; متغيرات على الساحة اللبنانية | مجلة المجتمع

العنوان متغيرات على الساحة اللبنانية

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 23-ديسمبر-1986

مشاهدات 67

نشر في العدد 797

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 23-ديسمبر-1986

. الكانتونات الطائفية مخطط صهيوني استعماري أصبح واقعًا على الأرض اللبنانية.

. تصريحات نبيه بري الاستفزازية ضد أهالي صيدا دفعتهم للتعاطف مع الفلسطينيين.

لا شك أن الفلسطينيين كسبوا الجولة في معاركهم الأخيرة مع «أمل» واستطاعوا بصمودهم المذهل والباهظ الثمن عبر مخيماتهم المحاصرة لعدة أسابيع بل لعدة أشهر أن يكسبوا العطف والتأييد داخل الساحة اللبنانية الساحة العربية والدولية، بل داخل الساحة الفلسطينية نفسها التي شهدت تمزقًا ذاتيًا جلب الدمار والخراب عليهم وعلى قضيتهم منذ لانشقاق الذي قاده «أبو موسى» وحتى الآن.

بعد الصمود المذهل داخل المخيمات انتقلوا إلى طور الهجوم الدفاعي فاستولوا على قرية مغدوشة المسيحية، وطردوا قوات «أمل» بنها. وعبثًا حاولت قوات «أمل» بالتعاون مع قوات اللواء الأول الموجودة في البقاع استرجاع مغدوشة بالرغم من قصف الطائرات والزوارق الإسرائيلية لهذه القرية بعد استيلاء الفلسطينيين عليها، وبالرغم من مشاركة قوات لحد المؤتمرة بأمر اليهود في قصف الفلسطينيين في مغدوشة بالمدفعية بعيدة المدى وبالرغم من مشاركة قوات ايلي حبيقة - الكتائبي الهارب - في القتال بعد يأس قوات «أمل» ومن يدعمها من استرجاع مغدوشة اتجه الضغط إلى مخيمات بيروت وصدرت الأوامر بتدمير مخيم شاتيلا واحتلاله لإجبار الفلسطينيين على الخروج من مغدوشة، وشارك اللواء السادس التابع لأمل، ورغم تدمير أكثر من ٩٠% من مباني المخيم إلا أن المخيم لم يسقط وظل صامدًا أمام كل الهجمات.

وبدلًا من أن ينقسم الفلسطينيون إزاء حرب المخيمات إلى «عرفاتيين» و«انقاذ» عملوا من خلال غرفة عمليات واحدة للدفاع عن النفس والأهل والوجود، ولم تفلح كل محاولات الضغط على بعض أطرافهم للاشتباك مع الأطراف الأخرى كما حدث سابقًا في مخيمي البداوي ونهر البارد قرب طرابلس. 

وعلى الرغم من أن وليد جنبلاط ما زال يعلن موقفه المعادي العرفات ولما سمي بالتمدد الفلسطيني إلا أنه من الناحية العملية يقف على الحياد بين «أمل» والفلسطينيين، بل إن القوات الفلسطينية المتواجدة في منطقته بالجبل والتي كانت قد تواجدت هناك لمساعدته في حربه مع الكتائب، هذه القوات توجه صواريخها على الضاحية الجنوبية لبيروت التابعة الحركة «أمل» وتقوم بقصف قوات «أمل» المحتشدة حول مخيمي برج البراجنة وشاتيلا كلما تأزم الموقف واشتد الهجوم على المخيمين وتحديدًا على مخيم شاتيلا في الآونة الأخيرة.

وأكثر من ذلك فإن الفلسطينيين الذين استطاعوا تخفيف الضغط على مخيمات الجنوب من خلال الاستيلاء على مغدوشة، وضعوا خطة مشتركة لاحتلال الضاحية الجنوبية من بيروت فيما إذا سقط مخيم شاتيلا، ولعل هذه الخطة التي كانت قيد التنفيذ من العوامل التي ساعدت على إيقاف الهجوم الشامل على شاتيلا .

ولقد كانت تصريحات نبيه بري الاستفزازية لأهل صيدا الذين أتهمهم بالخضوع للفلسطينيين وأنه ينوي تحرير صيدا من الاحتلال الفلسطيني! من العوامل التي دفعت أهل صيدا ليس فقط للوقوف على الحياد، بل للتعاطف مع الفلسطينيين ضد قوات «أمل» ولقد ظهر هذا في تصريحات مصطفى سعد قائد قوات التحرير الشعبية الصيداوية، الذي رفض وصاية «أمل» على أهل صيدا. وعند اشتداد الضغط على الفلسطينيين للانسحاب من مغدوشة عرض الفلسطينيون أن تحل قوات التحرير الشعبية محلهم فرفضت «أمل» وعندما أعلن وليد جنبلاط شجبه للتمدد الفلسطيني واستعداده للقتال مع «أمل» لإخراج الفلسطينيين من مغدوشة عرض عليه الفلسطينيون أن يحل محلهم في مغدوشة على ألا تعود «أمل» إليها ولكن «أمل» رفضت ذلك.

وهنا جاء دور «حزب الله» الذي لم يشارك في القتال ضد الفلسطينيين وبضغط من إیران وافقت سوريا وبالتالي على أن تصل الإمدادات من الأغذية والأدوية إلى مخيم الرشيدية وأن يفك الحصار عن كافة المخيمات الفلسطينية.

وقد انسحب الفلسطينيون من مغدوشة ودخلت أول قافلة تموين إلى الرشيدية ولكن تبين أن بعض المواد التموينية قد استبدلت فعادت القوات الفلسطينية إلى مواقعها. ثم عاد الضغط على الفلسطينيين للانسحاب، فانسحبت قوات «الإنقاذ» لتحل محلها قوات «فتح» على اعتبار أن الحصار ما زال مضروبًا على المخيمات الفلسطينية.

في هذه الأثناء أصبح الموقف الليبي محسومًا لصالح الفلسطينيين، وطلب العقيد القذافي من الفلسطينيين عدم الخروج من مغدوشة، كما أصبح الموقف الجزائري ضاغطًا - على دمشق لإجبار «أمل» على فك الحصار عن المخيمات. كذلك كان موقف كثير من الدول العربية ومنها الكويت والمملكة العربية السعودية ضاغطًا في اتجاه إيقاف نزيف الدم وترابط الآن قوات فلسطينية من «فتح» وقوات من «حزب الله» في مغدوشة جنبًا إلى جنب في انتظار أن تفك أمل حصارها عن المخيمات مقابل خروج قوات «فتح» من مغدوشة. والأمر الجديد على الساحة الفلسطينية أن أحمد جبريل الأمين العام للجبهة الشعبية «القيادة العامة» بطل معارك اقتحام مخيمي البداوي ونهر البادر في طرابلس سابقًا يحذر دمشق هذه المرة من التحول ضدها إذا سقط مخيم شاتيلا في بيروت الغربية وبالطبع فإن هذا الموقف هو انعكاس للموقف الليبي من حرب المخيمات هذه المرة.

كما أن جورج حبش ونايف حواتمة اتفقا مع خليل الوزير في براغ والجزائر وموسكو على الدفاع معًا عن المخيمات الفلسطينية. ويبدو أن الاتحاد السوفياتي دفع هذه المنظمات إلى اتخاذ هذا الموقف وضغط في اتجاه المصالحة الفلسطينية وبدأ يتحسب من تمادي المخطط الأمريكي الإسرائيلي في تحديد المعالم الجغرافية والسياسية المنطقة الشرق الأوسط بعيدا عن أي دور أو تواجد سوفياتي.

وفي نفس الوقت فإن الولايات المتحدة التي انكشف دورها المزدوج عبر صفقة الأسلحة لإيران وعبر دور أقمارها الصناعية في كشف التجمعات الإيرانية في محاولة لتهيئة الأوضاع في المنطقة بحيث يتم دمار العراقيين والإيرانيين معا وبروز قوى تقبل الهيمنة الأمريكية على المنطقة وكأنها حتمية لا تقبل الرد ... الولايات المتحدة يبدو أن قنوات أتصالها في لبنان وحول لبنان لم تتوقف ومخططها التدميري للشعب الفلسطيني واللبناني سار شوطًا بعيدًا.

الولايات المتحدة التي أعطت الضوء الاخضر لليهود بغزو لبنان عام ۱۹۸۲ هي التي طلبت من تونس استقبال الفلسطينيين الخارجين من لبنان، وهي التي أعطت الضوء الأخضر لليهود بقصف مقر منظمة التحرير الفلسطينية في تونس وهي التي طلبت من تونس أن تطرد الفلسطينيين وهي التي تصنع الآن مجزرتهم ومجزرة اللبنانيين معهم في لبنان. 

وحين يستعصي الفلسطينيون على الزوال ويتحول من كان شبلا يحمل الار - بي - جي عام ۱۹۸۲ إلى قائد المعركة مغدوشة هذه الايام فان معركة قادمة أشد هولًا   لابد أن يقوم بها اليهود هذه المرة وإذا كان تأجيل الهجوم اليهودي لإفساح المجال «لأمل» للقيام بالمهمة فإن أمل فشلت في تأدية المهمة. 

ولذلك فالمطلوب من الفلسطينيين أن ينتشروا في الجنوب اللبناني على خط المواجهة مع الغزو المحتمل ولا ينحصر وجودهم داخل مخيمات صغيرة يمكن تطويقها برا وقصفها جوا وحرقها عن آخرها أن استعصت على الاستسلام.

والمطلوب من القوى اللبنانية الإسلامية والوطنية أن تلتف حول الفلسطينيين تحميهم وتحتمي بهم فالمعركة مع العدو الصهيوني معركة واحدة فهو يحتل فلسطين وجزءا من لبنان ولا يمكن التعايش معه بسلام أو الحصول منه على الأمان.

أما فكرة الكانتونات الطائفية فهي مخطط صهيوني استعماري يبدو أنه أصبح واقعًا على الارض اللبنانية يمنع من أعلانه رسميًا التواجد الفلسطيني وبروز قوى إسلامية ووطنية ترفض مبدأ الطائفية ومبدأ الإلحاق والتبعية لجهات

معادية أو مشبوهة وتعلن أن لبنان ينتمي إلى الأسرة العربية والأمة الإسلامية. 

إن هناك متغيرات داخل الساحة اللبنانية يمكن أجمالها فيما يلي: 

-  أن الوجود الفلسطيني المقاتل أصبح حقيقة واقعة في لبنان ليس من السهل طمسها . 

- أن قوى لبنانية إسلامية ووطنية أصبحت ترى في هذا الوجود الفلسطيني أمرًا لا ضرر من ورائه بل أمرًا ضروريًا.

-  أن وحدة المقاتلين الفلسطينيين تأكدت على أرض الواقع والخلافات بين القيادات خفت حدتها .

. تصريحات قادة حزب الكتائب تشير إلى أن - الحزب لم يعد يطمح في بسط سلطته الشرعية على اكثر من بيروت الكبرى ويبدو أن رئيس الحزب كريم بقرادوني الذي زار - الولايات المتحدة مؤخرًا جاء بموافقة الولايات المتحدة على ذلك.

. بروز وسطاء جدد لحل الازمة اللبنانية من الفعاليات الاقتصادية ذات التأثير على أصحاب القرار واختفاء وسطاء قدامى كان لهم تأثيرهم فقد ظهر هاني سلام كوسيط بين الرئيس اللبناني والرئيس السوري وهاني سلام مليونير في لبناني سني وهو ابن أخ صائب سلام وعلى علاقة جيدة مع الرئيس اللبناني ومع الفلسطينيين بينما اختفى الوسيط السابق في رفيق الحريري وهو مليونير لبناني الأصل شيعي المذهب وعلى علاقة جيدة بعبد الحليم خدام ونبيه بري. كما ظهر مهدي التاجر كوسيط، وقد كان سفيرا للإمارات العربية المتحدة في لندن وهو على علاقة جيدة بالرئيس السوري والرئيس اللبناني. 

والمطلع على أحوال لبنان الداخلية يدرك دور الفعاليات الاقتصادية في التأثير على الوضع السياسي للبنان.

ولذلك فمن المتوقع :

. ظهور تحالفات جديدة و بروز قوى جديدة على الساحة اللبنانية. 

. انزواء منظمات وقيادات كان لها دور بارز فيما يجري على أرض لبنان.

 . تقاسم طائفي أو إقليمي أو غزو صهيوني جديد.

وكل من له علاقة بالازمة اللبنانية يستعد لكسر العظم أو الحصول على نصيبه. وإذا كانت هناك متغيرات تجرى على أرض لبنان فهناك متغيرات أخرى تجرى على الأطراف المؤثرة في الأزمة اللبنانية، ومن تفاعل المتغيرات هنا وهناك ربما ينتج واقع جديد هو على أي حال واقع متغير لا يستقر له حال إلا إذا عرفنا :

 . أساس البلاء وهو الكيان اليهودي في فلسطين.

. العلاج الناجع: وهو قيام حركة جهادية إسلامية شاملة تكنس الوجود اليهودي من فلسطين.

الرابط المختصر :