; محاكمة نائب وزير الخارجية الأمريكي | مجلة المجتمع

العنوان محاكمة نائب وزير الخارجية الأمريكي

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-1994

مشاهدات 66

نشر في العدد 1090

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 01-مارس-1994

بعدما نجح اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة قبل عدة أسابيع في إجبار بوب إينمان، مرشح الرئيس الأمريكي كلينتون لمنصب وزير الدفاع الأمريكي، على سحب ترشيحه، تحولت قاعة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأمريكي في الثامن من فبراير الماضي إلى قاعة محاكمة من قبل اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة. المرشح الرئيس الأمريكي بيل كلينتون لمنصب وكيل وزارة الخارجية الأمريكية، ستروب تالبوت، الذي عمل في مجلة «تايم الأمريكية الدولية» طيلة اثنين وعشرين عامًا، قد كتب خلال حياته الصحافية مقالات كثيرة ينتقد فيها النفوذ الصهيوني في الإدارة الأمريكية والدعم الأمريكي اللامتناهي لإسرائيل.

وكان إعلان الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ترشيحه لتالبوت في نهاية ديسمبر الماضي إشارة البدء من قبل المنظمة الصهيونية الأمريكية والائتلاف الوطني اليهودي، وهما من أكبر الجمعيات الأمريكية الصهيونية، كي تشن حملة شعواء ضد ترشيح تالبوت لم تقف عند حد توجيه الاتهامات له بمعاداته للصهيونية ومصالح «إسرائيل» العليا.. بل سعت لدى الأعضاء اليهود وحلفائهم في مجلس الشيوخ والكونغرس من أجل إلغاء ترشيح تالبوت أو إعلان توبته العلنية عن كل ما نشره أو تحدث به من قبل عن «إسرائيل» ومصالحها، وأن يعلن ولاءه التام للسياسة الأمريكية الداعمة لإسرائيل، وأن أمن «إسرائيل» ومصالحها هما الغاية التي ينبغي على أي مسؤول أمريكي رفيع المستوى أن يسعى لتحقيقها بغض النظر عن توافق ذلك أو اختلافه مع مصالح الولايات المتحدة.

وكان مورثون كلاين، رئيس المنظمة الصهيونية الأمريكية، قد أعد دراسة من 8 صفحات عن كتابات تالبوت المعادية لإسرائيل واليهود، وطالب أعضاء الكونغرس بعد توزيعها عليهم بسحب ترشيحه.

وفي أغرب محاكمة يتعرض لها مسؤول أمريكي أمام الكونغرس، وقف تالبوت أمام عدسات التلفزيون، معلنا التوبة والولاء التام لإسرائيل. أعلن أنه قد اهتدى الآن إلى الطريق المستقيم، وأن المقال الذي كتبه في مجلة «تايم» ونُشر في 7 سبتمبر 1981م، لم يكن سوى «انحراف عن المعتقدات الجوهرية في غمرة سخونة المعركة الجدلية والصحفية». وقال تالبوت: «ببساطة لقد غيرت رأيي، وإسرائيل هي دولة خاصة جدًّا في العالم بالنسبة للولايات المتحدة لأسباب عديدة بما فيها دورنا الذي نفخر به في ولادة «إسرائيل» وأن الالتزام الأمريكي بإسرائيل له مقوماته الأخلاقية وأسبابه الجغرافية والسياسية».

ورغم هذه التوبة العلنية والتراجع الكبير الذي أبداه تالبوت معلنا أنه قد وعى الدرس الذي أراد الصهاينة أن يلقنوه إياه وأمثاله جيدا فإنه لم ينج من التوبيخ والتأنيب والتقريع من قبل ممثلي الصهيونية في الكونجرس.

فقد وقف السيناتور ميتزنيوم قائلا: ليس سرا أن عددا من المقالات التي كتبها تالبون قد أثارت عن الشرق الأوسط قد أثارت تضاربا، لكني أدرك جيدا أن تالبوت يعمل مع إدارة أمريكية ملتزمة بأمن «إسرائيل» واستقرارها ورفاهيتها، وأعتقد أن تالبوت يجب أن يفعل كل ما يستطيع لتحقيق هذا الهدف.

هنا تدخل تالبوت وقال: «إنني أريد أن أوضح موقفي من هذه القضية، لقد اعتقدت دائمًا أن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية صلبة ولا يمكن أن تتزعزع، وأن دعم «إسرائيل» والحفاظ على قوتها أمرٌ حيوي وفي مصلحة الولايات المتحدة؛ لأن قوة «إسرائيل» سوف تخدم هدف السلام والاستقرار في المنطقة».

وقف بعد ذلك السيناتور جيس هيلمز، ممسكًا بملف تالبوت في يده، وقال: «يا مستر تالبوت... لقد كتبت مقالًا منذ بضعة أعوام هاجمت فيه اليهود وقلت إنهم يشكلون قوة أكبر من عددهم في الولايات المتحدة وانتقدت حكومة بيجن». ثم أخذ يقرأ فقرات من مقال تالبوت، وفي الختام قال له: «إن ما أفعله الآن هو أن أعطيك فرصة لكي ترد علنًا أمام منبر مجلس الشيوخ على الشكاوى التي تلقيناها بالمئات حول كتاباتك. فماذا تقول؟»

أجاب تالبوت بانكسار، قائلا: «أنا ببساطة غيرت رأيي، والآراء التي عبرت عنها حول هذا الموضوع في هذا المقال قبل 13 سنة كانت انحرافًا عن مواقفي السياسية خلال معاركي الصحفية، ولم أعد متعلقًا بهذه المواقف القديمة. اعتقادي الآن هو أن «إسرائيل» هي حليف إستراتيجي وخاص للولايات المتحدة، واعتقادي هو أنه يجب ألا تقوم أمريكا بالضغط على تلك الدول التي تربطها بها علاقات خاصة».

وبعد نجاح الصهاينة في محاكمة تالبوت، خرجت الصحف الأمريكية في اليوم التالي وعلى رأسها «نيويورك تايمز» في عناوين رئيسية تقول: «تالبوت يتراجع عن انتقاد إسرائيل». ورغم التوبة العلنية والتراجع المخزي الذي أبداه تالبوت أمام أعضاء مجلس الشيوخ والكونجرس والشعب الأمريكي كله الذي كان يتابع المحاكمة أمام شاشات التلفزيون، إلا أن بعض الجماعات الصهيونية ظلت تطالب بسحب ترشيحه.

لكن اللافت في هذه المحاكمة التي قامت بها محاكم التفتيش الصهيونية في الكونجرس ومجلس الشيوخ، أن مصالح أمريكا الخارجية على مستوى العالم التي سيكون تالبوت مسؤولًا عنها بحكم منصبه كوكيل للخارجية الأمريكية وأقرب المرشحين للوزارة خلفًا لكريستوفر، لم تحظ باهتمام يذكر من قبل المحاكمين، كأنها لم تعد في الدنيا قضية يجب أن يهتم بها الأمريكيون، سوى ولائهم لإسرائيل على حساب ولائهم لبلادهم ومصالحها العليا وعلاقاتها الخارجية الأخرى.

لقد كسبت «إسرائيل» بولاء تالبوت دعمًا جديدًا وقويًا لمصالحها في الإدارة الأمريكية، وغير تالبوت جلده وتنازل خلال ساعتين عن أفكاره التي ظل يطرحها على صفحات «تايم» طيلة اثنين وعشرين عامًا. وأبرزت محاكمته حقيقة هامة، وهي الفارق الكبير بين الذين يكتبون من منطلق أن الكلمة أمانة والفكرة عقيدة، وبين الذين يكتبون من منطلق الترف الفكري ومجاراة الأمور.

لذلك فقد صدقت فراسة السيناتور جوزيف بايدن حينما رحب بتالبوت عند دخوله قاعة الشؤون الخارجية في الكونجرس، قائلا: «مرحبًا بالوجه الآخر للقلم الصحفي».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2043

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 1

1104

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان