; محاضرة الدكتور حسن الترابي في جمعية الإصلاح الاجتماعي.. الفكر الإسلامي هل يتجدد؟ | مجلة المجتمع

العنوان محاضرة الدكتور حسن الترابي في جمعية الإصلاح الاجتماعي.. الفكر الإسلامي هل يتجدد؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 24-أبريل-1973

مشاهدات 219

نشر في العدد 147

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 24-أبريل-1973

محاضرة الدكتور حسن الترابي في جمعية الإصلاح الاجتماعي الفكر الإسلامي هل يتجدد؟ القسم الأخير الفكر الإسلامي من القضايا الرئيسية التي تواجه مفكري الإسلام وعلمائه وبإلحاح - قضية «تجديد الفكر الديني». التجديد الديني.. أو الفهم المتطور باستمرار لحقائق الدين وقيمه.. مسألة قررها الرسول -عليه الصلاة والسلام- حيث بشر بأن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها أمر دينها. .. كن طول الألف.. أو الميل إلى التقليد جعل إحساس الناس بهذه الحقيقة هامدًا خامدًا... في محاضرة له بجمعية الإصلاح الاجتماعي.. تناول الدكتور الإسلامي المعروف الدكتور حسن الترابي هذا الموضوع بعمق ووضوح.. وإشباع. إنه على ذلك.. ثقافة إسلامية أصيلة وثقافة...واسعة وارتباط وثيق بالواقع وإيمان مستنير بأهمية التجديد. في العدد الماضي قدمت -المجتمع- القسم الأول من محاضرة الدكتور الترابي «الفكر الإسلامي بين التجديد والتقليد». في هذا العدد تقدم -المجتمع- القسم الأخير من محاضرة القيمة. بعض الآفات التي اعترت فقهنا الإسلامي وأبعدته عن أصوله العقدية أو الشرعية في الكتاب والسنة وفي معاني العقيدة. قلت لكم أن الفكر الإسلامي هو تفاعل بين عقلنا بما عنده من المعارف العقلية وبين القيم الأزلية، فاذا ضاقت معارفنا العقلية ضعف هذا التفاعل وضعف الفقه الإسلامي. • في الدين: العلم كله علم واحد، وقد كان المفهوم بالأمس أن المرء ينبغي عليه أن يلتمس العلم بالله الذي هو علم بأفعال الله -سبحانه وتعالى-، ولكن أفعال الله سبحانه تتجلى في مظاهر شتى: آياته المعروضة في صفحة الكون فالله يدعونا الى أن ننظر في صفحات الكون فنلتمس الآيات الدالة ولا حاجة لي أن أذكر بأن القرآن كله دعوة إلى النظر في هذه الآيات، كما لا حاجة لي أن أستشهد بان القرآن كله دعوة للنظر في الآيات المكتوبة في المصحف.. آيات الله الشرعية لم يوجهها إلى الأشياء وإنما وجهها إلى الناس طوعًا واختيارًا.. فاذا تليت عليهم آيات الله في القرآن زادتهم إيمانًا وإذا نظروا إلي آيات الله المعروضة في الطبيعة زادتهم إيمانًا كذلك، وكل العلم هو علم بالله موجه إلى معرفته، وكل العلم كذلك مسخر لعبادة ● توحيد العلم- شرعية وطبيعية- وتوجيهية نحو هدف واحد. ● توجيه السلوك الإنساني مجال عمل الوحي والدين. ● أما العلم الطبيعي فهو يناط بالعقل الإنساني؟ ● منهج القرآن- والتفكير الديني الحق- منهج واقعي في مواجهة الإنسان. ... العلم الشرعي ينبغي ألا نحمله كالحمار يحمل أسفارًا، بل ينبغي أن نتخذه دليلًا وأية لعبادة الله، وإلا أصبح العلم علمًا ظاهريًا دنيويًا كالذي وصفت آنفًا، والعلم الطبيعي أيضًا ينبغي أن يسخر لعبادة الله وإلا أصبح علمًا شكليًا، ولقد تحدث القرآن وقرر: أن بعض الناس لا يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا فهم يعلمون قوانين الطبيعة علمًا ظاهريًا ولا يستخدمون تلك العلوم في الوصول إلى الله ولا يتخذونها آية لعبادة الله. وبين العلم الطبيعي والعلم الشرعي فاصل- بحكم المصدر- وهو أن العلم الشرعي يؤخذ عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- نقلًا صحيحًا بينما يؤخذ العلم الطبيعي بالعقل الذي ينسب إلى المشاهدة والتأمل والتجربة. هذا أمر الله في القرآن الذي ينص صراحة ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ (سورة البقرة: 213) فالقوانين الطبيعية المضبوطة ليست مما لا يتفق عليه الناس مهما كانت مداركهم، ومن ثم ما كان الناس في حاجة إلى رسول في هذه العلوم ولكن الرسول ﷺ جاء ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، والرسول -صلى الله عليه وسلم- يؤكد لنا ذلك المعنى: ذلك أنه ذات يوم من الأيام أمر الناس ألا يلقحوا النخل، وحسب الناس أن ذلك أمر من أمور الدين فأطاعوا الرسول ﷺ فخرج البلح شيصًا فعادوا إلى الرسول ﷺ يعرضون عليه الأمر. فرد عليهم بقوله: أنتم أعلم بأمور دنياكم، وإذا أمرتكم بأمر من أمور دينكم فأطيعوني. فالرسول ﷺ هنا حدد اختصاص العلم الشرعي أنه في الأصول الدينية الخلافية كيف تكون علاقاتكم مع الله؟ ذلك أصل ديني نرجع فيه إلى الرسول ﷺ، أما كيف تكون الزراعة وكيف نزرع ونخطط ونحرث ونحارب آفات الزرع فذلك علم من علوم الدنيا أي من علوم العقل الذي نرجع فيه إلى التجارب البشرية العقلية سواء صدرت عن كافر أو عن مسلم بقدر ثقتنا في عقله وعلمه. ● كان ينبغي بأن يتناصر العلمان لأنه لا يمكن عبادة الله إلا بأن يتناصر العلمان فلا يستقيم الإيمان إلا بالنظر الشرعي والنظر العقلي ولا تتم العبادة إلا بهما. فالعلم الطبيعي يمكن الإنسان من أن يدرك قوانين الطبيعة وأن يدرك وجوه التفاعل بينها وأن يسخر بعضها على بعض ليستنتج منها طيبات الرزق ووسائل الراحة واليسر فيحمد الله ويشكره ويزداد له حبًا ويقيم حضارة تتكشف فيها العلاقات فيجد فيها مجالًا لانتصار كريم فيخاف الله ويتقيه ويزداد إيمانًا وعبادة ودينًا، وكذلك في تدبر الآيات القرآنية فإذا قال الله سبحانه ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ﴾ (الأنفال: 60) فإن القوة تتسع باتساع علمك الطبيعي وإلا لما اتسعت ولما طبقت أحكام الشرع كما ينبغي في العقل الراهن وفي العلم الراهن وفي فترات الانفصام في الحضارة الإسلامية انفصل علم الدين عن علم العقل كما حصل في ظهور المعتزلة ولا أريد أن أتحدث عن الفلاسفة العقليين في الإسلام، لأن جل فكرهم من خارج الإسلام ولعله من المجاز أن نصف هذا الفكر الفلسفي بأنه فكر إسلامي فالمفكرون الإسلاميون اتخذوا العقل والنقل فاشتطوا بالعقل وأوغلوا في الشطط. ● ولقد حدث هذا الصراع في أوروبا فانتصر العلم النقلي في أول الأمر حين فرض أصحاب الكنيسة على أصحاب العلوم العقلية التجريبية تعاليم معينة ابتدعوها هم عن الفلك ودوران الأرض وكرويتها ومركزها ولم تكن هذه في التوراة، وفي النهاية انتصر العلم والعلماء وهزموا أصحاب النقل وهؤلاء بدورهم اغتروا وطغوا وتجبروا واستبدوا وظنوا أنه بالعقل وحده يمكنك أن تضع نظامًا اقتصاديًا وقطاعًا سياسيًا، بل يمكنك أن تنشئ دينًا بالعقل وحده. ● وكذلك في الإسلام اغتر المعتزلة شيئًا ما فأرادوا أن ينفذوا عقلهم من فوق الشرع وأن يوجبوا على الله – بحكم العقل- واجبات معينة ولذلك اشتد عليهم الأشاعرة بأن كبلوا العقل شيئًا ما، ولكن المنهج النقلي الذي أسسه علم الحديث وانتقل من علم الحديث إلى علم التاريخ هذا المنهج بدأ يظهر شيئًا فشيئًا كرد فعل عندما انسحقت حركة الاعتزال، وأصبحت الردة عنيفة وشاع في الناس هذا المنهج النقلي الذي لا يرضي بالعلوم العقلية والعلوم الطبيعية فأخذ الناس يروون عن الأقدمين آراءهم في الطب وانقطع المسلمون قليلًا قليلًا عن العلوم فقد كانوا يدرسونها في معاهدهم وكان المرء لا يتم له الأمر إلا إذا أحاط بالعلوم الشرعية والعقلية، وبتأثير ذلك التخلف انحط العلم الشرعي ذاته لأن العقل مصدر من مصادر الفقه الإسلامي فإذا اختل العقل اختلت الرؤية مرة واحدة. وإننا لنعرف في التاريخ الإسلامي رجالًا جمعوا العلم كله فما الذي جعل الغزالي علمًا من أعلام الفكر الإسلامي ذلك أنه جمع بين علم الفقه والطب والهندسة والفلك فاجتمع له علم بأصول الدين وعلم بالعلوم العقلية وعلم بالواقع وعندما اتحدت في عقله هذه العلوم رأينا فيه عالمًا بالإسلام، وعالما بعصره، وكذلك ابن تيمية اتصل بالواقع اتصالًا عمليًا ودرس المنطق والفلسفة ودرس الفقه وصار علمًا من أعلام الفكر الإسلامي في عهد كان الفكر فيه راكدًا خاملًا. منهج واقعي منهج التفكير الديني الحق منهج واقعي، فلم يأت القرآن أبوابًا مبوبة ولا ألواحًا تنزل في وقت واحد، وإنما نزل منجمًا على الأحداث تقع الواقعة ويتخذ الناس فيها مواقف شتى ويتهيأون إلى حكم من الله يفصل بينهم، فيأتي الحكم من الله بالقول الفصل وهكذا كانت السنة كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- قليلًا ما يقف في الناس خطيبًا يعرض عليهم- عرضًا نظريًا – قائمة بتعاليم الإسلام، وإنما كان يعلمهم في كل موقع في كل حادثة في كل واقعة. وبالنسبة للمنهج الفقهي كان الفقهاء يبغضون «أرأيت أرأيت»؟ وكانوا لا يحبون الأغاليط وهي المسائل التي لم تقع وكانوا إذا لم تقع الواقعة أبي الواحد منهم أن يفتي فيها حتى تقع بالفعل وتتبدى معالمها الواقعية وتتضح وجوه المصلحة فيها، وتتضح وجوه مخالفة الشريعة أو موافقتها والرجحان لهذا الجانب أو ذاك. عندئذ يفتيك الفقه في العصور المتخلفة أورثنا فقهًا ليس من واقعنا الآن إذ هو من الواقع الذي جابه أبو حنيفة أو مالكًا، أو الشافعي، وبهذا أمسى الفكر الإسلامي اليوم فكرًا تفاسير القرآن نتاج عصورها.. ونحن في حاجة إلى تفسير جديد علينا أن نرد للعقل اعتباره - كمصدر له دوره ومكانته تجريديًا.. فكرًا خرج عن التاريخ جملة واحدة وظل في مكان علوي لا يمس الواقع فنحن في واد والفقه الإسلامي في وادٍ آخر.. فالخطيب يقف ليخطب في الناس فلا يحسون أنه يمس أمرًا مباشرًا فيخاطبهم بقوله: اتقوا الله أيها الناس.. ولا يخاطب كلًا بما يمس واقعه وكيف يتقي الله فيه؟ فإذا كنت سائق سيارة أو عامل مصنع فالهدى الحق أن ينزل الخطيب حديثه على الواقع تنزيلًا لأعرف كيف أتقى الله في قيادة السيارة وفي التعامل في المصنع ومع زملائي ومع الآلة ومع أصحاب المصنع، أما الذي نراه ونسمعه اليوم فإن الخطباء العلماء يتحدثون حديثًا مجردًا لم يتنزل على الواقع والسبب قد انقطع عن الواقع.. ومن جهة أخرى ظهرت قطاعات ضخمة من الواقع لا دخل لها في التدين واضطر الحكام عندما طلبوا من الفقهاء الفتوى الشرعية فلم يجدوا حلًا شافيًا أن يأخذوا مما هو جاهز يغما اتفق عرفيًا كان أو شخصيًا، وكانت الثغرات في أول الأمر تظهر ثغرة ثغرة في أمور فرعية وكان الانفراج لا يبدو للناظر لأول وهلة وطفقت هذه الثغرات تتسع وأخذ الانفراج الواقعي يتسع حتى بغي اليوم على الدين كله تقريبًا. ويمكن أن نقول أنه لن يتسنى لنا أن نفكر تفكيرًا إسلاميًا إلا إذا عاد الواقع إلى الإسلام واتحد معه وطرحت قضايا طرحًا عمليًا، ومن المعوقات هنالك من يقول بأن عندنا ما يكفينا في الكتاب والسنة، وهذا وهم شائع، إذ لابد أن ينهض علماء، فقهاء، فنحن بحاجة إلى فقه جديد لهذا الواقع الجديد، ومن أجل أن يقوم هذا الواقع نحن بحاجة إلى دعوة الإسلام، وهذه الدعوة لا تكون إلا ببعض الشروط العملية لهذا الواقع، فيبدو لي أنه ينبغي أن يقوم الفكر بطرح الدعوة في الواقع القائم اليوم، لكي تطمئن قلوبنا وحتى تزول شكوكنا وتنهض لتحقيق الإسلام فاذا حققناه يمكن بعدئذ أن تتضح الصورة الواقعية ويكون الاجتهاد كما ينبغي أن يكون في هذه الحال علينا أن نجدد فكرنا الإسلامي بأن توحد العلم شرعيه وطبيعته توحده في معهد واحد. فهذا الفصل القائم في مجتمعاتنا بين معاهد شرعية ومعاهد مدنية، وبين رجال شرعيين ورجال مدنيين ينبغي أن يزول.. وهذا الفصل القائم بين الواقع وبين الدين ينبغي أن يزول... وهذا الفصل بيننا وبين القرآن والسنة التي تمثله الآراء التاريخية الإسلامية ينبغي كذلك أن يزول.. وعلينا أن ننظر في أصول الفقه الإسلامي وفي رأيي أن النظرة السليمة الأصول الفقه الإسلامي تنبأ بالقرآن الذي يبدو أننا محتاجون فيه إلى تفسير جديد.. إذا قرأتم التفاسير المتداولة بيننا تجدونها مرتبطة بالواقع الذي صيغت فيه كل تفسير يعبر عن عقلية عصره.. إلا هذا الزمان لا نكاد نجد فيه تفسيرًا عصريًا ثانيًا، ومهما يكن من شيء فان امرنا مع علم الحديث ومع القرآن ميسور لأن السابقين قطعوا شوطًا كبيرًا في تحقيق الحديث والله -سبحانه وتعالى- قد تولى حفظ القرآن أما المصدر الذي يتعين علينا أن نعيد إليه اعتباره كأصل له مكانته ودوره فهو العقل..... يحدثونكم مثلًا أن الأصل الثالث هو الاجتهاد بيد أن الاجتهاد هو أمر عقلي. ولابد من أن نطلق حرية الإسلام دون مخاوف فاذا تحدثنا عن أطلاق حرية الإسلام يتخوف كثير من الناس، ويقولون إن الأمر سيكون فوضى... والحقيقة أننا في زمان جمد فيه الفقه الإسلامي، بل الفكر الإسلامي، طويلًا.. ولا حل إلا أن ندفع الناس إلى الحرية دفعًا.. وأن تحدث ثورة شاملة لا أن نقفل باب الاجتهاد، والناس دائمًا ينبغي أن يوازنوا بين النظام وبين الحرية.. ففي العهود التي تراكم عليهم فيها قرون من الجمود، الدعوة ينبغي أن تكون لا للتنظيم، بل للتحرر من هذه القيود، والتي هي قيود اجتهادية، فمن قيودهم أن تعلم كل القرآن بينما بعض الصحابة لم يعلم كل القرآن، ومن قيودهم أن تعلم كل السنة، بينما الصحابة اجتهدوا دون أن يعلموا كل السنة، وهكذا فان أغلب هذه القيود قيود اجتهادية. لا حل سوى أن نطلق حرية التفكير الديني، وقد يكون بعض الشواذ من المفكرين فتنتشر مذاهب ليست من الإسلام في شيء.. قد يكون هذا.. وما أحسب أن هذه الأمة تجمع على ضلالة، فالفقه الإسلامي قديمًا، ما نظمه قانون ولا نظمه حاكم ولا نظمه سلطان، كانوا يجتهدون بالمئات، فوثق المسلمون بوحي من الدين بأربعة، أبو حنيفة وابن حنبل ومالك والشافعي، وانتظم المسلمون في هذه المذاهب الأربعة، ومن شدة الانتظام صار ذلك جمودًا وتقليدًا نرى أن تجدده اليوم.. فكيف نوفق بين الآراء المتناثرة التي ستقوم وتنشأ وتتفرع وتتكاثر هذا أمر سيتم ذاتيًا.. ولنا كذلك احتياط في أصول الأحكام ليست أصولًا اعتقادية فالأحكام أو التعاليم الإسلامية التي تنتج عن الاجتهاد ليسه ملزمة، فقد يجتهد المجتهد ويلتزم المسلم، قد يجتهد مالك ولا ألتزم أنا وقد يجتهد الأوزاعي ولا ألتزم أنا، هذا أمر ليس للمجتهد سلطان فيه على الناس، أما إذا أمر القرآن أو السنة فينبغي أن ألتزم. الكلمة للمسلمين.. والإجماع إجماعهم الإجماع لظروف تاريخية معينة ورد عليه بعض الانحراف والآية التي يردك إليها الذين يدعونك الى حتمية الإجماع تتحدث عن المسلمين، الآية تقول مثلا: ﴿وَمَن یُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَیَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَیَتَّبِعۡ غَیۡرَ سَبِیلِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ (النساء: 115)، وهذا يعني مجموع المؤمنين... هذه آية تدعو الإنسان إلى أتباع المؤمنين.. والآيات التي تلزم الإنسان المسلم بالشوري تجعل الشورى للمؤمنين ﴿وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَیۡرࣱ وَأَبۡقَىٰ لِلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ یَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ* وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (الشورى: 36-38)، فأولئك - المطلوب ثورة شاملة.. وليس مسًا خفيفًا! - ركام القرون لا ينفض إلا بالحرية الواسعة والشجاعة - لنوطن أنفسنا على تقبل أخطاء الحرية.. لنظفر بالصواب الأمر -بعد النص- للمسلمين لجمهورهم وسوادهم القرار الملزم ينبثق من الجماعة وهو حقها وواجبها الحلول: أن نزد فكرنا وفقرتها إلى أصوله الأولى الكتاب والسنة أن نوحد العلم كله في إطار واحد أن تربط بين الفكر الإسلامي وبين الواقع هم المسلمون جميعًا، فالشورى هي شورى المسلمين. أمرهم شورى جملة اسمية مثل: الحج عرفة، وبمقتضى اللغة: الحج عرفة. متلازمان وبمقتضى اللغة الأمر يلزم أن يكون شورى، فإذن شورى المسلمين وما تنتهي إليه من قرار يلزم كل مسلم. يعزز ذلك الأحاديث -على تفاوت صحتها-. «لا تجتمع أمتي على ضلالة». «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن» والأحاديث الكثيرة التي تدعو إلى التزام الجماعة والجماعة ليس فيها أفراد معينون، بل هي جماعة المسلمين جمهور المسلمين وسوادهم «من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية». هذا هو الإجماع ولقد طرأ على المسلمين زمان دخلت في الإسلام أقوام شتى ما كانوا يفقهون من الدين شيئًا وأحاطت به ظروف عملية ما كان يتيسر أن يستشار المسلمون أبدًا، فكيف يستشار المسلمون وهم مئات الألوف، بل عشرات الملايين ينتشرون من شرق الأرض إلى غربها وليس بينهم من مواصلات إلا الجمال التي يستدعي أمرها شهورًا طويلة حتى تقطع العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه. وعندما كانت تتيسر في عصر الرسول -صلى الله عليه وسلم- كانت الشورى للمسلمين كان يستشير الناس، وفي خلافة أبي بكر ما كان يتيسر أن يجتمع المسلمون، ولكن اجتمع ممثلوهم السياسيون لا علماؤهم، لذلك اضطر العلماء إلى أن يجعلوا الشورى بين العلماء، وأن يجعلوا الإجماع- إجماع العلماء- وليس لهم مستند في ذلك إلا الضرورة العملية التي كانت قائمة يومئذ فالإجماع هو إجماع المسلمين، وهنا قد يعترض على معترض فيقول: أنترك الأمر والغوغاء ولعامة الناس يقولون فيه بأهوائهم؟ كلا، بل ينبغي على كل مسلم قبل أن يختار رأيًا معينًا أن يرجع إلى العلماء فهم الهداة الذين يقترحون ويبسطون أمامنا الدين فيقولون: يجوز ذلك ولا يجوز هذا، وذلك أقرب إلى المصلحة وفي النهاية القرار الذي يلزم المسلم هو لعامة المسلمين ولجمهورهم. فالصلاة- مثلًا- واجبة على كل المسلمين ولا نقول إن بعض المسلمين عوام لا يدركون معاني الصلاة فلا ينبغي لهم أن يصلوا. لا يجب عليك أن تعلمهم ويجب أن ترفع مستوى المسلمين ثقافيًا وعلميًا، وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن موصولًا بقرآنه وسنة رسوله فيرجع قبل أن يختار رأيًا إلى العلماء ليهدوه ويحدوا له الحد الأدنى. وفكرة الإجماع هذه يمكن أن تعبر عنها بفكرة الاستفتاء الحديث أو الإجماع غير المباشر وهي نظام النيابة الحديثة. مجلس برلماني ينتخبه المسلمون انتخابًا حرًا يكون هو الخطة الإجماعية عند المسلمين، بالطبع لا يمكن أن يجمع المسلمون على أمر يخالف الكتاب والسنة، وللاحتياط يمكن أن نقيم خطة قضائية للرقابة عليهم كما نقيم خطة رقابية على البرلمان تنبعث من الحفاظ على الدستور. السلطة الرابعة في الإسلام هي سلطة أولياء الأمور الحكام التنفيذيون المسلمون، وهذه السلطة ضاعت في كتب الفقه تمامًا على الرغم من أنها مقررة في القرآن تقريرا واضحًا ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: 59). ولا نجد هذا الأمر واضحًا في كتب الفقه لم؟ لعل الفقهاء قد واجهتهم ظروفًا عملية. فالمعروف أن الحكم الإسلامي قد انحرف عن صورته الشرعية التي كان ينبغي أن يختار فيها الحاكم عن رضا من المسلمين وأن يحكم برضا المسلمين يختار بالشورى والإجماع ويحكم بالشورى. من زمان سحيق في تاريخ الإسلام أصبح الحكم استلابًا- في صورة من صور الاستلاب، ومن ثم كان شعار العلماء أنه إذا ترك الأمر إذا جعل لأمر هؤلاء مكانة في الشريعة وفي الفقه فإن الأمر سيؤدي إلى فساد عظيم لأنهم أناس لم يختاروا لعلمهم ولا لتقواهم ولم يختاروا قط، وإنما استلبوا الحكم بسيوفهم وهم أناس هواهم أطفئ من دينهم وأمرهم يصدر عن الهوى قبل أن يصدر عن الدين وبهواهم استلبوا سلطة التقنين وسلطة الأمر، وأمسى القاضي لا يحكم بأمر الحاكم ولا بقانون يصدر عن ديوان الحاكم، وإنما يحكم بأمر يصدر عن فقه مالك أو فقه أبي حنيفة كيفما كان مذهب ذلك القاضي. والحمد لله أن مصادر التشريع قد استقلت عن الحاكمين أما اليوم إذا أسسنا مجتمعًا إسلاميًا كريمًا فينبغي أن نرد الأمر إلى نصابه، أو أن نرد إلى جماعة المسلمين حقهم الضائع، هذا الحق ائتمر عليه الحكام فأهملوا الجماعة تمامًا ووقر في تصور كثير من المسلمين أن الأمر بعد النص لرئيس المسلمين إمامًا كان أم خليفة أو سمه بما شئت، والترتيب الصحيح النص ثم الجماعة ثم بعد ذلك يأتي الحاكم كيفما كان، فيلزم أن نرد إلى عامة المسلمين حقهم، ثم من بعد ذلك يلزم أن نرد إلى حكام المسلمين- إن كانوا حكامًا مسلمين بمعنى أنهم اكتسبوا صفة الحكم هذه بالصفة الشرعية- فليس كل من تسلط على الناس حاكمًا، وليس كل من اقترن بامرأة زوجًا ولكن الزوجية تأتي من باب معين بشروط معينة. فإذا رتبنا أصول الأحكام بهذه الصورة يمكن أن تقوم نهضة فقهية وسواء انتثرت أو انتظمت في مدارس ورجال -هم أهل للثقة والقيادة- فيمكن بعد ذلك في مجال التطبيق العملي ألا يكون الأمر فوضى. طبعًا أن نصدق رأى ألف مذهب ولا عشرين فقيهًا ولا ثلاثين مجتهدًا، ومناط الأمر أن ما يختاره المسلمون من تلك الآراء ويجمعون عليه يكون الرأي الماضي وفيما لا يختار المسلمون في المسائل الفقهية يكون رأي الحاكم الذي يختاره ويرى أنه في حدود الدين ويرى أنه يحقق مصلحة دينية للأمة الإسلامية فيكون ذلك هو القانون الذي يقوم بيننا. وخلاصة الأمر أن حظنا نحن من الدين يحتاج إلى تجديد وليس ذلك التجديد هو أن نبعث فيه روحًا عاطفية ذلك التجديد وسيلته التربية الدينية وتلك قضية أخرى لا أتعرض لها بالتفصيل، ولكني لا أهملها بالطبع، فلا بد أن نربي معاني الإيمان في الناس، ولا بد من أن تشكل من الإيمان المنبعث قوة سياسية واقتصادي وحضارية هي التي تحقق أحكام الدين، إنما الذي أنا بصدده الليلة الفكر الإسلامي وأرى أن يتم هذا التجديد الدين المنشود في مستويات ثلاثة: أن نرده إلى الأصول الأولى من القرآن والسنة مستنيرين ومسترشدين بتقاليدنا وتراثنا وتجارب سلفنا الصالح الذي طبق الإسلام تطبيقًا معينًا وهدانا بعض الهداية أن نجدد الصلة بالعلم العقلي العلم الاقتصادي العلم بطبائع البشر والعلم بطبائع الأشياء. وأن نوحد العلم كله في إطار واحد وإن كان ذلك يبدو كثيرًا فليكن الاجتهاد اتفاقًا. أن نربط بين الفكر الإسلامي وبين الواقع فالدعاة للإسلام.
الرابط المختصر :