العنوان محاولات لكسر الجدران
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 11-فبراير-2006
مشاهدات 56
نشر في العدد 1688
نشر في الصفحة 66
السبت 11-فبراير-2006
كثيراً ما نستمع من دعاة المادية والإلحاد والسائرين على خطاهم، أن الوجود المادي المنظور هو الوجود الأول والأخير. وألا شيء وراءه.. فكأنهم بهذا يحجمون دور الإنسان في العالم ويضيقون الخناق على نزوعه العميق للتحرر والتجاوز، ويصغرون مساحة الحياة.. يضغطونها بالأحرى من أجل أن تكون محصورة بين جدران المنظور والملموس.
لقد جاءت الأديان لكي تكسر هذه الجدران، وتمد الرؤية إلى أبعد مدى، ولكي تحرر الإنسان من الأسر في الحيز الضيق وتطلقه في العالم والكون على امتدادهما.. ولقد أكد القرآن الكريم على البعد الغيبي في عقيدة الإسلام وأفرد له مساحات واسعة، وجعله أحد الشروط الأساسية للإيمان، بل أهمها على الإطلاق.. إذ بدونه لن تتحقق أية تجربة إيمانية.. إيمان بم؟ بالله الذي لا تدركه الأبصار، وبعملية خلقه الدائمة التي تند عن إحاطة الإنسان ذي المنافذ الحسية المحدودة والقدرات العقلية النسبية، وبوحيه الذي ينقل للبشرية تعاليم السماء بواسطة أنبياء الله ورسله، وبمعطيات هذا الوحي البعدية من إيمان بالبعث والحساب والجزاء. ومن ثم كان أي تردد إزاء اليقينيات الغيبية التي يطرحها القرآن، أو التي تنبثق من أعماق البداهات الفطرية، إنما هو رفض للقاعدة التي لا يقوم بدونها إيمان.
وعبر أول مقطع في كتاب الله نلتقي بهذه البدهية التي تحرر الإنسان وتمد دوره إلى أبعد الآفاق ﴿ألم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) ﴾ (البقرة: 1 – 5) وتتوالى تأكيدات القرآن الكريم على (الغيب) بعد هذا فيما يزيد على الخمسين موضعاً..
إن الغيب في المنظور الإسلامي والديني عموماً، يشغل مساحة كبيرة في الفكر والتصور والسلوك، وفي صياغة الأحداث وتوجيهها.. ابتداء من خلق الأشياء والأحداث بقوة الكلمة الإلهية (كن)، والتي لا ندري بمقاييسنا النسبية المحدودة كنهها، وأبعادها، وانتهاء بمصائرنا اليومية الفردية والجماعية، والتي يختم عليها الموت الذي يجيء على حين غفلة متخطياً أي تحديد مسبق، متحدياً أية قدرة طبيعية على صده عن أداء مهمته ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ (لقمان: 34) ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾ (النساء: 78) ﴿قٌلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ (آل عمران: 154).
وبين هذا وذاك كل أحداث التاريخ ووقائعه التي أخذت هذا الاتجاه أو ذاك، واكتسبت هذه السمة أو تلك، والتي لم يكن الإنسان والطبيعة والواقع المنظور فيها سوى استمرار، حر أو مقدر، لما يدور في ساحة الغيب وفق مقاييس الحق والعدل الأبديين.
إن تجربة الإنسان منذ فجر تاريخه وحتى تقوم الساعة تشهدنا بعيداً عن الادعاءات، على امتداد مطامح الإنسان ورؤاه ومنازعه صوب عالم الغيب، وتجاوز جدران المنظور والملموس.. وهذه الرغبة في التحرر والامتداد إلى ما وراء النسبيات والحواجز المادية مركزة في جبلتنا الآدمية محفورة في ثنايا فطرتنا كحفر الخطوط المتعرجة الثابتة على إبهام كل إنسان ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) ﴾ (الأعراف: 172، 173).
إننا برفضنا الحقيقة الغيبية لا نقوم بتحجيم الإنسان وأسره وتضييق الخناق عليه فحسب، بل إننا نمارس عملية تزييف وتزوير في تفسيرنا للتاريخ البشري، ونلغي من حسابنا مساحات أساسية واسعة من فاعلياته ومعطياته، لا لشيء الا لأنها لا تخضع لمقاييس الحس وموازين التجريب المادي المباشر.. ولكن من قال إن وجدان الناس وعواطفهم وتكوينهم الفطري الأصيل وبداهاتهم ومنازع نفوسهم، بما تعكسه جميعاً من معطيات، إنما هي خارجة عن نطاق التاريخ؟ أليس هو تاريخ الإنسان؟ فكيف نستبعد من حركته وننفي من ساحته أشد تجاربه ومعطياته التصاقا بالوجود البشري؟ إنه ما دام هنالك موت يجيء فيحسم حياة الإنسان على الأرض ويكفها عن البقاء والامتداد، فإن معنى هذا أن يتوق الإنسان للتعويض عن هذا الانقطاع بالخلود في عالم آخر باق ممتد لا تقطع فيه ولا غياب.. ولقد جاءت الأديان لكي تمنح الإنسان فيما تمنحه معادلة منطقية متوازنة تمكنه من مجابهة تحديات الموت، وفق موازين إلهية عادلة وقيم فوقية شاملة يتجاوز بها الإنسان التخبط والارتجال في تجربته الدينية إزاء الغيب ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35) ﴾ (الأنبياء: 34، 35).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل