العنوان مجلس الكنائس العالمي.. والمؤامرة على وحدة السودان
الكاتب عبيد الامين الفكي
تاريخ النشر الثلاثاء 07-فبراير-1989
مشاهدات 70
نشر في العدد 903
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 07-فبراير-1989
أعربت الوزيرة
بوزارة الخارجية البريطانية ليندا شوكر عن قلقها تجاه الموقف السائد في جنوب
السودان في أعقاب رفض البرلمان السوداني اتفاقية «الميرغني- قرنق» التي وقعت في
أديس أبابا في منتصف نوفمبر الماضي، وكانت الوزيرة البريطانية تتحدث في مؤتمر صحفي
عقدته في نيروبي عاصمة كينيا في 27 يناير المنصرم، وأضافت قائلة: «نعتقد أن إحدى
العقبات الرئيسة أمام التوصل لأي اتفاق من جانب رئيس وزراء السودان الصادق المهدي
هي إصرارهم على تطبيق الشريعة، وذكرت الوزيرة أنها ناقشت أوضاع السودان مع الرئيس
الكيني دانيال عرب موي بالإضافة لكبار المسؤولين الكينيين.
وفي الخرطوم،
التقى وزير العدل السوداني وزير الخارجية المكلف د. حسن عبدالله الترابي بوفد يمثل
مجلس الكنائس العالمي، وقد تطرق اللقاء إلى تداول وجهات النظر تجاه مشكلة التمرد
في جنوب السودان.
والجدير بالذكر،
أن مجلس الكنائس العالمي يتخذ من كينيا مقرًا رئيساً له في أفريقيا، وقد سبق أن
دعا مجلس الكنائس العالمي إلى عقد مؤتمر بشأن جنوب السودان، في وقت سابق من نوفمبر
الماضي، كما أن كينيا التي اختارت الوزيرة البريطانية زيارتها في أعقاب سقوط
اتفاقية الميرغني- قرنق تتبنى قضية الجنوب من خلال النظرة الكنسية الدينية التي
يروج لها مجلس الكنائس العالمي.
والجدير بالذكر،
أن مجلس الكنائس العالمي يعد إحدى أنشط المؤسسات الدولية تعاطيًا لمشكلة جنوب
السودان عبر المراحل التي مرت بها، فقد كان شريكًا أصيلًا في اتفاقية أديس أبابا
1972م، كما كان ماثلًا في تبني حركة التمرد الحالية منذ نشأتها في عام 1983م، وظل يمارس دور الرعاية والحماية لجهود جون قرنق كما أنه سعى للتمكين
لمشكلة التمرد لتأخذ حجمًا دوليًا وتأييدًا واسعًا في الدوائر الغربية، وقد تمت كل
تلك الجهود في نكران ذات وكتمان تامين.
ولهذا، فإن
حكومة الخرطوم -التي تعرف لمجلس الكنائس العالمي أدواره تلك جيدًا- عندما تقدم على
التفاوض مع المتمردين لا بد أن توصل صوتها أولًا لمجلس الكنائس- الوالي والراعي،
غير أن أذن مجلس الكنائس العالمي مشغولة بأصوات أخرى أقوى بكثير من صوت الحكومة
السودانية التي تصر على عدم التنازل عن أهدافها المناقضة لإستراتيجية التنصير
العالمي.
أهداف
وجهود
اعتمدت سياسة
مجلس الكنائس العالمي في السودان على تبني الإرث السياسي البريطاني بكل مقوماته
التي نهضت على إتقان لعبة التوازنات السياسية، وأضاف لها تجارب العقلية الأمريكية
في تبني نظرية المغامرة العسكرية التي تعمل على ترجيح الموازين لمصلحة الحليف
الأقرب.
وبذلك جرت سُنة
التعامل مع مشكلة الجنوب، فالمجلس الكنسي يستقطب دول الجوار لتجعل من مشكلة الجنوب
إحدى قضاياها السياسية، كما هي الحال في دول الجوار الأفريقية الأربع (كينيا، إثيوبيا،
زائير، أفريقيا الوسطى)، وضمن هذا الدور المرسوم تقوم هذه الدول حاليًا بتبني وجهة
نظر مجلس الكنائس جاعلة من مشكلة الجنوب محورًا ثابتًا في سياستها تجاه السودان.
كما أن المجلس
نجح في ربط أهدافه السياسية الدينية بأهداف وأطماع الإستراتيجيات المستقبلية لدول
الغرب الصليبي بحيث توحدت نظرة الدول الغربية للمنطلقات الدينية الصليبية باعتبار
أنها أحد الثوابت الرئيسة في تحقيق المصالح الاقتصادية في السودان ومن ثم في
أفريقيا.
فالغرب يرعى
حاليًا الأقلية المسيحية في جنوب السودان، كما أنه يرعى الوثنيين، وله في ذلك
فلسفته؛ فهو يحتج على كل نشاط إسلامي عربي في جنوب السودان، فعندما تقدم الكنيسة
على تعليم أبناء الوثنيين اللغة الإنجليزية والدين المسيحي لا أحد يعترض على طمس
هويتهم، بينما إذا أقدمت وزارة التربية السودانية أو أي مركز إسلامي على تعليم
العربية والدين الإسلامي تباكت الدوائر الغربية على تقويض الهوية الأفريقية
والثقافية والاجتماعية التي يعمل متعصبة العرب على فرضها في الجنوب، هذا إذا لم
تستعن ذاكرة الإعلام الغربي بالقول النمطي في الاضطهاد الديني، إنها لعمري قسمة
ضيزى!
والغرب هنا يربط
بين مصالحه الاستعمارية في السودان وأفريقيا والتحكم في التحولات الثقافية وفقًا
لقوالب مجلس الكنائس العالمي، وذلك بالطبع يمثل ركيزة النجاح المستمر لسياسة مجلس
الكنائس العالمي في أفريقيا وجنوب السودان.
استقطاب
دولي
أعلنت هولندا
مؤخرًا تخفيضها لحصة العون التي التزمت بها تجاه المساعدة في إزالة آثار الفيضانات
في السودان إلى 2.5 مليون دولار، وربطت هذا الإجراء بموقف حكومة الخرطوم نحو تحقيق
السلام في جنوب السودان، وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت في وقت سابق من يناير الماضي
بأنها لن تعيد شحن القمح للخرطوم كما أنها غير ملتزمة تجاه حكومة السودان بأي عون
ما لم تعد الحكومة السودانية حساباتها نحو تحقيق السلام في الجنوب السوداني.
وفي باريس، أعلن
البنك الدولي وقف القرض العوني الذي وافقت عليه الدول المانحة في نوفمبر الماضي،
وقالت إدارة البنك: إن الأسباب في ذلك متعلقة بقضية السلام في جنوب السودان.
وتزامنت تلك
الأحداث بصورة دراماتيكية مع الاتفاقية التي عقدها الميرغني مع قائد المتمردين في
الجنوب جون قرنق التي صاغ خطوطها الرئيسة مجلس الكنائس العالمي وبصورة تتطابق فيها
أطماع الغرب بأهداف المجلس، فالشروط التي رفضتها حكومة الصادق المهدي والبرلمان
السوداني شروط لا قبل لأهداف المتمردين بها.
فالتمرد لم يعلن
في السابق أنه قام من أجل إلغاء أحكام الشريعة أو إلغاء المعاهدات العسكرية أو
إلغاء أحكام الطوارئ في الجنوب، تلك البنود لم تكن قائمة في السياسة السودانية يوم
أن خرجت شرذمة جون قرنق على نظام المخلوع نميري، فلم تكن أحكام الشريعة مثلت
للوجود، كما أن نميري لم يكن حليفًا لليبيا، ولكن تطور الخطوات الاستقلالية في
قرار حكومة الخرطوم جعلت أهداف المجلس الكنسي هي ميثاق الدبلوماسية الغربية في
التعامل مع مشكلة الجنوب.
فاستقلالية
القرار السياسي السوداني واعتصامه بالعقيدة الإسلامية واللغة العربية يفقد الغرب
مركز الضغط والهيمنة في ارتهان الأوضاع في أفريقيا، كما يؤثر ذلك على انتفاضة
استقلالية في دول الجوار مما يتيح للثقافة الإسلامية التمدد بشكل طبيعي في أفريقيا
جنوب الصحراء، وهو ما يجعل مستقبل الإستراتيجية الغربية غير واضح، لا سيما أن
الدراسات الاستشرافية المستقبلية تدلل على أن أفريقيا هي قارة المستقبل، حيث إنها
تمتلك أكبر احتياطي من العناصر الأولية، ويشارك في هذا السودان بعامة وجنوبه بصفة
أخص حيث يحتوي على ثروة واسعة من الخامات بدءًا باليورانيوم وانتهاء بالذهب
والبترول وهو ما يسيل له لعاب الاستعمار الرأسمالي.
المجلس..
أنياب وأظافر
إن مجلس الكنائس
العالمي مؤسسة تعتمد الإعلام وتثمن دوره بالقدر الذي تبذل من أجله جهودًا مضنية
لتصل به نحو أهدافها الإستراتيجية، وقد خبر دور الإعلام ومارسه طيلة العهود
السابقة، كما أن الكنائس عمومًا لها اهتمام واسع بالإعلام، وليس أدل على ذلك من كم
الأقمار الصناعية التي تملكها الفاتيكان، بالإضافة لقنوات الإرسال والمطابع
العالمية ذات الكفاءة العالية والصحف والكتب الدورية ووحدات صناعة الأفلام
والبرامج التبشيرية ولها في ذلك موازنات ضخمة، وفي فترة سابقة استطاع مجلس الكنائس
العالمي أن يحرك العالم على المخلوع نميري حينما أعلن أحكام الشريعة الإسلامية
فكانت الوكالات العالمية تصب زيتها المسموم على نيران الأوضاع في الجنوب وفي
الأوضاع السودانية.
كما جرب مجلس
الكنائس ذلك من قبل مع عيدي أمين، واستطاع إقناع العالم بأنه مصاص دماء وقاتل رجال
الدين، كما استطاع إعلام المجلس أن يحطم بوكاسا حينما أقدم على الإسلام وتسمى
بصلاح الدين وفرض عليه شخصية أكل لحوم البشر وصدق العالم تلك الخرافة.
وأما في قضية
جنوب السودان، فقد أثمرت جهوده في حشد الوكالات لتصوير المجاعة التي لم يشهد
العالم لها مثيلًا حين صور بعض المناطق أنها تموت جوعًا وهو بذلك يستخدم مخزونه من
صور الماضي، وعلى افتراض تصديقنا لتلك المجاعة التي حددها بـ30 ألف شخص، ألا يكون
من المنطقي أن يهتم بالملايين الذين يموتون في دول أخرى كما هو في بنغلاديش أو
الهند أو كولومبيا التي ذكرت الإحصاءات الدولية أن بها 8 ملايين شخص يعانون من سوء
التغذية، كما أن الهند بها 275 مليوناً، وإندونيسيا بها 27
مليوناً، وإثيوبيا بها 15 مليون شخص، وتايلاند بها 7 ملايين شخص يعانون من الفقر
والجوع، ومع ذلك أقام الإعلام الدنيا بخصوص 30 ألف شخص معرضين للجوع في منطقة حرب
وكوارث بشرية.
ومن خلال
الإعلام استطاع المجلس أن يحول أنظار العالم إلى مشكلة جنوب السودان بحجة ظلم
الشمال العربي المسلم للجنوب الأفريقي المسيحي، وتجاهل الحقائق الموضوعية التي
تفضح خرافة التقسيم بالحدة الخيالية التي أقنع بها كثيرًا من الشعوب وفي طليعتها
الشعوب الأفريقية التي بدأت تنظر للسودان كدولة مستقلة بواسطة العرب المهاجرين مما
يجعل قضية الجنوب إشكالية صراع وتقاسم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل