العنوان مبعوث «الاغتيال»
الكاتب إدريس الكنبوري
تاريخ النشر السبت 18-فبراير-2006
مشاهدات 50
نشر في العدد 1689
نشر في الصفحة 52
السبت 18-فبراير-2006
المجتمع تنشر الترجمة كاملة للكتاب المثير لرجل المخابرات المغربي السابق أحمد بخاري «مصالح الدول: كل شيء عن قضية بن بركة»
أشرف الدليمي على قتل بن بركة بينما كان بقية الجنرالات المشاركون في الجريمة يحتسون الخمر
كان الجنرال أوفقير يذهب إلى مدينة القنيطرة ثلاث أو أربع مرات في الأسبوع ليلعب القمار مع كبار الضباط والشخصيات المعروفة في فيلا تديرها امرأة يهودية وهناك تمارس كل الأعمال القذرة الدعارة والمخدرات.
وصل أوفقير إلى باريس ولا يعرف إن كان يحمل جواز سفره المزور أو الحقيقي أو إن كان يحمل أي وثيقة هوية أصلًا فقد كان ثملًا وغير قادر على ضبط نفسه ومن يعرفه جيدًا يدرك أن مثل تلك السلوكيات ليست غريبة عنه.
بعد أن فقد بن بركة قدرته على الحراك من شدة التعذيب أخذ أو فقير يمارس معه طريقته المفضلة بغرز خنجره الشهير في جسده ولطالما رأينا أوفقير يستخدم نفس الطريقة مع المعتقلين والمختطفين
كان المقدم أحمد الدليمي - نائب رئيس المخابرات المغربية ونائب المدير العام للأمن - موجودًا في الجزائر في مهمة خاصة بضعة أيام قبل حادث اختطاف بن بركة، وقبل ثلاث أيام فقط من الحادث لم يكن حضور الدليمي إلى باريس مقررًا في البرنامج، كما لم يكن ذلك مرغوبًا فيه من جانب العشعاشي المسؤول الفعلي عن عملية بويا البشير.
في يوم الأربعاء ٢٧ أكتوبر هاتف الدليمي من الجزائر صديقه وزميله عبد الحق العشعاشي وطلب منه السفر إلى باريس في الغد لمساعدة شقيقه في المرحلة الأخيرة للعملية إن كان ذلك ضروريًا، وأن يحمل معه بعض المال نقدًا من الصندوق الأسود رقم ٢ الخاص بمكتب أوفقير في المخابرات المغربية للحاجة.
وفي اليوم التالي استقل عبد الحق العشعاشي أول طائرة متجهة إلى باريس من مدينة سلا. وكان معه ممرض المخابرات المغربية الحسوني الذي عوض في اللحظة الأخيرة الممرض الآخر حميدة ادجين الذي كان اسمه مبرمجًا في العملية ولكنه في آخر لحظة لم يسترجع وعيه من حالة السكر التي كان فيها الليلة السابقة وعندما غادر الاثنان مقر المخابرات المغربية في اليوم التالي كانا يحملان معهما مبلغًا كبيرًا من المال، لكنهما سافرا بجوازي سفرهما الحقيقيين لأن هذه الرحلة جاءت مباغتة.
ملاحظة مهمة
وفي يوم ٢٩ أكتوبر كان الدليمي ما يزال في مهمة بالجزائر حيث كان يرتب الاستعدادات لسفر الملك الحسن الثاني لحضور القمة الإفريقية التي كانت مقررة في شهر نوفمبر ١٩٦٥، وعندما تلقى مكالمة العشعاشي ترك رسالة مفادها أنه سيكون في نفس اليوم بباريس قبل الظهر، ثم غادر الجزائر عبر فاس بالطائرة العسكرية التي كانت قد وضعت رهن إشارته في رحلة الجزائر. وكان الحسن الثاني موجودًا في فاس في تلك الفترة ويستعد للسفر إلى الجزائر بمناسبة انعقاد القمة وقبل توجهه إلى العاصمة الفرنسية مر الدليمي لمقابلة الملك.
عندما غادر الدليمي الجزائر كان ينوي أن تكون رحلته إلى باريس «استكشافية» فقط لأنه ترك جميع أمتعته في الفندق بالعاصمة الجزائرية وكان يرافقه في هذه الرحلة أعضاء من المخابرات المغربية بقوا في الجزائر من بعده، بينهم «فاتح» يعتبر «ليم» الدليمي - أي الشخص الشبيه له الذي يمكن أن يقوم مقامه دون أن يتم التعرف عليه - لكنهم حزموا أمتعتهم وعادوا إلى المغرب بعدما لم يعد هناك ما يفعلونه أو من ينتظرون منه التعليمات.
قام بديل الدليمي - فاتح - خلال مقامه بالجزائر في غياب هذا الأخير ما بین ۲۹ أكتوبر و ۲ نوفمبر بتمثيله وكان يستعمل خلال هذه الفترة جواز سفره الشخصي الحقيقي وأحيانًا الهوية الحقيقية للدليمي ولديه هوية ثالثة مزورة.
وعندما كان يسافر بدل الدليمي في مهمة خارج المغرب كان يستخدم الهوية الحقيقية لهذا الأخير سواء في المطار أو في الفندق، وحين يمثل الدليمي داخل المغرب كان يستخدم بطاقة التعريف الوطنية للمقدم نفسه أو رخصة قيادته، بينما يكون الدليمي الحقيقي موجودًا في مكان آخر بهوية مزورة أو رخصة قيادة مزورة وباستخدام «بديله» في المهمات السرية للمخابرات المغربية أو بكل بساطة خداع زوجته لقد كان الدليمي يخلق الكثير من التشويش لدى رجال الأمن في جميع مطارات العالم.
لم يكن في ذهن الدليمي أن يسافر إلى باريس قبل أن يتوصل بمكالمة العشعاشي، كان يعتقد أن بن بركة سوف يحالفه الحظ هذه المرة في الإفلات كما أفلت في المرات السابقة أعوام ١٩٥٧ و ١٩٦٢ و ١٩٦٤. وقد استخدم في سفره إلى باريس المرة الأولى على متن الطائرة العسكرية جواز سفر مزورًا، ولكنه في الرحلة الثانية يوم ٣٠ أكتوبر على متن طائرة تابعة للخطوط الجوية المغربية استخدم جواز سفره الحقيقي. فقد كان يريد في الرحلة الأولى ألا يتم التعرف عليه بعدما علم بخبر وقوع بن بركة في الفخ، لأنه رسم في ذهنه مخططًا جاهزًا: اغتيال المهدي بن بركة بعد تعذيبه لأنه اعتقد أن مثل هذه الفرصة لن تسنح له أبدًا للقبض على المعارض الشهير.
سفر الشبيه
من جهته سافر «بديل» الدليمي إلى باريس يوم ٢٩ أكتوبر مباشرة من الجزائر، وقبل سفره بقي بها خمسة أو ستة أيام في فندق صغير رهن إشارة الدليمي الذي ظل على اتصال مستمر به عبر عميل تابع للمخابرات المغربية يعمل في السفارة المغربية.
في الساعة السابعة مساء على وجه التقريب وصل الدليمي إلى شقة « بوشيش » على متن سيارة أجرة لأن أحدًا لم يكن بانتظاره في المطار؛ إذ كان معتادًا خلال أسفاره إلى العاصمة الفرنسية أن يأخذ بعد نزوله من الطائرة سيارة ليموزين تابعة للسفارة المغربية تكون في انتظاره قبل الوصول.
عندما دخل الشقة كان الدليمي يحمل في يديه قفازين شفافين كالطبيب الجراح عندما يهم بدخول جناح العمليات، كان في نیته سلفًا أن يقترف جريمة من دون أن يترك بصماته، ولدى دخوله كان أول من فوجئ به هو بن بركة نفسه، لأنه كان يتوقع مبعوثًا من الملك، وفهم المعارض المغربي أن الدليمي قد جاء مبعوثًا للموت أو الاغتيال والتعذيب، وأنه لن يخرج حيًا من هذه المصيدة التي نصبها له عملاء المخابرات المغربية، وعندما قابلت عيناه نظرات الدليمي المباشرة الحادة أدرك أن الرجل ليس هنا من أجل التفاوض، قام بن بركة ونهض من مقعده لكي يوجه بعض الشتائم إلى العسكري بصوت عال، فأعطى الدليمي أمره إلى الحسوني والتونسي لتقييده بالمقعد باستخدام القوة، وبدأ بن بركة متعبًا ومقيد الرجلين واليدين، يصرخ بأعلى صوته طالبًا النجدة؛ فشمع الحسوني والتونسي فمه ولكنه بالرغم من ذلك استمر يتحرك بعنف على المقعد ويحاول القيام، ولتهدئته أمر الدليمي الحسوني أن يعطيه حقنة مخدرة فقد بعدها بن بركة الوعي، وفي انتظار أن يستعيد وعيه وضع ممددًا على كنبة لمدة ساعتين تقريبًا.
جدوى التعذيب
خلال هذه الفترة القصيرة كان العشعاشي قد دخل في خصام مع الدليمي حول جدوى هذا التعذيب المجاني، وكاد ذلك يتحول إلى عراك بالأيدي لولا تدخل عبد الحق العشعاشي للتفريق بين الرجلين.
وبعد ذلك الخصام انقسمت الشقة إلى معسكرين: العـشـعـاشي ومعه صاكا والمسناوي، والدليمي ومعه التونسي والحسوني، وبقي عبد الحق العشعاشي في الوسط بين الجانبين.
بدأ الجميع يحتسون الخمر في صمت وقلق، وعندما أفاق بن بركة أعطي قليلًا من الماء المعدني ثم أخذ العشعاشي يلح على الدليمي لكي يتوقف عن استعمال العنف فانصاع هذا الأخير ولكن مؤقتًا وألح على أن يطرح بعض الأسئلة على بن بركة بطريقة عشوائية وبشكل غير متوقع، لكن بن بركة -بعد أن استعاد وعيه- رفض الرد على أي من تلك الأسئلة كان جالسًا على الكنبة ويبدو مشوش البال وغارقًا في الصمت، ربما كان يفكر في مجيء أوفقير لأن هذا الأخير والدليمي كانا عسكريين قاتلين لا يفترقان في الجريمة، أو ربما كان يفكر في كل ما جرى له سابقًا منذ أن تعرف إلى صديقه الصحافي فيلبيب بيرنيي ومشروع الفيلم الكاذب، ولكن كان عليه أن يفكر في ذلك من قبل، وكان يفكر بالأخص في رجلي الأمن الفرنسيين اللذين ناديا عليه لكي يضعاه في النهاية بين مخالب المخابرات المغربية.
الدوام الليلي
في يوم الخميس ۲۸ أكتوبر قضى الجنرال أوفقير قرابة الساعتين بمقر وزارة الداخلية ما بين الحادية عشرة والواحدة زوالًا، ثم ترك أرقام هواتف الارتباط لرئيسة كتابته الخاصة السيدة بديعة المسناوي وتوجه إلى مدينة القنيطرة التي اعتاد الذهاب إليها ثلاث مرات وأربعًا كل أسبوع، قضى هناك النصف الثاني من اليوم في لعب «البوكر» الذي كانت تنظمه امرأة يهودية تدعى مدام داحان في فيلا مخصصة لكبار ضباط الجيش والشخصيات الكبرى في الرباط، وكانت تلك الفيلا مشهورة بأنها مكان الأعمال القذرة كالدعارة والمخدرات والنزوات للشخصيات المعروفة في القنيطرة والرباط.
بعد ذلك ذهب إلى مزرعة في منطقة الفوارات، قريبًا من القنيطرة حيث بدأ ليلته الساعة العاشرة في حانة «ماماس».
كانت الحفلات الليلية تبدأ عادة في الواحدة بعد منتصف الليل وتنتهي في السابعة صباحًا، لكن أوفقير هذه المرة مدد وقت نزوته إلى الثامنة من صباح الجمعة ٢٩ أكتوبر.
في هذا الوقت أخذت مكاني في الدوام الخاص بمقر المخابرات المغربية وكالعادة بدأت في قراءة الصفحات الأخيرة في سجل الدوام الليلي للاطلاع على آخر المستجدات المتعلقة بعملية «بويا البشير» لضمان التنسيق الجيد بين زملائي في باريس ورؤسائي وأوفقير والدليمي في الرباط وخارجها، وهكذا لاحظت - بالمصادفة - أن أوفقير والدليمي والعشعاشي لم يغيروا أرقام هواتف ارتباطهم منذ الثلاثاء ٢٦ أكتوبر: لماذا؟
- العشعاشي في مهمة خاصة في باريس رفقة عبد القادر صاكا ومحمد المسناوي منذ الثلاثاء ٢٦ أكتوبر في إطار عملية «بويا البشير»
- أحمد الدليمي في مهمة خاصة في الجزائر للتحضير لزيارة الملك الحسن الثاني للمشاركة في القمة الإفريقية في نوفمبر القادم.
الجنرال أوفقير دائمًا في سهراته الليلية بالفوارات قريبًا من القنيطرة وفي مباريات البوكر عند السيدة داحان وكانت أرقام ارتباطاته هي نفس هواتف هذه الأخيرة وسيمون صاحب العلبة الليلية 007، و « محمد المير » المعروف بـ«بيج بوي» وهو أحد الوجوه المعروفة في عالم الفساد بالقنيطرة، و «الحاج قادة» عميد الشرطة الممتاز ورئيس مخفر الشرطة في القاعدة العسكرية الأمريكية بالقنيطرة، ورجل الأمن الشنا صهر الجنرال وشقيق زوجته فاطمة أوفقير.
الضيف الأخير
في تلك الساعة حضر الكولونيل مارتان كالعادة وبدأ للتو في قراءة سجل الدوام الخاص برفقتي وتسجيل بعض النقاط والملاحظات، وفي حوالي الساعة الحادية عشرة هاتفني محمد العشعاشي من باريس لتوجيه رسالة عاجلة إلى الجنرال أوفقير والمقدم الدليمي الموجود بالجزائر. تسلم الدليمي الرسالة في الحادية عشرة والنصف دون مشاكل، لكننا لم نحصل على الجنرال الذي كان يقال لنا في كل لحظة إنه غير موجود ولا يمكن الاتصال به، وحاولنا بكل الجهود التي بذلناها الحصول عليه أو على الأقل على ما يدل عليه. وكان ينبغي في تلك اللحظة الاتصال بأحد عملاء المخابرات المغربية في منطقة الغرب وإرساله على وجه السرعة لتقصي آثار الجنرال بين القنيطرة والفوارات.
لم يتصل أوفقير بالمخابرات المغربية إلا في الساعة الثالثة والنصف بعد الزوال، أي أكثر من أربع ساعات من وصول مكالمة العشعاشي، ليطلب منا سبب البحث عنه، كان يعتقد أن عملية بويا البشير لم تصل إلى نهايتها بعد، وأن بن بركة لم يسقط بين كماشة المخابرات المغربية، فشرحت له الوضع، وفي الساعة الرابعة والنصف حضر لأخذ بعض المال وربما أيضًا للبحث عن جواز سفر مزور في صندوق مكتبه في الطابق السلفي لمقر المخابرات المغربية بجوار الحديقة في الساحة الكبرى. كان لهذا الصندوق ثلاثة مفاتيح يحتفظ بها كل من الجنرال والدليمي والعشعاشي، فظهر أن الجنرال الذي كان ثملًا في ذلك الوقت فقد مفتاحه فأجبرنا على البحث عنه في أي مكان حتى عند زوجة عبد الحق العشعاشي الأمر الذي أضاع لنا وقتًا ثمينًا.
الوصول إلى باريس
في الساعة الخامسة اتصل الجنرال بمقر شرطة مطار الرباط –سلا، ووجه أمره إلى قائد الطائرة العسكرية بالاستعداد في أي لحظة للإقلاع، وبعد ذلك بنحو خمس وأربعين دقيقة توجه إلى المطار على متن سيارة «مرسيدس» يقودها السائق الوفي بوشعيب، حاملًا معه بعض الأوراق ومبلغًا من المال. وفي الساعة السادسة أي السابعة بالتوقيت الفرنسي أقلعت الطائرة في اتجاه مطار أورلي بباريس، وصل الجنرال إلى العاصمة الفرنسية في الساعة الحادية عشرة ليلًا، ولا يعرف إن كان يحمل معه جواز سفر مزورًا أو جوازه الحقيقي، بل ما إن كان يحمل أي وثيقة هوية أصلًا فقد كان ثملًا للغاية وغير قادر على ضبط نفسه، ومن يعرف الجنرال جيدًا يعرف أن مثل تلك السلوكيات ليست غريبة عنه.
بعد ساعة من وصوله إلى باريس وصل إلى مكان شقة «بوشيش» على متن سيارة أجرة لكي يبقى بها نحو ثلاث ساعات الوقت الكافي لتعذيب بن بركة وقتله. وما إن رأه بن بركة حتى بدأ يصرخ ويطلب النجدة لأنه أدرك أن وجود الجنرال والدليمي أمامه في تلك الساعة ليس إلا لقتله، ولاحظ عملاء المخابرات المغربية أن أوفقير لا يزال ثملًا ولا يستطيع الوقوف إلا بصعوبة واستنادًا إلى الجدران ويتكلم بصعوبة، ودون أن يضيع وقتًا أعطى أوامره بإيثاقه وحقنه بمخدر وإغلاق فمه وإبقائه واقفًا مربوطًا إلى أنبوب في الجدار لعله أنبوب التسخين.
نفذ الدليمي والحسوني والتونسي وعبد الحق العشعاشي فورًا هذا الأمر، وبدأ الدليمي جلسة التعذيب باستعمال المنديل والمياه القذرة، أما محمد العشعاشي وصاكا والمسناوي فقد ابتعدوا جانبًا بعد أن رأوا أن وتيرة الأحداث بدأت في تجاوزهم وأخذوا فقط يتابعون عملية التعذيب دون حراك. إن النظرات الحزينة والحائرة لبن بركة لن تغادر ذاكرتهم أبدًا حتى الموت في الساعة الثالثة صباحًا من ذلك اليوم المشهود، وبعد أن فقد قدرته على الحركة وبدأ يتنفس بصعوبة فك جلادوه وثاقه لكي يرتمي على الأرض فوق خرقة فأخذ أوفقير يستخدم طريقته المفضلة في التعذيب بغرز خنجره الشهير في لحم بن بركة (لطالما رأينا الجنرال في مقر المخابرات المغربية يستعمل تلك الطريقة في تعذيب المعتقلين والمختطفين)
سيارة السفارة
صباح السبت ٣٠ أكتوبر في الثالثة صباحًا وبعد التأكد من وفاة بن بركة أعطى أوفقير والدليمي أوامرهما إلى الرجال الستة لكي لا يتصلوا بالمخابرات المغربية في الرباط ولا بأسرهم أو أصدقائهم وأن يبقوا في مكانهم بانتظار عودتهما وصدور تعليمات جديدة، بعد ذلك اتجها إلى المطار على متن سيارة تابعة للسفارة المغربية فاستقل كل واحد منهما طائرة عسكرية في اتجاه مطار فاس سايس مباشرة.
وبعد وصولهما في وقت متزامن تقريبًا أخذ الجنرال طائرة أخرى وعاد إلى باريس ليلحق به الدليمي بعد ساعة ونصف تقريبًا، ولكن قبل العودة اتصل أوفقير من فاس بأنطوان لوبيز ليطلب منه انتظاره في مطار أورلي وترك شقته التي لا تبعد كثيرًا عن شقة بوشيش رهن إشارته.
بقي جثمان المهدي بن بركة في الشقة يوم السبت حتى النصف الثاني من النهار، وجاءت تعليمات أوفقير والدليمي لكي يتم تنظيفه جيدًا وإلباسه ثيابًا نظيفة ونقله إلى شقة لوبيز في سيارة السفارة، وقد جاءت تلك التعليمات مباشرة بعد بث خبر اختفاء بن بركة بالإذاعة الفرنسية. وفي حوالي الساعة الثامنة من مساء السبت نقل الجثمان إلى الشقة وبعد ذلك إلى مطار أورلي حوالي العاشرة ليلًا.
كان التونسي الذي قاد السيارة يعرف المطار والمستخدمين فيه جيدًا، فدخل مباشرة إلى حيث الطائرة العسكرية التي كانت بالانتظار، وحمل بمساعدة الحسوني جثمان بن بركة في هيئة قائمة كما لو أن الأمر يتعلق بشخص في حالة سكر يحتاج إلى مساعدة لإخراجه من السيارة وإركابه الطائرة، وفي الداخل أجلست الجثمان على مقعد كشخص عادي وحي بجوار الحسوني، وعاد التونسي لتعبئة وثائق السفر الثلاث وختم الجوازات الثلاثة المزورة حيث تنقل شخصيًا إلى رجال أمن المطار لكي يحول دون حضورهم إلى الطائرة، وهكذا تمكنوا من نقل جثمان المعارض المغربي نهائيًا من التراب الفرنسي نحو مطار الرباط. سلا.
عشرون ساعة بعد اغتياله و ٣٦ ساعة بعد اختطافه، أما سيارة السفارة المغربية في باريس التي استعملت لنقل الجثمان مرتين في ذلك اليوم من شقة « بوشيش» إلى شقة لوبيز، ثم منها إلى مطار أورلي فقد بقيت في المطار إلى يوم ٢ نوفمبر حيث جاء أحد موظفي السفارة لأخذها، وكان الجنرال عبد الحق القادري ( هو اليوم أمين عام حزب سياسي) يشغل في تلك الفترة منصب ملحق عسكري بالسفارة المغربية بباريس ومسئولًا عن شؤون الأمن بها.
ويوم الأحد الموافق ٣١ أكتوبر حوالي الساعة الرابعة والنصف مساء غادر الجنرال أوفقير والدليمي شقة لوبيز إلى مطار أورلي على متن سيارة تابعة للسفارة برفقة لوبيز نفسه، وفي الطريق نزل أوفقير والدليمي لمدة ربع ساعة في مكان منعزل قرب إحدى الغابات حيث تحدثا بمفردهما. بعد ذلك استقل الجنرال طائرة متجهة إلى سويسرا لقضاء بعض الوقت مع أسرته وزوجته فاطمة في جنيف، بينما اتجه الدليمي إلى الدار البيضاء برفقة أحد عملاء مصلحة العمليات التقنية بالمخابرات المغربية.
إن الرحلتين اللتين قام بهما أوفقير والدليمي إلى باريس يوم ٢٩ أكتوبر بعد الزوال وليلة -۲۹ ۳۰ أكتوبر ليستا مسجلتين في الوثائق الرسمية لمطارات باريس، ولكنهما حصلتا فعلًا وينبغي البحث عنهما في الوثائق السرية للمطارات في العاصمة باريس ويجب على القضاء الفرنسي أن يبحث في هذه الوثائق التي وضعتها الدولة الفرنسية ضمن خانة «سري للدفاع».
يتبع.....