العنوان متحف الفن الإسلامي في أثينا.. خطوة على طريق المصالحة الحضارية
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 26-نوفمبر-2005
مشاهدات 54
نشر في العدد 1678
نشر في الصفحة 49
السبت 26-نوفمبر-2005
يشهد متحف الفن الإسلامي بأثينا إقبالًا كبيرًا من الشباب اليوناني والسياح من مختلف أنحاء العالم، الذين يظهرون اهتمامًا كبيرًا بذلك الإرث الزاخر والاطلاع على الروائع الفنية التي خلفتها الحضارة الإسلامية على مر العصور.
والمتحف تم افتتاحه عشية الألعاب الأولمبية السابقة بأثينا على سفح تلال کروبست وتبلغ مساحته ألف متر مربع، ويتكون من ٤ صالات ويضم ١٥٠٠ قطعة فنية تغطي الحقبة الممتدة من القرن السابع إلى القرن التاسع عشر، وفيه قسم مخصص لمجموعة أنطونيو شبيناكس رجل الأعمال ومؤسس متحف يبناسيو. وكانت الحكومة اليونانية قد خصصت مبلغ ٣ ملايين يورو لترميم المبنى الذي يقع فيه المتحف.
وكان الحديث عن الحضارة الإسلامية في اليونان مرتبطًا بميراث الأتراك العثمانيين، وهو ما جعل الحديث عن ذلك في الماضي تمجيدًا «للأعداء» أو الآخر العقائدي والمذهبي، الأمر الذي شل الكثير من الأقلام والألسن وحتى العقول، عن التحدث في ذلك الأمر.
أما اليوم فنظرة الجيل الصاعد من اليونانيين أنفسهم وغيرهم من الأوروبيين. تتميز بسعة أفق أرحب ممن سبقهم، حيث إن الكثير منهم تجاوز حواجز الماضي وعقده التي كانت ترى في الفن الإسلامي جزءًا لا يتجزأ من أعداء الأمس والغد. وهذا ما أشارت إليه روزانا يليان المتخصصة في الفن الإسلامي بقولها : « علينا أن ننظر إلى الفن الإسلامي من منظور جديد ونتخلى عن الأحكام المسبقة التي سيطرت على عقولاليونانيين لفترة طويلة من الزمن، فقد خلفت الحضارة الإسلامية تراثًا فنيًا رائعًا كما نلاحظ عند زيارة متحف الفن الإسلامي».
وزير الثقافة اليوناني يعتبر إنجاز مشروع المتحف خطوة مهمة على صعيد تعزيز الحوار والتقارب بين الثقافات والشعوب المختلفة.
وقال أنجليوس ديفيريوس مدير المتحف في لقائه بـ المجتمع: «يجب ألا يغيب عن بالنا أن مختلف الثقافات ليست سوی انعكاسات متعددة لواقع إنساني واحد.
معظم الأعمال الفنية البديعة من حلي وجواهر وآوان وصلت إلى المتحف من بلدان الشرق الإسلامي والبقية تنتمي لمجموعات هندية وإسبانية.
لقد برهن المتحف على أن الفن الإسلامي ينتمي إلى المدرسة التشكيلية كما يقول مديره: «لقد استطاع الفن الإسلامي أن يتخطى التناقضات الدينية والتأثر بمدارس فنية متوسطية أخرى عبر الاحتكاك الثقافي والتبادل التجاري».
وقالت سائحة إيطالية كانت تزور المتحف إنها مغرمة بالفن الإسلامي، وقد تأثرتالعمارة الأوروبية بهذا الفن، فنجد مثلًا في باليرمو بإيطاليا «كنيسة غريبة ازدانت قبتها بفسيفساء بيزنطية وسقوفها برسوم جدارية تذكرنا بالفن الفاطمي الذي كان منتشرًا في مصر خلال القرن الثاني عشر» وفي إسبانيا «هناك أمثلة لا تعد ولا تحصى».
وأضافت:«أقوى تلك الأمثلة نجدها في مدينتي جنوة والبندقية، فالبحارون والمسافرون الذين كانوا ينطلقون من مرافئها كانوا ينقلون من مصر وسورية والمغرب الإسلامي منتجات إسلامية من بينها قطع فنية عديدة تركت أثرًا عميقًا على المدارس الفنية في أوروبا الغربية وساهمت بدورها في ولادة عصر النهضة الأوروبية كـ «العربيست» أو الشكل الزخرفي المرتبط بعصر النهضة، وكان يعرف باسم موریطیست نسبة إلى موريتانيا..
كانت هذه الظاهرة الفنية تعبر عن الروابط بين مختلف الشعوب أكثر مما كانت تفعله العلاقات التاريخية السياسية والإستراتيجية.
ويعتبر متحف الفن الإسلامي في أثينا معرضًا فريدًا من نوعه في جميع أنحاء أوروبا. فالمجموعات الخاصة بالفن الإسلامي التي يجدها الزائر في متاحف برلين ولندن أو باريس تعد قليلة بالمقارنة بما في متحف أثينا..
وكادت الخطوة اليونانية تعتبر مصالحة مع تاريخها العثماني، وخطوة على طريق حوار الحضارات والتعارف بين الشعوب الأمم، لو أن الحكومة اليونانية أسرعت في بناء الجامع الذي لا يزال المسلمون في أثينا ينتظرونه منذ أكثر من ٣٥ عامًا، ولو أن الكنيسة الأرثوذكسية في اليونان أبدت شيئًا من التسامح ووافقت على بناء الجامع في المكان الذي أعلن عنه سابقًا، وحتى ذلك الحين يبقى متحف الفن الإسلامي بأثينا مجرد رافد جديد للسياحة في اليونان بل ربما بديلًا عن إقامة الجامع، وتعمية على الحوار والتسامح الحقيقي والمصالحة الحقيقية.