العنوان محاكمة بليانا بلافاشيتش.. نموذج فاضح لـ«العدالة» الدولية
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 28-ديسمبر-2002
مشاهدات 48
نشر في العدد 1532
نشر في الصفحة 41
السبت 28-ديسمبر-2002
مسؤولة عن قتل عشرات الآلاف من المسلمين في البوسنة.. توصف بالشجاعة وتلقى الحفاوة في محكمة مجرمي الحرب وتعاد مكرمة إلى صربيا
عادت بليانا بلافاشيتش الرئيسة السابقة لصرب البوسنة إلى العاصمة الصربية بلجراد بعد أن قضت خمسة أيام في لاهاي حضرت خلالها إحدى جلسات محاكمتها التي خصصت للاستماع لأقوال الشهود وتعليقات الادعاء. وقد عوملت داخل قاعة المحكمة وخارجها، وكأنها رسول سلام وليست مجرمة حرب. واعتبر موقفها الذي لم يكن سوى خضوع مطلوب المقتضيات العدالة، وكأنه صك براءة من التهم، ولا شك أن إقرار بليانا بالذنب شيء محمود، لكنه لا ينبغي أن يؤدي إلى اغتصاب العدالة، كما حدث في هذه القضية.
التحول المريع
ولم تكتف محكمة لاهاي بجعل إقامة بليانا وكأنها نزهة سياحية مرفهة، بل تحول الاتهام إلى مديح، والشجب إلى إشادة، وليتصور القارئ أن مجرمًا قتل ۲۰۰ ألف من بلده، وبعد ذلك قال أمام المحكمة أنا أسف فهل يكون ذلك مبررًا لوصفه بالشجاعة؟!
التحول.. بل التحيز خرق جدار الادعاء فالمعروف في المحاكم على مختلف تصنيفاتها ومستوياتها أن الادعاء يطالب دائمًا وفي كل الأحوال بإنزال أقصى العقوبات على المجرم، لكننا في لاهاي شهدنا فصلًا مسرحيًا بأتم معنى الكلمة. حتى كارلا ديل بونتي ممثلة هيئة الادعاء بمحكمة جرائم الحرب التي كان ينظر إليها على أنها تتصف بالحزم غيرت أسلوبها في الحديث وبدت وديعة، عندما طلبت من القاضي إنزال عقوبة بالسجن لمدة تتراوح بين ١٥ و ٢٠ سنة سجنًا بحق بليانا قالت ذلك وهي تبتسم، في إشارة فهم منها أنها تطلب الرحمة، وكأنها محامي الدفاع. وليست ممثلة الادعاء
أقوال الشهود
في اليوم الثاني من المحاكمة أدلى عدد من الشهود بأقوالهم منهم مادلين البرايت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة بشهادتها أمام المحكمة. ووصفت الحرب البلقانية بأنها أشبه بالحرب العالمية الثانية، وقالت إنها اطلعت على صور فظيعة من الحرب كالاغتصاب، حيث تم اغتصاب النساء والفتيات أمام عائلاتهم والقتل وإقامة المقابر الجماعية ومعسكرات الاعتقال لغير الصرب، وتحدثت عن زياراتها لمنطقة البلقان وخاصة العاصمة البوسنية وإنها تحدثت لضحايا وشهود مذابح السوق بوسط سراييفو وقالت: كان ينظر ليوغسلافيا على أنها بلد تتعايش فيه القوميات المختلفة، ولكن ما حدث في الحرب، كشف عن وجود أحقاد دفينة، وأصبح الصرب الذين كانوا من ضحايا الحرب العالمية الثانية، مجرمي حرب في البلقان، واتهمت بليانا بأنها كانت أحد المسؤولين عما حدث في البوسنة لكنها بعد توقيع اتفاقية دايتون بقيت قومية صربية إلا أنها غيرت مسارها السياسي أما کارل بلت الممثل الدولي السابق، وهو سويدي، فقد تحاشى الحديث عن جرائم الحرب، وغرق في التعميم، وركز جل حديثه على المهجرين دون التطرق لأسباب تهجيرهم ومن قام بذلك كعادة معظم السياسيين الغربيين عندما يتحدثون عن آلام المسلمين واصفًا اتفاق دايتون بأنه «كان نهاية اللعبة» وتحدث عن كيفية استخدام الرئيسين اليوغسلافي والكرواتي السابقين سلوبودان ميلوسوفيتش وفرانيو توجمان في الضغط على صرب وكروات البوسنة ولا سيما في أثناء توقيع اتفاقية دايتون بينما «بقي البوشناق المسلمين في الوسط، ووصف بليانا بأنها كانت شجاعة عندما تحملت المسؤولية عن جرائم الحرب وكانت قد أعربت عن موافقتها وقبولها باتفاقية دايتون عكس الصرب الآخرين من الحزب الديمقراطي الصربي الحاكم وقتذاك»، وقال: «لم يتم جلبها أو اعتقالها، وإنما جاءت بمحض إرادتها، واعترفت بدورها، وهذا ما لم يفعله الكثيرون غيرها»، وتابع: «كانت تؤيد التعايش المشترك بين الصرب والكروات والبوشناق وهذا ما كانت تختلف فيه عن كرانيتش» وقال الشاهد الثالث روبرت فروفيك -الذي قدم للبوسنة بعد توقيع اتفاقية دايتون كرئيس أول المنظمة الأمن والتعاون الأوروبي بعد توقيع الاتفاقية «إن مهمته كانت تتمثل في ثلاثة محاور هي «الإشراف على الانتخابات، ودعم الديمقراطية وتعزيز حقوق الإنسان، والمساعدة على تفعيل الاستقرار السياسي، والمصالحة في المنطقة». وقال: «الصرب لم يكونوا راضين باتفاق دايتون، وكانت بليانا بلافاشيتش عكس التيار السائد في صفوف الصرب وتحديدًا الحزب الديمقراطي الصربي الذي كان يقوده رادوفان كرانيتش».
ماذا قال الضحايا؟
وكانت محكمة لاهاى قد استمعت لثلاثة شهود بوسنيين، وتحدث مرصاد توكاتشا رئيس اللجنة الحكومية لرصد جرائم الحرب عن تهجير المسلمين من جميع المناطق التي سيطر عليها فيها المدن التي كانوا يمثلون فيها الصرب بما الأغلبية مثل فوتشاء وينيالوكا، وسانسكي موست وبريدور، وسريبرينتسا وغيرها، حيث كانت تتراوح نسبة المسلمين بين 51 و ۸۰% وقال «بعض العائلات قتل جميع أفرادها أو معظمهم. وهناك ٨٥٠ قرية محيت من على وجه الأرض ولم يبق لها أثر» وتحدث عن قتل الأئمة، واغتصاب النساء، وقال: إنه في سنة ۱۹۹۲م قتل ما لا يقل عن ٥٠ ألف نسمة، وكان الناس يعيشون في خوف وهلع، ومن لم يطرد كان ينتظر في كل لحظة من يطرق الباب ليقتله أو يهجره وتحدث عن ١٤٠٠ مسجد تم هدمها، وقال إن عدد القتلى في الحرب يفوق ٢٠٠ ألف نسمة وقال القاضي عادل دراغونوفيتش الذي كان قاضيًا في منطقة سانسكي موست سنة ١٩٩٢م إن مجرمي الحرب خططوا ونفذوا وخرقوا القانون الدولي. في ٣٧ بلدية أقيمت معسكرات اعتقال لغير الصرب، وكان أغلبية الضحايا من البوشناق المسلمين، وعدد قليل من الكروات، وبعض الصرب الذين رفضوا حمل السلاح وجميعهم تعرضوا للتعذيب البدني بشكل متفاوت حسب المستوى التعليمي والقومية. وروى القاضي كيفية اعتقاله ووضعه في السجن، حيث قالوا له إنه سيكون أول رأس يطيحون به، وقال إنه شاهد داخل المعتقل قتلى تمت تصفيتهم على يد الصرب، وقال «إن الذي كان يخرج من المعتقل يشترط عليه من قبل الصليب الأحمر أن يغادر البوسنة دون رجعة ويوقع على ذلك في وثائق» وقالت صديقة إبراهيم أفنديتش -أخصائية علم النفس- في شهادتها إن الحرب تسببت في أمراض نفسية وعصبية ستبقى ١٠٠ عام.
ورغم كل ما ارتكبته بليانا وغيرها من المجرمين الصرب فقد وجد محاميها روبرت بافيتش الشجاعة ليطلب من المحكمة عدم إصدار حكم بالسجن على موكلته يزيد على ثماني سنوات، وكأنها لا تستحق الإعدام. ويقول البعض: إن المحكمة قد تصدر حكمًا مخففًا على بليانا، ثم يطلق سراحها بعد سنة أو أكثر تحت لافتة «الأسباب الصحية» وتحيا العدالة الدولية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل