العنوان محاضرة الشيخ «محمد متولي شعراوي» بجمعية الإصلاح الاجتماعي في رمضان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-نوفمبر-1974
مشاهدات 84
نشر في العدد 226
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 19-نوفمبر-1974
محاضرة الشيخ «محمد متولي شعراوي» التي ألقاها في قاعة المحاضرات بجمعية الإصلاح الاجتماعي في رمضان، والآن تقدم «المجتمع» نَصَّ تلك المحاضرة
نَصُّ محاضرة الشيخ «محمد متولي الشعراوي» التي ألقاها بجمعية الإصلاح الاجتماعي:
إن الحق ـ تعالى ـ حينما خلق الإنسان خلقه لمهمة الخلافة في الأرض وأمد مادته بما أودع في الأرض من أقوات وأمد روحه بما أنزل عليه من السماء من وحي وبذلك اكتمل المقومان للمادة والروح، ثم أهبط آدم وزوجه إلى الأرض ليمارسا تجربتهما التطبيقية فلما تم تدريب آدم عليه السلام على مهمتة أهبطه إلى الأرض وقال له: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. (البقرة:38) وفي آية أخرى ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾. (طه:132-124) ودلَّل الحق بقوله معيشة ضنكا على أن الدين ليس موضوعه الأخرة وإنما موضوعه الأرض وما فيها من حركة للإعاشة وما فيها من طموح للأعمار، والآخرة إنما هي جزاء على الإحسان في هذا الموضوع أو الاساءة فيـه؛ إذًا فآدم قد زُوِّد بمنهج، وزوَّد بالمنهج آدم وأخذ العهد على ذريته من ظهره قديمًا، عهد الفطرة -على رأي بعض العلماء- وعهد الحقيقة -على رأي آخر- بأن مَسَحَ الله على ظهر آدم وذريته: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا﴾. (الأعراف:172)
الناظر في العهد يلمح فيه تاريخ الرسالات كلها؛ لأن الله الحق إنما أخذ عهد الفطرة أو عهد الحقيقة حتى قطع الحجة على البشر وقطع الحجة معناه وجود أعذار من البشر تبرر انحرافهم عن منهج الله فما هي الأعذار التي يمكن أن يتعلل بها البشر أمام الله؟
وفحوى القول:
إنني أخذت هذا العهد عليكم وأقررتم بربوبيتي حتى لا تقولوا يوم القيامة: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ۖ ﴾)الأعراف:172) إذًا فالتعلل والأعذار من البشر بالغفل أولًا وبتقليد البيئة ثانيًا فأوَّل ما يطرأ على منهج الله بالنسبة للإنسان:
إنما هو الغفلة عن ذلك المنهج والغفلة عن ذلك المنهج إنما تكون باستيلاء الشيطان أو النفس على الإنسان فتغريه بالخروج عن اليسير من المنهج ثم بالخروج عن أكثره ثم هكذا يتدرج الإنسان بواسطة الغفلة من الصغيرة إلى الكبيرة وقد يتمادى به ذلك إلى أن يصل إلى الشرك -والعياذ بالله- وإذا نظرنا إلى الغفلة وجدناها المنفذ الأول لهدم العهد بالإنسان الذي أراد الله أن يكون سلوكه منطبقًا على عهده ولذلك يشرح الرسول -صلى الله عليه وسَلَّم- كيف يدب الانحراف إلى نفوس المؤمنين وفي ذلك يقول:
«تعرض الفتنه على القلوب كالحصير عُودًا عُودًا وفي رواية عَودًا عَودًا «بفتح العين» فأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تكون على قلبين على أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض والآخر أسود مربادًّا كالكوز مُجَخِّيًا «أي منكوس» لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا» وأيضًا يصور لنا الرسول -صلى الله عليه وسَلَّم- في أن الغفلة تجيء من نومة الرجل عن بعض تكاليف دينه يعتاد هذه النومة حتى يصبح الران والعياذ بالله على القلب الله وفي ذلك يقول قتيبة رضى عنه: حدَّثنا رسول الله -صلى الله عليه وسَلَّم- حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر حدثنا: «إن الأمانة قد نزلت في جذر قلوب الرجال ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة وحدثنا عن رفع الأمانة فقال ينام الرجل النومة «أي يغفو الغفوة» فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر الوكد والوكد هو الإحراق اليسير في النار الذي يترك ندبة في الجسم، ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكد، ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر المجل «والمجل هو الحجر» فيظل أثرها مثل أثر المجل كحجر دحرجته على رجلك فنفض «أي ارتفع » فتراه منتبرًا وليس به شيء».
«وحدثنا عن رفع الأمانة نيام الرجل النومة...إلخ، فيصبح الناس يتبايعون فلا يكاد يوجد من أحد من يؤدي الأمانة حتى يقال إن في بنى فلان رجلًا أمينًا وحتى يقال للرجل ما أجلده ما أظرفه ما أعقله وما في قلبه مثقال حبة من إيمان».
أي أن رسول الله -صلى الله عليه وسَلَّم- يشير إلى أن مقاييس البشر في تقييم النفس لن تكون علـى منهج الله وإنما تكون على منهج العقل وإنما علـي منهج الظرف وخفة الروح فمقاييس الله طرحت وأصبحت في تقييم الناس هي مقاييس الأرض وأوضاع البشر والحق سبحانه وتعالى الذي علم أن الغفلة تصيب الإنسان وعلم أن الجيل الغافل هو أول جيل يتسرب منه الانحلال ثم يأتي جيل أخر تشبع بالجيل الغافل فأصبح جيلًا يقلد فيما بعد فيجتمع على الأجيال التي بعد هذين الجيلين عامل الغفلة في الذات وعامل تقليد البيئة ولذلك يقول الله ليقطع ذلك العذر ﴿أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ﴾ (سورة الأعراف:172) أو تقولوا «أي احتجاجًا بالبيئة» «إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم» وليقطع الله هذه المعاذير من الغفلة والأسوة بالبيئة ماذا صنع؟ لم يترك الله عهد آدم لينقله آدم إلـى ذريته وذريته إلى ذريته وهكذا وإنما رحمة بالخلق أرسل من بين فترة وأخرى رسولًا يذكر الناس من جديد بالمنهج ويبشرهم وينذرهم وبعد ذلك حين علم الله اكتمال رشد الإنسانية بعث الله المذكر النهائي وهو رسول الله محمد -صَلَّى الله عليه وسَلَّم- والبشير الذي ليس بعده بشير ولا نذير فقد انقطع إرسال السماء عن الأرض ولم يبق إلا إرسال المعونة والمدد إلى معونة القائمين على أمر الله لذلك كانت أمة محمد بمثابة الأنبياء في الأمم السابقين كما أراد الله من رسوله أن يكون شهيدًا عليهم أراد من أمته أيضًا أن يكونوا شهداء على الناس؛ إذًا فكل فرد في أمته مطلوب منه أن يكون امتدادًا لرسالة محمد -صَلَّى الله عليه وسَلَّم- ولهذا حفظ الله كتاب المنهج، حفظ الله المعجزة حتى لا يكون لأحد في المسلمين عذر كما وجد للمتخلفين في الديانتين القديمتين اليهودية والمسيحية فقد حرف كتابهم بكثير من ألوان التحريف فشاء الحق أن يقطع على أمة محمد هذا العذر فحفظ هـو الكتاب ولم يتركه ليحفظه المسلمون حتى يكون الكتاب دائمًا موثقًا وإذا أردنا أن نستعرض المطلوب من أي منهج في الأرض أو أي منهج صدر عن السماء ماذا يراد من المنهج إلا أن يقود الأمة قيادة بسيط الشعائر وقيادة مستوعبة لكل قضايا الحياة؛ فلا توجد في الحياة قضية إلا ولها غطاء من مبادئ الدين وقواعده وأصوله وفروعه وماذا يراد من منهج ينظم حركة الإنسان وحركة البشرية إلا أن يكون ذلك المنهج متمشيًّا مع قوانين الكون كلها فلا شذوذ لمبدأ مع قانون في الوجود لأن الوجود إنما هو صنعة الله والمنهج من صنعة الله وهو محفوظ بصفة من صفات الله وهي كلامه فماذا يريد الناس من منهج إلا هذا؟ نص موثق لا أقول موثق بشهادة المسلمين، ولكنى أقول موثق بشهادة أعداء المسلمين ومنهج بعد توثيقه مستوعب لكل قضايا الحياة ومنهج متماشٍ مع حقائق الوجود وأسرار الكون التي يكتشفها النشاط الذهني ومنهج بسيطلل شعائر والتعبُّدات، منهج كل عناصره هذه فماذا يريد الناس من منهج سواه؟
إذا التفت الناس إلى منهج سواه فإنهم يريدون أن لا يخضعوا لدين الله ويريدون الله أن يخضع لأهوائهم ولذلك يقول الحق ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ ﴾)سورة الحجرات:16) يقول قائل قد عمت الفتنة وطمَّ الفساد وأصبح المجتمع على ما نرى فلا بد من أن يتصرف الإسلام في مبادئه ليتمشى مع حال العصر نقول له يا هذا إنك تريد الله على دين البشر ولا تريد البشر على دين الله وإذا كانت السماء ستهبط بمنهجها إلى مستويات أفكار الناس وواقعهم فمن إذا يكون المشرع أن المشرع سيكون هو المتبع وإذا فلا معنى لعبودية الإنسان لربه ولا معنى لقضية الإيمان من أساسها.
إنما جاء دين الله ليرفع البشر إلى مستوى التقنين من الله لا ليهبط التقنين إلى مستوى واقع البشر ولذلك قلت سابقا أن المتأمل في منهج الله يقول: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾) الأنعام:151) ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾. (آل عمران:64) تعالوا لا تفسروها بمعنى أقبلوا فإن تفسير تعالوا بمعنى أقبلوا يفقدها مراد الله من اللفظ لماذا؟ لأن الحق لا يدع لفظا بدل لفظ إلا وللفظ الآخر إيحاء قوي يعرفه من يتدبر -أي القرآن- ومعنى يتدبرها لا ينظر إلى واجهات الألفاظ ولكن ينظر إلى أدبار الألفاظ وإلى خلفيات المعطيات يقول الحق تعالوا لا يقال تعال إلا لمن كان في الحضيض فتقول له ارتفع لتأخذ منهجك عن ربك ولا تنتظر بنفسك حتى تكون في حضيض البشرية تعالوا إلى ما أنزل الله إذا فمنهج الله يرفع الخلق إلى منهج الخالق ولكن البشر الآن لعدم قدرتهم على نفوسهم يودون أن يتفاعل القرآن بواقعهم وأن يتفاعل الإسلام بمجتمعاتهم حتى نصبح نحن المقننين، وليتنا نحن المسلمين الذين نقنن ولكنا نستورد العادات ونستورد التقاليد ونستورد الانحراف ومبادئ الإلحاد من قوم إما ملحدين لا يعرفون الله وإما قوم يعرفون الله ولكنهم يجهلون المنهج الحق عن الله، إذا فسينتقل الأمر لا إلى تشريع المسلمين لأنفسهم ولكن لتشريع الملاحدة بالله، لمَ خلق الله وذلك أمر يأباه العقل والمنطق والذوق السليم؟
الدين الإسلامي هو الدين الوحيد الذي تميز بسمو هذه العنــاصر وصفائها لا أقول بشهــادة المسلمين لأن المسلمين قد يتعصبون لدينهم ويقولون فيه ما يشاؤون ولكن بشهادة بعض المنصفين من أعداء الإسلام ولا أحتج بشهادتهم لأني أريد أن أوجد الدليل من قول خصوم الإسلام ولكن على طريقة وشهد شاهد من أهلها وهل معنى ذلك أننا نثق في كل من قال عن الإسلام من خصوم الإسلام؟لا.
إن خصوم الإسلام حين يريدون هدم الإسلام كيف يهدمونه؟
إنهم يكتبون عن الإسلام ويكتبون في بعض قضاياه كلامًا حقًّا حتى يطمئن المسلم إلى أنهم منصفون فإذا ما اطمأن المسلمون إلى أنهم منصفون يكفي الواحد منهم أن يدس في كتابه هذا قضية إلحادية تشكيكية واحدة لا ضرورة أن يكون كل كتابه تشكيكًا وإلحاديًّا ولكن يقول الحق في قضية فتقول إنه منصف ثم يقول الحق في قضية أخرى فتقول إنه منصف فإذا ما استقر في ذهنك إنصافه استغفل النسان ودخل وتسلل بقضية واحدة أو بقضيتين تشكك في الإسلام كله لا بعضه فأنت قد عرفت أنه منصف فستأخذ القضية الأخرى على ثقة إنصافه وإذا أخذتها على ثقة إنصافه تَقَرَّرت حقيقة تشكيكه في مبدأ دينك؛ إذًا فليس معنى أني أستشهد بهم أن كل ما قالوه صحيحًا ولكنـي أستشهد بما قالوه صدقًا حتى يربو الثقة فيما كتبوا عند المسلمين ليتسللوا بعد ذلك إلى ما يريدون، أما النص الموثق فأنا لا أقول قال الله فيه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. (الحجر:9) وإن كان المسلم يكفيه في أن الله شهد له هذه الشهادة ولكني أقول ذلك لمن يتشككون شيئًا ما، أقول خصوم الإسلام ذاتهم شهدوا بذلك، لماذا شهدوا؟
لأنهم فقدوا الصفة هذه وهي صفة الحفظ والتوثيق لمنهـج الله في الكتابين القديمين التوراة والإنجيل وكيف لم يثقوا في توثيقهما لأنهم قرؤوا الكتابين بإمعان فوجدوا في الكتاب الواحد تضاربًا لا في إصحاح وإصحاح ولا في سِفر وسِفر ولكن في فقرة من إصحاح واحد أمام فقرة من إصحاح آخر فأسِفوا لذلك وتحسروا فحين نظروا قضية القرآن للتوثيق والتثبيـت والتمكين لم يسعهـم إلا أن يشهدوا بما أقوله لكم الآن هذا «وليم وير» في كتابه «حياة محمد» يقول في القرآن «معنى أدى مقتل عثمان إلى قيام شيع متعصبة ثائرة زعزعت ولا تزال تزعزع وحدة العالم الإسلامي بيد أن كتابًا واحدًا قد ظل قرآنها جميعًا وهذا الإجماع منها على اختلاف العصور على كتاب واحد حجة قاطعة على أن النَّص الذي بين أيدينا إنما هو النَّص الذي جمع بأمر الخليفة والأرجح أي في بحث التوثيق أن العالم كله ليس له كتاب غير القرآن ظل اثني عشر قرنًا بنَصِّه هذا مبلغ صفاته ودقته والنتيجة التي نستطيع الاطمئنان إلى ذكرها هو أن مصحف زيد وعثمان لم يكن دقيقًا فحسب ولكنه كان كما تدل عليه الوقائع كاملًا وإن جامعيه لم يتعمَّدوا إغفال أي شيء من الوحى ونستطيع أن نؤكِّد كذلك استنادًا إلى أوثق المصادر أن كل آية في القرآن دقيقة في ضبطها كما تلاها محمد» تلك هي شهادة «وليم وير» ثم يأتي بعد ذلك « فونهارد » و «لامنس» و «اربسونت» وبعد ذلك يجيء «بوز» ويؤكدون هذه الحقيقة فيقول «اربسونت» مثلًا «وقد ظل القرآن كما هو حتى اليوم بدون أي تحريف في جزء من أجزائه لا من المتحمسين له ولا من ناقليه إلى لغات أخرى ولا ممن يتربصون به الدوائر وهو موقف لم يقفه مع الأسف أي كتاب من كتب الديانتين القديمتين» ثم يقول «بوز» بعد ذلك «لذلك فلم تكن هناك فرصة لتحويل أي شيء في القرآن ولو بوازع الحماس له وهو موقف فذ انفرد به القرآن عن سائر الكتـب القديمة التوراة والإنجيل هذا من ناحية توثيق النص إذا فالنص الذي يحمل منهج الله نص موثق على أنه هو الصادر من الله فلم يعتوره شيء مما اعتور كتب الديانات السابقة الأخرى» هذا من ناحية توثيق النص أما من ناحية بساطة الشعائر فإن «بودلي» المستشرق الأمريكي يقول: «لو أن القديس بطرس عاد إلى روما لامتلأ عجبًا من الطقوس الدينية الفخمة وملابس الكهنوت المزركشة والموسيقى الغربية المقرونة باسمه في المعبد ولم يعد له البخور والصور والرقى أي شيء من تعاليم سيده المسيح ولكن لو عاد محمد إلى أي مسجد من المساجد المنبثة بين لندن وزنجبار فإنه سيرى نفس الشعائر المبسطة التي كانت تقام في مسجده بالمدينة المبني من الأجر وجذوع الأشجار هذا هو الفرق بين بساطة المنهج وتعقيدات المحرفين» وإذا أردنا استيعاب لأقضية الحياة فإن «إدوارد كيو» الإنجليزي يقول فيها: «إن فيلسوفًا مفكرًا ذا دماغ فلسفي لا يتردد لحظة واحدة في قبول وجهات نظر الإسلام فإن الإسلام دين أرقى من تفكير البشر» وإذا أردنا امتزاج الإسلام والقرآن بالكون فإن «إليكسي لوازون» الفيلسوف الفرنسي يقول «وقد خلف محمد للعالم كتابًا هو سجل البلاغة والأخلاق وهو الكتاب الوحيد الذي تنسجم قضاياه مع قضايا الكون الكبرى فالانسجام تام بين حقائق الكون وتعاليم الإسلام مع ما نبذله نحن للتوفيق بين المسيحية وقوانين الحياة منهج موثق مستوعب لكل قضايا الحياة بسيط الشعائر لا يتعارض مع قوانين الوجود بل بالعكس يتماشى معها تمشايًا منسجمًا لأن قائل كتاب الاسلام وهو القرآن هو نفسه خالق ذلك الكون وما دام قائل القرآن هو خالق الكون فلن تتضارب حقيقة في القرآن مع حقيقة في الكون أبدًا ذلك هو دين الله» وبعد ذلك رحمة بالعالم استأمن الله المسلمين على أن يظلوا حاملي هذه الحجة ولم يستأمن الأمم قبلهم فكان ولا بد أن تقوم الأمة بما قام الرسول، إذا فكل الذي يقوم بمنهج الدعوة إلى الله تبشيرا بالإيمان به أو تذكيرًا لغافل عن منهجه أو ضربًا على يدي أي عابث يريد أن يكسر حدود الإسلام أو ينحرف عن قانونها تلك مهمة النبوة المحمدية، يريد الله أن تكون في هذه الأمة ولذلك جعل الله خيرية هذه الأمة هي العنصر الوحيد، هذ العنصر الوحيد في الخيرية هي أن تقوم بهذه المهمة تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر.
فإن تخلِّينا عن هذا العنصر فلا خيرية لنا والذين يواجهون هذه المهمة يواجهون مهمة صعبة ولكنا نريد أن نتدارس المنهج الذي يكون عليه الداعي لهذه المهمة قد تستشرف نفس المؤمن الغيور على الإيمان أن يستوعب إسلامه وإيمانه كل أجزاء الكون وأن يبشر بالإسلام عند غير المسلمين نعم ذلك طموح إيماني يجب أن يكون في نفس كل مؤمن ومسلم، ولكن مَن الذي يُبَشِّر ومَن الذي ينساح ومَن الذي يحمل الدعوة ليبشر غير المسلمين بالإسلام لا بد أن تكون الخلية التي تقوم بذلك هي النموذج الحق لمنهج الإسلام علمًا وتطبيقًا؛ فبالعلم ينشرون المبادئ وبالتطبيق يضعون الأسوة، ولا نهوض لمبدأ إلا بنشر مبادئه علمًا وتبليغًا وبتثبيت مبادئه سلوكًا وتطبيقًا ولذلك القرآن ينعى على الذين يقولون ما لا يفعلون، إذا فلا بد من أن يكون الداعية على علم بما يدعو إليه وأن يكون هو الأول المنفعل للعلم تطبيقًا وسلوكًا ولا يتم ذلك إلا إذا كنا كما قلت سابقًا بادئين بشيء واحد هذا الشيء الواحد هو أن نُثَبِّت الإسلام في نفوس المسلمين أولًا فإذا ما ثبَّتنا الإسلام في نفوس المسلمين أولًا ثم حملناهم على التطبيق إن ذاقوا حلاوة المنهج أو ردعناهم بالسلطان إن انحرفوا عنه سلوكًا فإننا سنجد جيلًا نموذجيًّا مثاليًّا في الأسوة والتطبيق.
والناس نوعان، نوع تقنعه الحجة وهم العقلاء ونوع يقنعهم السلطان وهؤلاء هم السفهاء وبذلك يقول الشاعر في العناصر التي يجب ان يسيطر بها منهج ما:
فَمَا هُوَ إلاَّ الوَحْي أَوْ حَدٌّ مُرْهَف... يُقيم ظباه أَخْدعَيْ كلِّ مائلٍ.
فَهَذا دَوَاءُ الدَّاء من كُلِّ عَاقِلٍ... وذَاك دَوَاءُ الدَّاءِ من كُلِّ جاهل.
فإذا لم يوجد القرآن مع السلطان فسينحرف السلطان وإذا لم يوجد السلطان مع القرآن فسيختفي منهج القرآن ولا أقول القرآن؛ فالإسلام أُس والسلطان حارس وما لا أُس له يُهدم وما لا حارس له ضائع؛ إذًا فيجب أن تكون أصول الدعوة في الأمة الخيرة التي اختارها الله لتشهد على الناس جميعًا قرآن وسلطان وحي وسنان.
هذا يقيم الحجة عند كل عاقل وهذا يقيم صعر كل جاهل، وإذا أردنا أن نستعرض وجوه الإصلاح التي تقصد للنهوض بهذه الدعوة وجب أن يربي الداعي تربية تناسب العقلية التي يعيشها العصر تربية تستطيع أن تواجه كل نطاق بفكر نطاقه؛ لأنه كما قلت سابقًا كان يكفي قديمًا والعقل فِطري لا غرور له أن تقول له قال الله وقال الرسول ولكن الآن بعد وجود مبادئ وافدة لها وسائل إعلامها ولها زخارف الدعاية بها ولها جمال الشعارات وخاصة إنها تتفق مع شهوات النفس فهي تضع المبادئ التي تريدها ولكنها تترك الأخلاق كما يريدها الناس ومنهـج القرآن غير ذلك؛ يعطى المبدأ ليعطيك شيئًا ينفعك في الحياة ولكن يقابله واجب هو أن تتمسك بالقيم وأن نتمسك بالخلق ولكن مبادئ الأرض ومناهج البشر والتقنيات الوضعية حين تأتي لك بمبدأ برَّاق له شعار مستميل جذَّاب فإنها لا تطلب منك شيئًا تطلب منك أن تفرض عليك هذا المنهج ولكنها لا تطلب منك أن تُقَيِّد أخلاقك بسلوك ولا أن تُقَيِّد حركتك في الحياة بمنهج؛ فأنت تجد زخرفًا في شعارات ولا تجد تقييدًا بقانون وهذا ما تحبـه النفس، تحب أن تنطلق لتأخذ خير ما في الحياة ولا تحب أن تتقيد أمام الحياة بواجب؛ لذلك هذا هو السبب الأصيل في أن مناهج البشر قد تُغري الناس..لماذا؟
لأنها تعطيهم المبادئ البرَّاقة المُزخرفَة المستميلة، ولا تطلب منهم شيئًا، لا تطلب منهم تحديد حرياتهم لا في ملبس ولا في مأكل ولا في مشرب ولا في سلوك؛ ما أجمل هذا المبدأ الذي يعطيني زخرف الحياة ولا يتطلب مني شيئًا بعد ذلك، يُقَيِّد حركة حياتي ولذلك تجد هذه المبادئ تستميل أصحاب الشهوات والشباب في مراهقاتهم، ولكن العاقل حين يقارن مبدأ السماء، لكن متى يكون ذلك؟
إنه بعد أن تهدأ شرة حياته وبعد أن يهدأ إسعار الغرائز فيه أي في وقت متأخر ولذلك إذا استعرضنا طائفة المفكرين والمثقفين الإسلاميين في عصرنا الحاضر ولأضرب مثلًا بقطاع مصر مثلًا فإنا نجد في العشرينات وفي الثلاثينات طائفة من القوم الذين شهد لهم الناس بالتفوق وشهد لهم الناس بالنبوغ وأصبحت لهم مدارس تسيطر على صياغة عقول الشباب وعلى أفكار الناشئين ولهم معجبوهم ولهم مريدوهم مثلًا وجد طه حسين ووجد منصور فهمي ووجد إسماعيل مظهر ووجد قاسم أمين كان لهم حظ من ثقافة؛ فَبَهَروا العصور التي كانت متأخرة بهذه الثقافات، غرَّهم مركزهم في الكون وغرَّهـم وضعهم في القيادة في مصـر أنهم فُتنوا بثقافاتهم وفُتنوا بعقولهم فأنكروا كل ما هو غيبي وأخذوا يؤوِّلون في القرآن حتى ينسجم القرآن مع العقل ولــم يرتفعوا بالعقل لينسجم مــع القرآن؛ إذًا فالمطلوب من كل مُصلِح حين توجد قضية دينية قد يقف العقل فيها أن لا تأخذ القرآن وتلوي القرآن لينسجم مع عقلية العصر حتى يقال إن الدين مناسب لكل زمان ومكان، معنى مناسب لكل زمان ومكان أي أنه يوافق كل ما يأتي به الزمان والمكان لا أنه لا يتعارض مع ما تتطلبه قضية الحضارة والمدنية ولا قضية الانطلاق الذهني لكن ليس معنى ذلك أنه إذا جاء الزمن بشيء فإن القرآن يوافقه نقول له كما قلت سابقًا لا تنزلوا بالقرآن إلى مستوى الناس ولكن ارتفعوا بمستوى الناس إلى مكان القرآن، هؤلاء القوم فُتنوا بزعامتهم وغُروا بالثناء عليهم وخدعهم المعجبون بهم وجاءت الصحافة التي كان يسيطر عليها الاستعمار فنفخت في هذه الأشياء نفخًا جعل منهم قادة وجعل منهم صُوَّاغ فكر وصناع نفوس؛ أقول لهم وبعد ذلك ماذا كان حين هدأت شرة شهواتهم و انطفأ شبابهم وعرفوا يقينًا أنهم مقبلون على الله بما أرسل لهم من نذر الشيب وبوادر الشيخوخة التفتوا ثانية إلى الله وحاول كل إنسان منهم أن يُكفِّر عن ما مضى«۱» من زمانه يكتب كل واحد منهم في الإسلام.
وتصوف منصور فهمي الذي كان ملحدًا تصوف لم يقف حتى الموقف الوسط وهو الشعائر العبادية بدون خلوة صوف وماذا كان من أمـر طه حسين كتـب هامش السيرة وكتب الوعد الحق وكتب ما كتب في الإسلام؛ لماذا؟ لأنه عرف يقينًا أنه مقبل على الله فهو إن خدع الأجيال لن يخدع نفسه؛ لذلك أقبل على لله من جديد وكان آخر حديث أخذ له بالتلفزيون أن سُئل سؤال قالوا له:
ماذا تسمع من الأحاديث في الإذاعة قال أنا لا أستمع في الإذاعة إلا إلى المصحف المرتل -ما شاء الله- ما الذي هداك؟ وما الذي جاء بك إلى الله بعد أن نأيت عنه؟ فإذا ما سألته أنت هذا السؤال وقد يكون إنسان ما قد سأله له في بعض لقاءاته يقول: الذى يؤمن بعد الشك أحسن من الذي يؤمن بادئ ذي بدء بالإيمان ذلك تبرير لفترة فكرية من فترات حياته فتقول له وما الذي يضمن لك إنك ستعيش بعد فترة الشك إلى أن تؤمن بالله قل لي يا «طه» إلى ماذا وصلت بعد شكك وبحثك وفلسفتك قال: وصلت إلى الإيمان بالله وقرآن و نبي قلت، هذه القضية هي التي وصل إليها الأمي من أول الأمر فكأنك لم تزد شيئًا وكأنك لم تنتفع بتجارب من سبق لا «بالفخر الرازي» ولا «بالجويني» ولا «بالغزالي» الذين قالوا ما قالوا:
نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال
ولم نستفد في بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقال
وبعد ذلك جاءت موجة ثانية وليتهم انتفعوا بالموجة الأولى، جاءت موجة «خالد محمد خالد» وموجة مصطفى محمود «[]» الذي قال الله خرافة وكتب كتاب الله وقال عن الله أن الله في رأيي هو المأذون الذي يجمع رؤوس بناتي بأزواج أغنياء هذا هو الله، الله في نظر جدي هو الطبيب الذي يداوي مفاصله من الروماتيزم، الله في نظر الهندسة الكونية هو «آنشتاين» بعد ذلك ماذا كان؟ انقلب الآن إلى داعية إسلامي!! انقلب الآن إلى مخبول مجذوب انقلب الآن حتى إنه لم يعد يرعى هندامه وشُغل بالقرآن وبالحديث وبالله وبمنهج الله كذلك «خالد محمد خالد» كانت له هذه المسألة فإذا كانت التجارب الفكرية التي مرت بنا توحي بهذا فعلى أي شيء تدل؟
تدل على أن النهاية التي يصل إليها المفكر والفيلسوف هي البداية التي يبدأ بها الأمي الذي قيل له الله موجود بأبسط دليل، الكون وصنعته ونظامه الدقيق دليل على وجود صانع هو الله والذي يصنع هذه الأشياء المنظمة المنسقة التي لا تتعارض دليل على أنه قادر ودليل على أنه حكيم والذي يضع منهجًا لا بد أن نرجع إليه لنحاسب على المنهج أحسنا فيه أم أسأنا إليه؟ كلام يمكن أن يأخذه المسلم في ساعة؛ إذًا فيجب أن نعلم الناس أن تجارب المفكرين وخاصة الإسلاميين قد أعادتهم إلى حظيرة الإسلام فكما أفدنا نحن مـــــــن التجارب المادية للعلماء السابقين ولم نبدأ أي مخترع ببدايـة تجاربه.
●البقية في العدد القادم.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل