; محاولات لمحو سنة التدافع | مجلة المجتمع

العنوان محاولات لمحو سنة التدافع

الكاتب محمد السيد

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أغسطس-1998

مشاهدات 57

نشر في العدد 1312

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 11-أغسطس-1998

  • إنها عملية نزع لكل «صبغي» حضاري يضفي ميزة خاصة على شعب ما أو أمة ما، من باب جعل الخصوصية خرافة مارقة لفظتها الحداثة. 
  • الصهيونية لم تترك فرصة إلا وظفتها لإبعاد شبح الإسلام من طريقها للوصول إلى التحكم بمقدرات العالم. 

تعاظم فكر الحداثة، الذي ألقت به حضارة المتعة، وامتد في كل اتجاه من هذا العالم، وأصبح هذا الفكر يخيل للناس من شدة السحر أنه النهاية التي ما بعدها إلا الرضوخ والرضى بالوثيقة الجديدة، التي ساقتها إليه عجلة الثقافة الأمريكية، محاولة فرض نموذجها كوثن يُعبد دون أي فكر أو أي عقيدة أو أي شكل من أشكال السلوك الإنساني لا يطابق أو ينطبق على مسار تلك الوطنية الصلفة الفوقية، إذ تطل على الإنسان من فوق، دون أي اعتبار لظرف أو خصوصية أو معنى من معاني الحال والمال، مع امتلاكها لكل الوسائل التي تخولها القدرة على فرض ما تريد. 

ولقد كان من أخطر الأسلحة التي حاولت تلك الفوقية بثها، ذلك التبني الخادع لمفهوم السلام من طرف واحد، والذي يعني أنه لا يحق لأي كان أن يدافع ويدفع بقوة عن حقه، لأن مثل هذا السلوك، برأي المخادعين، مناف بصورة قاطعة لسلامهم الذي يريدون. 

إن أخطر ما يداهم الشعوب وحضارتها وخصوصياتها، هو الركون إلى هذا السلاح الخادع المزيف، والاقتناع من الغنيمة بالإياب، محملين بالتقليد والرضوخ واجترار الثقافة المعلبة، التي تجعل أي شعب مجرد تابع ذليل في قافلة التطبيل مع فوكوياما الأمريكي وكل القوى التي دفعته للقول بنهاية التاريخ عند إقدام الإمبريالية الأمريكية، بالرغم من أنه نظام خادع، إذا قورن بالنظريات المطروحة عن الديمقراطية والتعامل مع الآخر بصيغة التعايش والقبول، إنه في واقع الحال يحاول جاهدًا فرض صورته الثقافية والسياسية على كل الحضارات دون أن يحمل أي اعتبار لأي خصوصية كانت وبدون أي صيغة من صيغ الديمقراطية. 

في هذا المجال لا نجد منجى لأي كان من ضغط هذه الثقافة الأحادية النظر إلا باللجوء والاحتماء خلف «سنة التدافع» التي جعلها الله سنة ماضية في هذا العالم، من أجل رفض محاولات الاعتداء على الهُوِيَّة الخصوصية للشعوب والأمم، وذلك مصداقًا لقول الله تعالى في محكم التنزيل: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40).

إن سنة التدافع تتجلى في صورتين: 

1- تدافع للتلاقي والتعارف: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13)، وقد حدث مثل هذا التدافع في واقع المجتمعات البشرية حينما اندفع المسلمون بدينهم من جزيرة العرب نحو الشعوب المجاورة وتقدموا به «تعاملًا وصيغًا حياتية وسلوكًا وتشريعًا وعبادات» إلى تلك الشعوب ليكون نقطة اللقاء والتعارف والاقتراب والتعايش والقبول بالآخر، من خلال مظلة نظيفة حكيمة، تستلهم قوة الاقتناع والانتماء والاختيار الحر، وليس قوة الذراع والسلاح وتزييف المعاني وتمجيد ثقافة الهيمنة والاستكبار، ولا أدل على هذا المنهج الراشد من حادثة فتح سمرقند التي تمت في زمن الخليفة الأموي الراشد عمر بن عبد العزيز. 

2- تدافع بصيغة العداء.. عداء الباطل للحق، والمكابرة التي يبديها الباطل تجاه كلمة الحق، مما ينتج عنه لقاء الطرفين في ساحة الصراع والتدافع بالقوة في كل المجالات الثقافية منها والاقتصادية والسياسية والعسكرية. 

وإن من أبرز الأمثلة على هذا التدافع ما يجري اليوم فوق ساحة علاقة الإسلام بالغرب. 

إذ شاء معظم المتنفذين في المجتمعات الغربية من ساسة وقادة فكر وثقافة واقتصاد وعسكر أن يجعلوا من الإسلام عدوهم الأول بعد سبعين عامًا من مواجهة مباشرة أو باردة مع معسكر الشرق الشيوعي، حيث انتهى ذلك المعسكر إلى البوار والتفكك والدخول في حوزة الحماية الغربية. 

ويحمل كثير من الغربيين اليوم كبر تأجيج العداوة ضد الإسلام وأهله وإثم محاولات إلغاء خصوصية وهوية أمتنا، وذلك من خلال خاصية ظاهرة في الحضارة الغربية، برزت فيها على مدى العصور، وهي خاصية حمل فكر القوة والمادة والركض خلف الفانية، واضمحلال معنى امتداد هذه الدنيا في فكر الناس هناك إلى ما بعد هذه الحياة حيث تستكمل هناك العدالة على أكمل وجه. 

ولقد تجلت صورة المكابرة، التي يدفع بها الغرب في وجه الإسلام تاريخيًا في ذلك الرد العنيف الذي ظل يحكم تصرف الروم على امتداد الثغور منذ الخلفاء الراشدين وعلى مسافة حكم الخلفاء الأمويين والعباسيين والعثمانيين، وهناك بعيدًا في الأندلس وحول القسطنطينية وعمورية والرها، وقريبًا في بلاد الشام ومصر، حيث جادت جحافل الصليبيين بأقسى أنواع المجازر البشرية، متحالفة مع موجات المغول وكانت قضية الرجل المريض آخر دفع على خلفية  التاريخ، وجاء الإعلان الغربي المعاصر عن عداوة الإسلام مثالًا ناجزًا على صورة المدافعة الغربية بالقوة المهيمنة، لنزع خصوصية أمتنا، وفرض الصورة الغربية للحياة علينا بالقوة، وبالتالي اقتلاع القناعة بسنة التدافع من صدور شعوبنا، ليدخل الغزاة إلينا وعلينا الأبواب بدون مقاومة تذكر. 

الوسيلة: 

وكانت وسائل هؤلاء للوصول إلى أهدافهم كثيرة غير أن أهمها كان متمثلًا في العمل من أجل إلغاء الإيمان بسنة التدافع، وهي ليست وسيلة بريئة أبدًا، بل هي مدانة في عقيدتنا وشرعنا، ومدانة أيضًا من قبل فكر التقدم، لأنها تبتغي فيما تبتغيه نزع روح المقاومة والصمود في وجه عملية تضييع الهُوِيَّة والخصوصية، وجعل الشعوب قابلة تمامًا لمحاولات الانفراد بها، وسرقة كل ما يخصها ويميزها ويرفع مكانتها في الحياة والسلوك وأصول التفكير. 

وبمعنى آخر قَبُول الخضوع لقواعد الثقافة الغربية، واعتباره منحة تستحق التضحية، كي تحظى من خلال ذلك البوار بلقب الحداثة والتحديث، إنها عملية تغيير ونزع لكل «صبغي» حضاري، يضفي ميزة خاصة على شعب ما أو أمة ما، وذلك من باب جعل الخصوصية خرافة مارقة لفظتها الحداثة وخلفتها في جوف التاريخ، ولقد نجح أصحاب الفكر الصهيوني، متخفين خلف شعارات الحداثة والانعتاق من قيود الماضي والانطلاق في دنيا التقدم بدون ثوابت أو أحلام، نجحوا في توهين جدر المقاومة لدى شعوب العالم الثالث وخصوصًا العالم الإسلامي وذلك بعد نجاحهم في طرد الدين والقيم من حياة الغربيين، ثم إنهم وظفوا كثيرًا من رجال الفكر الغربي لغزو العالم بالكثير من الأصول، التي لا تخرج عن نظريات تلمودية مهترئة، دبجوها بديكورات فكرية حديثة، من أجل تمرير الخدعة بسهولة وإقناع الناس في العالم الإسلامي بضرورة نبذ إيمانهم بسنة التدافع، ووصم الإسلام والمدافعين عنه بوصمة الإرهاب، كي يتسنى لهم إبعاد هؤلاء عن ساحة الفعاليات. 

جذور صهيونية:

وقد وضحت تلك الحملة جذورها الصهيونية، فهذا منظر الصهيونية الأول هرتزل يبين بوضوح قبل قرن من الزمان التقاء الصهيونية مع الغرب في بناء الخطط السياسية لمنطقتنا فيقول: «الدولة اليهودية في فلسطين قلعة متقدمة للغرب ضد همجية الشرق الإسلامي». 

ولم تترك الصهيونية أحدًا إلا وظفته من أجل إبعاد شبح الإسلام من طريقها للوصول إلى التحكم بمقدرات العالم، بعد إذ لم يبق أمامها من عقبة إلا الإسلام، فلقد جاءت مقالة الرئيس الفرنسي الاشتراكي الراحل «فرانسوا ميتران» عندما زار سراييفو أثناء جرائم الذبح التي نصبت للمسلمين هناك، جاءت هذه المقالة خارجة من رحى الهجمة الصليبية المتصهينة إذ قال: «لن نسمح بقيام دولة إسلامية في قلب أوروبا» وقد كان ميتران زار دولة الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة ثلاث مرات قبل توليه رئاسة الجمهورية الفرنسية وعندما شكل وزارته احتل 70% من حقائبها يهود فرنسيون. 

ولم يخرج قول هيلموت كول المستشار الألماني عن هذه القاعدة عندما قال ليلماظ رئيس وزراء تركيا أثناء زيارة الأخير إلى أوروبا: «إن أوروبا مسيحية- يهودية فما الذي يجعلنا ندخل الأتراك المسلمين فيها؟». 

وها هي الجمعية الوطنية الفرنسية تدخل في جعبة الاحتواء الصهيوني، فتعلق فوق بوابتها لوحة ضخمة تتضمن مقالًا للروائي الكاتب «إميل زولا» كتبها منذ مئة عام «13 /1/ 1989م» في صحيفة الفجر الفرنسية وقوفًا وتعاطفًا مع الضابط اليهودي «دريفوس» الذي كان يحاكم بتهمة خيانة فرنسا، التي انتشرت فيها إذ ذاك تسمية اليهودي «بالعدو». 

ويسير شيراك رئيس جمهورية فرنسا على الطريق نفسه، فيحني هامته اعتذارًا من أحفاد دريفوس وزولا علنًا، متبرئًا من الضجة التي أثيرت حول خيانة يهود قبل مائة عام، ولم تستطع الكنيسة الكاثوليكية الخروج على موجة التصهين هذه، فها هي جريدة «لاكروا» الناطقة باسم الكنيسة تطأطئ الرأس، وتعتذر بعد مائة عام عما قالته سابقًا وجاء فيه: «إنه العدو اليهودي يخون الوطن والموت لليهود»، فقالت اليوم علنًا وعلى رؤوس الأشهاد في افتتاحيتها: «علينا أن نتذكر وعلينا أن نندم». 

وها هو رئيس وزراء بريطانيا بلير، تتناقل عنه وسائل الإعلام أنه أشعل شمعة صهيون بعد منتصف الليل أول فبراير 1998م في عيد الشموع الصهيوني، وذلك في الوقت نفسه الذي أشعلت فيه تل أبيب الشموع، ويعلن بلير بهذه المناسبة بصراحة: «إن إسرائيل وجدت لتبقى ونحن حماة بقائها». 

وليست أقوال مستشار الرئيس الأمريكي بوش «بات باترسون» بدعًا في هذا الخضم الغربي المتصهين الذي يتجه إلى نزع روح المقاومة والمدافعة في أمة الإسلام، لتجد الحضارة الغربية الطريق ممهدًا أمام غزوتها، فهو يقول بالفم العريض في كتابه النظام العالمي الجديد: «إن الكتاب المقدس هو الذي يعد بتلك الحكومة العالمية التي ستقضي على كل أعداء إسرائيل».

وتوج البابا يوحنا بولس الثاني البابا الحالي للفاتيكان الحملة المتصهينة بقوله في أبريل 1997م خلال حديثه من أعضاء مجمع العقيدة التوراتية: «إن المسيح يجب أن يعلم أنه بانتمائه إلى المسيح أصبح من أحفاد إبراهيم واندمج في شعب «إسرائيل»... إنه إذا أدرك المسيحيون أن المسيح كان ابنًا حقيقيًا لإسرائيل، فإنهم لن يقبلوا بعد ذلك بأن يضطهد اليهود أو تساء معاملتهم». 

ومخرج هذا الكلام كله هو وجود فكر تلمودي صهيوني يطرح الآن باسم المسيحية من أجل وضع اليد على كل محاولة دفاع أو مدافعة عن النفس واعتبارها اضطهادًا للسامية، وبالتالي لليهود وإساءة لمعاملتهم. 

وبعد: أفلا تكفي كل هذه الاقتباسات للاقتناع بأن المعركة الدائرة من أجل صرف الأمة عن سنة التدافع إن هي إلا معركة تدور حول البقاء والوجود، وأن الذين يرابطون في هذه الأمة على بواب هذه السنة إن هم إلا رجال الخندق الأخير للدفاع عن هُوِيَّة الأمة وخصوصيتها، وبالتالي وجودها وبقائها، ألا فليصمدوا في معركة القبض على الجمر فإن الأمة كلها تشد على أيديهم. 

الرابط المختصر :