العنوان محاولات ملء الفراغ بالبعث المستحيل للناصرية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-نوفمبر-1982
مشاهدات 118
نشر في العدد 596
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 23-نوفمبر-1982
الصفحات السود تملأ ثنايات تاريخ المنطقة الحديث والمعاصر.
هل هناك شيء اسمه الناصرية؟
لو عاش عبد الناصر لما تأخرت مقررات فاس حتى الآن!
بينما كان عدد سكان مصر خمسة عشر ضعفًا لسكان إسرائيل كان جيشها أكبر من جيش مصر!!
لم يكن عبد الناصر بذاته القوة المناهضة للإسلام وإنما كان أحد وجوهها في المنطقة!
الساحة العربية مليئة بالمشاهد المسرحية -كعادتها- في أيامها الأخيرة، ومن هذه المسرحيات محاولات إحياء «الناصرية» وعبد الناصر والأيدي التي تداولت ذلك لها عذرها سواء أن كانت من الحكام أو من أزلام الفكر ومفلسفي الضياع.
وقد ظهر الإحياء من خلال الاحتفالات الأخيرة في القاهرة بثورة 23 يوليو 1952، إذ ملأت صور جمال الأمكنة وأعيدت خطبه وتسجيلاته، ولا يفوت المراقبين أن يتعرفوا على دواعي ذلك بالنسبة للجالس على كرسي الحكم الآن في مصر )حسني مبارك( فإن لديه كثيرًا من الدوافع العملية والسياسية، فهو -أي حسني مبارك- يفتقر لقاعدة «أدبية» يرتكز عليها ويبرز بها نفسه فما كان من «أبطال» ثورة يوليو ولا قيادة «ضباطها الأحرار» ولم تعرف له مواقف تاريخية تستحق الذكر والتنويه سوى ما يزعم له من خلال حرب أكتوبر 1973 وهو شيء مرتبط بأداء الواجب أكثر من أنه إنجاز تاريخي.
فليس غريبًا أن يلجأ مبارك لإحياء الناصرية كي ينسب له «مجد» إحيائها على الأقل لا سيما وأنها أهملت في عهد السادات وعلاها النسيان، ولعله بذلك يستفيد من القوى والأقلام التي رتعت في عهد عبد الناصر وظلت أسطورة.
• الفراغ ومحاولات العلاج:
ثم إن هناك فراغًا عقائديًا وفكريًا هائلًا يعيش فيه الشباب -على الأخص- بعد أن جعلت عقيدة الأمة رهن الاعتقال والمصادرة أيضًا -لو استطاعوا كما مدد قانون الطوارئ لعام جديد- فإحياء «الناصرية» محاولة للتعويض وملء الفراغ ببعث أعمدتها الأساسية من قومية واشتراكية وعربية، وغيرها من المسميات الغريبة التي ألبست مسوحًا من الأسماء العربية ثم زعم لها المقدرة على إشباع جوع الأمة الإيماني والفكري، «فالناصرية» تشكل -وفقًا لنصائح المستشارين- تعويضًا مناسبًا لفراغ الشباب، بالإضافة إلى حيثيات اتفاقية التطبيع المصري الإسرائيلي وفي تضافر الاثنتين مع «كفاءة» أجهزة المخابرات المصرية المعلومة ما يجهز على أرواح الشباب، ولكن هيهات.
• مناسبة الذكريات:
ومن المفارقات المضحكة أن ذكرى جمال عبد الناصر تداعت لدى المعجبين به إبان الغزو الإسرائيلي الأخير للبنان والبشاعات التي مورست في أوساط الفلسطينيين، وتباكى هؤلاء على ضياع الفلسطينيين الذي لا «ناصر» لهم ولو كانت مناسبة الذكرة غير هذا لكان معقولًا، فإن الأيام لم تكشف حقيقة وأبعاد نواياه نحوهم، ولو كانوا في دياره لظهر ذلك جيدًا، وإلا فالفلسطينيون يعلمون أن عبد الناصر لم يحتمل حتى انتقاداتهم لمشروع روجرز وكان رد الفعل السريع لديه جراء تلك «الجرأة» أو «الوقاحة» -كما فهم- أن بادر بإغلاق إذاعتهم في القاهرة، كما أن مضمون مبادرة روجرز وقبلها قرار مجلس الأمن 242 الشهير كلها توضح من هو «ناصرهم» هذا.
ربما مبعث حسرتهم الحقيقي موت «ناصر» المبكر والذي لولاه لرأت «مقررات فاس» النور من زمان طويل ولو أن أنصار «ناصر» تشبثوا بغير هذه الزاوية من تاريخه لكان أولى بهم، وأرفق بناصرهم وليتهم دروا أن صمتهم في هذا المقام هو بحق من ذهب.
• من مصائبنا:
إن الكتابة التحليلية العلمية الدقيقة لم تجد سبيلها بعد في أوساطنا ولا قابلية لها مع وجود ذلك النفر المعلوم من المفكرين المفرغين المفزعين، وإلا لنسفت كل الأساطير ولألغيت هذه الفترات المشينة من تاريخنا ولعدنا لفضيلة الحياء فأغفلنا ذكرها وصمتنا عنها فإن تاريخ هذه المنطقة «العربية» في عهدها الحديث والمعاصر ملء بالقتامة والسطور السود، ولا سيما أخبار سيئة الذكر «القومية العربية» ويكفي من ذكرياتها خبر «لورنس العرب» ومراسلات مكماهون، والمصيبة الكبرى التي تعيشها الأمة الآن غياب المعايير الموضوعية للتقييم، ففي غيبة المقاييس المتفق عليها، يصعب على الناس التمييز والمقدرة على الحكم الصحيح، وأكثر المستفيدين من غيبة الموازين هم ذلك النفر من «المفكرين» المعلوم فإن في ذلك رفعًا للمشقة في التزييف واختلاق الأساطير، والمثال المجسد لكل ذلك ناصرهم هذا وناصريته.
• الناصرية؟
لو سألنا المبشرين بالناصرية والمتحمسين لها عن ماهية هذه الناصرية لأمطرونا بوابل من الكلمات ومجلدات من آلاف الصفحات، ولكننا لن نعثر على إفادة دقيقة محددة عن هذه الماهية ذلك أن هذه «الناصرية» -كغيرها من نماذج الفكر العربي الحديث أو «المحدث» بالأحرى- مجموعة من الملفقات الفكرية المتناثرة، وقصارى ما يملكون قوله عنها عن عهود هذه الناصرية هما «القومية العربية» و«الاشتراكية العربية» فأما القومية العربية فإن ملابسات إنشائها وظروف خلقها وولادتها وحقائق وأهداف ذلك الإنشاء معلومة جيدًا، فهي اختراع «غرس» زامنته اختراعات أخرى في المنطقة الإسلامية لقومية طورانية وفارسية وهلم جرًا، وذلك لتفتيت الخصم التاريخي «العالم الإسلامي»، وليس غريبًا لمجرد أحقاد الصليبيين لذلك التفتيت ولكن الغريب أن يتمسك أبناء هذا العالم الإسلامي بأصول هذا التفتيت الفكرية، ويجعلوها «مولدًا» للأمة وتحقيقًا للكيان والوجود، ثم يبحثون عن الأبطال المجسدين لذلك فيسعفهم «عبد الناصر» كمثال تطبيقي في تفتيت الأمة وتذريتها، وكمبدع في إيجاد المزيد من الوسائل المفرقة من استخدام للشعارات الطبقية والفرقة الاجتماعية وإحداث مجتمعات متنازعة داخل المجتمع الواحد «نسائية وشبابية وعمالية ... إلخ القائمة المعلومة.
• صورة من الإبداع:
وإبداع ذلك النفر من «المفكرين» وعلى رأسهم «هيكل» يتجلى في خلق أسطورة البطولة لعبد الناصر والزعامة المفردة له، وليت بيننا وبين هذا النفر أرضية مشتركة لنقيم من خلالها هذه البطولة، ونتحقق من سماتها المميزة الفريدة، ولكنا سنحاكمهم لمقولاتهم وترويجاتهم عن عبد الناصر وما زعموه له من هموم وأهداف سعى لتحقيقها من أجل «الأمة» وخيرها العام.
• البطل القومي
فقد زعموه بطلًا «قوميًا» كان تحرير أمته هدفه الأول ومؤرقه الدائم، وأن ذلك بدأ معه منذ كان في فلسطين والفالوجة، وينتهزون الفرصة لبداية التأريخ للبطولة بهذا الذهاب.
ونود البدء بهذا، فإن ذهاب عبد الناصر لفلسطين لم يكن تطوعًا منه وبذلًا -كما يحاولون أولئك إيهامنا- فهو قد ذهب مع عشرات أو مئات غيره من الضباط والجنود الذين تملى عليهم واجباتهم ووظائفهم الرسمية أن يطيعوا ما يوجه لهم من أوامر، ولكن زمان العجز والتفريط يجعل من طاعة ضابط لأوامر قائده ضربًا من ضروب الإعجاز وصورة من صور البطولة ما علينا، وقالوا إن قضية الأسلحة الفاسدة والتدريب السيء الذي كان سببًا في هزيمة «العرب» حفر جرح كرامة الأمة الغائر في صدر عبد الناصر، واستمع لنصيحة أحد زملائه الشهداء بأن ميدان الجهاد الأكبر هو مصر قبل فلسطين، وصمم على تنفيذ وصية رفيقه، وأتى ليخطط لانقلابه منذ ذلك التاريخ، حتى يتعبد الطريق لذلك النصر المأمول.
فهل تقوم وقائع حياته بإثبات ذلك؟ هل شهد جيش مصر بعد الانقلاب حظًا أحسن في التدريب والأسلحة؟ وهل أعد الإعداد المناسب للعدو المتربص منذ أكثر من نصف قرن «إسرائيل»؟
إن خير مختبر لمثل هذه الدعاوى هو التاريخ، لا سيما إن كان قريبًا مثل تاريخ احتلال السويس 1956، ففي ذلك الاحتلال ظهرت «كفاءة» وإعداد الجيش الذي أعده «ناصر» وسجلت الوقائع أنه ما بين 1948 -الذي شهد مولد آمال الأمة والعزم على تحقيق كرامتها في صدر عبد الناصر- وما بين 1956، تردت الأحوال في الجيش على وجه الخصوص عما كانت عليه في عهد «فاروق».
وقد كان في إمكان قوات الغزو الثلاثي أن تحتل مصر كلها لا القناة وحدها دون أي صعوبة تذكر، ولكن تدخلت مبادئ الدبلوماسية الدولية لتنقذ مصر وعبد الناصر وتلزم القوات الغازية بالجلاء «من خلال الأمم المتحدة وضغط أمريكا والمعارضة البريطانية».
وقد كانت فرصة لدرس «ثان» نافع يفيد عبد الناصر في قادم أيامه، ولكن انعكس الفهم والاستيعاب للدرس وصنف على أساس أنه «نصر» «لناصر» ولم تنقطع الاحتفالات بهذا «النصر» إلى قدوم «الدرس» الثاني في يونيو 1967.
خرجت إسرائيل بحقيقة مفادها أنه ليس في إمكانها أن تعتمد على حلفاء ليس لهم نفس درجات إيمانها وشعورها بقضيتها «إنجلترا وفرنسا» -كما صرح زعماؤها- وعملت وفقًا لذلك لتحقق اكتساحها لمصر وعبد الناصر بعد عشر سنوات من ذلك التاريخ تقريبًا، حتى أقر عبد الناصر بأنه لم تكن بينه وبينهم إلا 400 جندي هم حرسه الخاص.
• يونية 1967م:
في ذلك الزمان كانت مبادئ الدبلوماسية الدولية قد تغيرت وموازين «المصالح» قد تبدلت لسوء حظ «ناصر» ولكنه -أي عبد الناصر- لم يتغير فقد ظل حيث هو في سكرة نصر 1956م الموهوم والذي عزى لمواهب «البطل» الخارقة واحتكامًا لما يروجه أولياؤه -ثانية- كان ينبغي ألا يفوت مدرس التكتيك العسكري درس نكبتين فيستعد بما يناسب منازلة الخصم العنيد.
غير أن «عبد الناصر» كان غارقًا في أحلامه «القومية» صبيحة الخامس من يونية 1967م حيث ألزمته «رسالته» بإرسال غرة جيشه «لتحرير اليمن» ولم يتكلف استدعائهم مع أن خصمه أعلن نفيره وأتى احتياطيه حتى من لندن ونيويورك.
وبينما كان عدد سكان مصر خمسة عشر ضعفًا بالنسبة لسكان إسرائيل كان عدد قوات الجيش الإسرائيلي أكثر من جيش مصر.
وما كانت المسرحيات السياسية «السابقة» مجدية في جو كهذا -كما حاول ثانية- وخذلته متغيرات الدبلوماسية الدولية التي استدبرت إلى غير رجعة وهي -كما نوهنا قبلًا- كانت معتمدة في خلاصة 1956م وأتت الهزيمة التي كانت فضيحة قبل أن تكون هزيمة ومع ذلك ظل وجودها هامشيًا في ذهن البطل لأنها لم تسقط «الأنظمة التقدمية».
وما تلا ذلك من قرار الأمم المتحدة 242 ومبادرة روجرز وقبول «البطل القومي» بالحدود الإسرائيلية التي تحوز أربعة أخماس فلسطين فضلًا عن تضييع بيت المقدس وسيناء وبقية المناطق التي أخذت عام 1967م، فهل هذا هو البطل القومي الذي يقوم الشباب ليقتدي به ولتفتدي ذكراه «ومبادئه»؟
• العسكري
وكعسكري بل وكمدرس للتكتيك العسكري يتوقع المرء أن يكون إبداع البطل في هذا المجال هو منتهى البغية والأمل، ولكن حاله العسكري شاهد عليه من الفالوجة إلى يونية 1967م وما بينهما من حرب 1956م، ولعل أبدع إنجازاته العسكرية هو انقلابه والذي تم في ظروف معلومة جيدًا في ظلال الاحتلال الإنجليزي الذي كان قائمًا حينها «حدث الجلاء بعد الثورة بعامين» وحينما استنجد فاروق بالإنجليز اعتذروا عن التدخل كما اعتذر السفير الأمريكي أيضًا بأن «أولاده الضباط» -كما ورد على لسانه- لم يستمعوا لنصائحه ولا يستطيع إقناعهم بالتخلي عما فعلوا وقد كانت سطوة الإنجليز لسنوات خلت تملي على فاروق من يريدونه لرئاسة الوزارة «النحاس باشا» أو يقدموا له وثيقة التنازل عن العرش لتوقيعها.
في عهد هؤلاء الإنجليز وتحت أعينهم تم انقلاب عبد الناصر أو «ثورته» إن حلا ذلك لأوليائه المهم لدينا أن المترجمين له يجمعون على أن الحافز لذلك الانقلاب هو الارتفاع بكفاءة الجيش والرجل ابن الجيش تربى في أحضانه وعايش آلامه ومقاسيه، فلو صحت فرضية ذلك الحافز لكان همه الأوحد ولظل «عقدة» مسيطرة عليه يسعى للتخلص منها حتى يتبوأ جيشه أعلى المنازل، ولكن الوقائع تخذل ذلك الافتراض بجزم لا يقبل أدنى نسبة من التشكيك.
• الحاكم
وكحاكم لا يستطيع ولا أقرب أقربائه وأصفيائه أن ينكر وسائله في الحكم وأدواته المعتمدة للسيطرة وإحكام القبضة، فهو الذي تفنن في استخدام أجهزة الاستخبارات، ليس ضد أعدائه الحقيقيين، فهؤلاء كانوا مكان التجلة والاحترام، وإنما ضد مواطنيه، ولدى المصريين بمختلف مستوياتهم حشد زاخر من الذكريات «العزيزة» عن «زوار الفجر» ولعل عدد أجهزة قمعه الداخلية فاق عدد جيشه بمرات، وهو الذي أسكت كل صوت لا يتغنى به أو يسبح بحمده واستخدم من ألوان البشاعة ما لم يجرؤ المحتلون الإنجليز على استخدامه، وقد ترك تراثًا تليدًا في هذا المجال استفاد منه تلامذته ومعجبوه وكفى ذكر القذافي كمدافع «أصيل» عن هذا التراث.
وربما يذكرون له كحاكم مسائل القوت والكساء وتوفيرهما أما هذا فقد عرفت به مصر منذ عهود قديمة، ولعلنا نذكر هنا أن القمح -قوت مصر- صار على قائمة استيراد العهد الثوري بعد أن كان إنتاجًا داخليًا، وقد يقال الإصلاح الزراعي وقد يذكرن القضاء على الإقطاعيين، ولكن الأصحاب يعلمون «طبقة» رجال الثورة ونسائها أيضًا والتي فاقت مطامحها وتجاوزاتها كل ممارسات الإقطاعيين السابقين والشواهد أكثر من أن تحصى.
وآخر ما زعموه لعبد الناصر أنه مفكر فيلسوف أما هذه فنسلم بعجزنا في الجواب عنها.
• وبعد:
إن محاولات إحياء الناصرية غير ممكنة، أولًا: لأنها وصف بلا موصوف حقيقي، وثانيًا: لأن الوقائع التاريخية لا تعينها على الثبات، والمروجون لها هم أول من يعلمون ذلك، ولعلهم على يقين أيضًا من أنهم ليس لديهم جديد يقدمونه فيعزون أنفسهم بمثل هذه الإعادة والتكرار، ونحن نعذر ذلك البعض الذي يشكل اسم عبد الناصر وسيلة لكسب قوته، ولكن الواقعية بكل هؤلاء أولى وليتمعنوا جيدًا في مدى قدرة «ناصريتهم» على الصمود سواء في ميزان الفكر أو التاريخ.
وقد تعمدنا ألا نذكر تاريخ الإسلام مع عبد الناصر لأن ذلك سجلًا قائمًا بذاته ولا ننوي نشر صفحاته الآن لأننا نود تبديد جهودنا في ظلال الذكريات المفجعة، ولا يعني ذلك عدم أهمية ذلك بالنسبة إلينا ولكنا على علم بأن عبد الناصر لم يكن بذاته القوة المناهضة للإسلام بل كان أحد ممثليها المنبثين في ساحتنا الإسلامية وحري بمن يعرف ميدان المعركة وحقيقتها ألا يلهي نفسه ببنيات الطريق وإنما أحببنا أن نعين بعض أهل الحوزة الأعزاء في تعرف على شيء من أساطير التاريخ المعاصر لنا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل