستارًا للجبن والخور أو مظهرًا للتطرف والاندفاع.
مع أن الناظر إلى حقيقة الخلاف في هذا المجال من وجهة نظر أصولية يجد أنه من جنس الاختلاف في الآراء الذي يدور في دائرة الشورى، والشورى تكون في دائرة العفو الذي لم يقطع فيه بنص، وأن أساس الاختلاف ليس في شرعية الوسيلة وإنما الخلاف يقع في آليات الممارسة، وأولويات المراحل، وتقدير المصالح والمفاسد والموازنة بينهما، وهي أمور تعتمد الدراية والواقع ولا يمكن القطع فيها برأي لأنها مجال التفاوت الآراء وتباين الاجتهادات لقد كانت المبادرة نقدًا ذاتيًا أتى من خلال عمق فكري ليعكس مسؤولية تصحيح مسارات واجتهادات كانت مرجوحة أو متعجلة، أو غابت عنها الدراية السياسية الناضجة مهما كلف ذلك من تبعات وتكاليف، ومن هنا كان اهتمام النخبة من المفكرين بالمبادرة لا لأنها تغيير جذري في الممارسة، أو لأنها ردمت محرقة كان يدفع إليها الشباب الطاهر دفعًا دون جدوى فعلية أو ذات أثر واضح في إحداث تغيير بقدر ما هو احتفاء بمولد ممارسة منهجية صحيحة قائمة على الإلمام بثوابت المواجهة ومتغيراتها، ومقاصد الشريعة ومقتضياتها .
عثمان أحمد عبد الرحيم
الأسبوع القادم