العنوان مثقفون للبيــع
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 22-ديسمبر-2012
مشاهدات 64
نشر في العدد 2032
نشر في الصفحة 39
السبت 22-ديسمبر-2012
شراء المثقفين في العالم الثالث اليوم أصبح سلعه رائجة تستخدم في ضياع الأمم حيث يمكنك أن تشتري مثقفا هذه الأيام كما تشتري شقة تمليك أو عمارة، يمكن أن تؤجر قلما بالجملة والمفرق، كما تؤجر عربة تركبها توصيلة واحدة أو شهرًا أو سنة لا تستغرب هذا يا صديقي، فممكن أن تشتري صحيفة بأقلامها ومحرريها كما تشتري فندقا بموظفيه ومضيفيه وعماله، ويمكن أن تشتري إذاعة أو قناة تلفزيونية، وتستعمل كل ذلك وتوجهه كما تشاء!
فنخاسة الفكر أصبحت لها سوق رائجة هذه الأيام، وأصبح لهذه السوق سماسرة ودلالون يعرضون عليك البضاعة جيدها ورديتها، وينادون عليها كما ينادى على السلع الاستهلاكية لا تستغرب هذا يا صديقي فقد عشنا هذه الأيام ورأينا هذه الأسواق التي كانت تشترى فيها هذه الأقلام بالجملة والقطاعي، يوم كانت الأسواق للصحفيين والمثقفين بعناوين مختلفة، وتتم فيها الصفقات فيعطى هذا سيارة فارهة، وهذا تبنى له فيلا فخمة، وذلك تفتح له الحسابات في البنوك.
وما زلنا نعيش ونسمع عمن يكتبون ويدافعون عن قضايا لا ناقة لهم فيها ولا جمل، بحمية وحرقة وانفعال انتظارًا للأجر الأسخى والجزاء الأوفى.
هذا العهر الثقافي أصبح في الشرق مصيبة المصائب، وأضحى سعارًا ووباء قذرًا يمزق الشرف الثقافي، ويخرب الضمير العلمي، ويلوث الطهارة الفكرية، ويهدد مصداقية الكلمة، وهذه الخيانة العلمية وهذا الزور الفكري تسبب إلى حد مذهل في ضياع هوية الأمة، وفقدان الثقة في معلميها وروادها، وقادة نهضتها وكان وبالا وخرابا قسم الطريق أمام التوجه الصحيح، وبات سيفا مسلطا على رقاب المجاهدين بالكلمة الصادقة والمصلحين بالمنطق النظيف والداعين بالحكمة والموعظة الحسنة، بل كان إرهابًا ثقافيًا مدججًا بأسلحة كثيرة وقوى رهيبة في مواجهة الكلمة المخلصة والفكر الأمين، والقول الناصح.
هذه الظاهرة المتدنية، وهذا الفكر المتسول قديم حديث، ولكنه يقل ويكثر تبعا لنهضة الأمم وانحطاطها، وقد نبه القرآن الكريم إلى خطورة هذا الصنف المزور المتسول بالفكر، فقال: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عند الله ليَشْتَرُوا به ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُم مَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُم مما يكسبون﴾ (البقرة:79).
لما بلغت الحال بالعلماء والمفكرين إلى أن يصبحوا سلعة مهينة، وباطلا مزورًا ورخيصا يكون قد تودع من هذه الأمة، ولابد من كشف هذا الدجل وتعرية هذا الكذب الذي تطاول حتى على المقدسات، وويل لأمة قد تصدرها هذا الفكر ورادها هذا الخراب.
والخطاب القرآني واضح في أن هذا سيرتد على الأمة وعلى الخائضين فيه، وواضح كذلك بأن هذا التخريب ثمنه قليل وتافه، وسينقلب ويلا على أصحابه في الدنيا والآخرة. وتنحدر هذه الظاهرة إلينا لأنها سنة من سنن الهوان والتدني، يقول الإمام الغزالي يرحمه الله: أعلم أن الخلافة بعد رسول الله تولاها الخلفاء الراشدون المهديون، وكانوا أئمة علماء بالله تعالى فقهاء في أحكامه وكانوا مستقلين بالفتوى في الأقضية، فكانوا لا يستعينون بالفقهاء إلا نادرًا في وقائع لا يستغنى فيها عن المشاورة، ثم جاء من الحكام على منوالهم الكثير، فلما أفضت الخلافة بعد زمان إلى أقوام تولوها بغير استحقاق ولا استقلال بعلم الفتوى والأحكام اضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء وإلى استصحابهم لاستفتائهم في مجاري أحكامهم، وكان قد بقي من العلماء من هو مستمر على الطراز الأول من الورع وملازمة صفو الدين وعلى سمت علماء السلف.
فكانوا إذا طلبوا هربوا أو أعرضوا - خوف مصاحبة الظلمة - فاضطر الخلفاء إلى الإلحاح في طلبهم لتولي القضاء والحكومة فكانوا رحمة للأمة وكلمة صدق، فرأى السفلة من الناس عز العلماء وإقبال الأئمة والولاة بالمال والصلات والهبات، فدرسوا العلم ومارسوا الفتيا وأقبلوا على خدمة الولاة ليأخذوا العطايا والهبات، فمنهم من حرم ومنهم من أعطى، والمعطى لم يخل من ذل الطلب ومهانة الابتذال، فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين وبعد أن كانوا أعزة بالإعراض عن السلطان أذلة بالإقبال عليهم إلا من وفقه الله تعالى، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
هذا وكان خطرهم على الأمة عظيمًا لما يلي:
1- لأنهم ساوموا وبقدر كبير على كلمة الحق، ومالؤوا بسبب الإصرار على مهادنة الباطل.
2- لأنهم تبنوا وبمغالطة مكشوفة، وقتلوا وبجناية مدبرة روح المقاومة والكفاح في الناس.
3- لأنهم نفخوا في أبواق النفاق، ولعبوا كدمى على المسرح، وضللوا كسحرة في الساحة.
4- لأنهم شنقوا الناس بكلماتهم، وقتلوا الأحرار بأقلامهم، وجلدوا ظهور المناضلين بصحفهم.
5- لأنهم أضاعوا الكلمة الحرة، ووأدوا الرأي الآخر، وسحقوا الهوية الثقافية للأمة. فهل من مراجعة للنفس وصحوة للضمير؟ نسأل الله ذلك..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل