العنوان مبادي شرعية ثابتة
الكاتب د. فتحي يكن
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1998
مشاهدات 68
نشر في العدد 1314
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 25-أغسطس-1998
● هل الساحة الإسلامية في مستوى النصر؟.. السؤال مطروح علينا كأفراد وجماعات كدعوة ودعاة.. كجنود وقيادات.. على امتداد الساحة الإسلامية.
إن ما ينبغي أن يكون معلومًا من الدين بالضرورة، يشمل نظرة الدين لكل جانب من جوانب الحياة العقيدية، والعبادية، والعملية.
وفي هذا المقام سأتناول بعضًا مما ينبغي أن يكون معلومًا من الفقه الحركي بالضرورة، حتى تستقيم المسيرة ويتحقق السداد.
إن الحق أحق أن يتبع، فهو العاصم من الزلل، والمنجي من الضياع والفتن، وصمام الأمان، ولقد لعن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قومًا ضاع الحق بينهم، والقاعدة أن الرجال يعرفون بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال، وصدق الله تعالى حيث يقول: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصر:1-3)، وفي ضوء ذلك جاء قول أبي بكر الصديق- رضي الله عنه-: «إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني» "من خطاب الولاية"، كما جاء قول عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-: «من رأي منكم في اعوجاجًا فليقومه بحد سيفه» "من خطاب الولاية".
يجب أن تبنى العلاقة بين المسلمين- فضلًا عن الإسلاميين- على حسن الظن، وأي خروج عن ذلك يجب أن تفرضه مصلحة الإسلام وحفظ الدين والبينة على من ادعى واليمن على من أنكر.
ومن البديهيات الشرعية أن «الدين النصيحة» لخاصة المسلمين وعامتهم، مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو رقية تميم بن أوس الداري- رضي الله عنه- أنه صلى الله عليه وسلم قال: «الدين النصيحة» قلنا: لمن؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» "رواه مسلم"، وإن الاستكبار على النصيحة هو استكبار على الله ورسوله وكتاب الله وسنة نبيه، وهو استعلاء على الدين نفسه، وإن نفاذ النصيحة الشرعية يجب ألا يخضع لقبول أو تصويت، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (الأحزاب: 36)، والدخول في الجدل والقيل والقال مجلبة للفتن والضلال، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ضل قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدل بينهم».
والأخوة الإسلامية الحقة هي التي تجعل المؤمن مرآة لأخيه، يحب له ما يحب لنفسه، يفرح لسعادته وطاعته، ويحزن لبؤسه ومعصيته، وعن السلف الصالح قوله: «رحم الله امرءًا أهدى إلى عيوبي».
وعضوية التنظيم ليست بديلًا عن أخوة الإسلام، بل هي داعمة لها، مذكرة بحقوقها وواجبهاتها، وهي التي تحفظ وحدة المسلمين من التفكك والصراع، والخطاب النبوي يتشدد في ذلك ولا يتساهل، حيث يقول عليه الصلاة والسلام: «المسلم أخو المسلم أحب أم كره»، ويقول صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» "متفق عليه".
والغضب يجب أن يكون لله حين تنتهك حرماته، أما الغضب للنفس فمطلوب كظمه ولجمه، وعدم الغضب لله يؤدي إلى تعطيل وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالكثير يخلطون بين غضبين اثنين ليس هناك من صلة بينهما:
- فهنالك الغضب للنفس بسبب إيذاء شخصي «ماديًّا أو معنويًّا» فالمسلم مطلوب منه حيال ذلك أن يعفو ويصفح، حتى يكون من المعنيين بقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عِمْرَان: 134).
إنما حتى هذا النوع من الإيذاء الشخصي قد يكون فوق الاحتمال، فيأتي الخطاب القرآني مرخصًا بدفع هذا الأذى من قوله سبحانه: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ، إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (الشورى: 41- 42)، بل إن الخطاب الرباني يرخص مواجهة المسيء المتطاول على الآخرين فيقول عز من قائل: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ (النساء: 148)، فالمسلم مطالب بالعفو والصفح في الإيذاء الشخصي، وهو المعنى بقوله صلى الله عليه وسلم: «صل من قطعك، واعف عمن ظلمك، وأحسن إلى من أساء إليك».
- أما الغضب لله وبسبب انتهاك حرماته، فإنه واجب ومطلوب لحفظ دينه وشريعته، فمن يغضب لله، ينهض بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويندفع للتواصي بالحق والتواصي بالصبر، والذين لا يغضبون لله يضيع الحق فيما بينهم ويكونون معنين بقوله صلى الله: «لعن الله قومًا ضاع الحق بينهم».
ولقد نزلت اللعنة على بني إسرائيل لأنهم لا يتناهون عن منكر فعلوه.
من هنا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغضب إذا انتهكت حرمات الله ولم يكن يغضب لنفسه، ولا ينتقم لها قط، فعن عائشة- رضي الله عنها- قالت: «ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء قط، إلا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله» "متفق عليه"، بل من هناك كان غضب سيدنا أبي بكر الصديق، وهو يعنف سيدنا عمر بن الخطاب- رضي الله عنهما- وقد أمسك بتلابيبه، وهو يقول «أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام يا عمر.. والله لأقاتلنهم ما استملك السيف بيدي» يعني المرتدين.
إن الخلط بين الغضبين يمكن أن يؤدي إلى مفسدة كبرى، ويعطل سننًا إلهية وواجبات شرعية كثيرة، ويؤدي إلى ضياع الدين.
إن المهم في الأمر أن نميز بدقة بين غضبنا لأنفسنا والذي يلزمه العفو والمغفرة، والغضب لله، والذي يلزمه إزالة أسبابه من المنكرات والانحرافات، وفيه قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقول الحق ولو كان مرًّا»، وقد جاء: «ما ترك الحق لعمر صديقًا»، ولقد أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه عليه الصلاة والسلام لم يغضب لنفسه قط، إلا أن تنتهك حرمات الله فيكون غضبه لله.
من السنن الإلهية «سنة التفاضل بين الناس»، فالناس يستوون في الجوانب التكوينية «في الجنس واللون واللغة والخلقة...» بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس لعربي فضل على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، كلكم لآدم وآدم من تراب»، وقال عليه الصلاة والسلام: «كلكم بنو آدم، وآدم خلق من تراب، ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهو على الله تعالى من الجعلان» "أخرجه البزار في مسنده"، أما في قيامهم بواجباتهم التكليفية فإنهم لا يستوون: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 9)، وقال صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير».
ما قبحه الإسلام فهو قبيح، ولو استحسنه أهل الأرض جميعًا، وما جمله الإسلام فهو الجميل، ولو استقبحه الناس جميعًا، وفي الحديث الشريف: «لا يكن أحدكم إمعة، يقول إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا أن تجتنبوا إساءتهم».
والحلال والحرام، والشبهات حدود الله، والضوابط، الشرعية حق الله وحده، لا يجوز الاعتداء عليها بالتعطيل والتأويل والهروب من التزامها تحت أية ذريعة، وصدق الله تعالى؛ حيث يقول: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل