العنوان محاولة تعبيد الأحرار... في موريتانيا
الكاتب محمد الداه
تاريخ النشر السبت 07-يونيو-2003
مشاهدات 47
نشر في العدد 1554
نشر في الصفحة 38
السبت 07-يونيو-2003
في عهود ماضية، وإبان بروز التجارة بين بلاد ما يعرف سابقاً بالأرض السائبة.. وشركات الاستعمار الغربي الذي تسلل إلى بلاد شنقيط (موريتانيا) عبر شواطئها الواسعة على المحيط الأطلسي ونهر السنغال.
في هذه العهود شاعت التجارة بالرقيق وكثر خطف الأحرار والعبيد وتناذر الناس من ظاهرة السلب والنهب في هذا المجال حتى صار ذلك مصدر خوف شديد وقلق أكيد. ونسب ذلك إلى جهات معينة وقبائل معروفة..
وفي ظل المستعمر لم تتوقف هذه التجارة الخاسرة، بل صارت بشكل منظم وفي حماية المستعمر نفسه لأنها لصالح البرجوازية الغربية ولمد الثورة الصناعية والزراعية بعبيد لهم جلد وقوة تحمل للأعمال الشاقة.
ولما عُيرت موريتانيا في ظل الاستقلال بوجود العبيد والرقيق فيها وطالبتها منظمات حقوق الإنسان في العالم بإعلان براءتها من هذه التهمة رسمياً والعمل على تحرير الأرقاء وتخليصهم من أيدي مُلاكهم، استجابت موريتانيا لهذا الطلب وخشعت أمام هذه الدعايات الحقوقية العالمية وخضعت للضغوط الدولية ومارست بدورها على شعبها نفس الدعاية وزينت لملاك العبيد والأرقاء أن يعلنوا تحرير ما لديهم ومنعت في ظروف معينة من ادعاء ملكية العبيد أو حيازتهم وأرسلت وفداً يشرح ذلك لعموم المواطنين في مدنهم وأريافهم، وقد قيل في ذلك الوفد ما قيل، ومما قيل فيه:
ولما علمت أمريكا بوجود موريتانيا وأن لديها سوابق في حقوق الإنسان كمسألة الرقيق وامتلاك العبيد وضعت عليها العصا الغليظة، متجاوزة في ذلك فرنسا المستعمر السابق والمندوب السامي اللاحق، فجمعت أمريكا عن موريتانيا ملفات لا تفكر موريتانيا أصلاً فيها كالتمييز العنصري، وانتهاك حقوق الإنسان، ووضع المرأة والأسرة، وتهمة العداوة للسامية، والتمسك بالإسلام كدين الدولة.
واعتادت أمريكا في كل عام أن تضرب على هذه العيوب الموريتانية والجراح المزمنة وتروع موريتانيا ( حكومة ) بذلك وتستدرجها نحو القطب الأمريكي والصهيوني حتى تم لها ما أرادت وصارت أمريكا هي (حذام) موريتانيا:
إذا قالت حذام فصدقوها
فإن القول ما قالت حذام
ولكن تبين أن أمريكا لا تريد تحرير العبيد بقدر ما تريد تعبيد الأحرار وقد وجدت في موريتانيا أقواماً يتاجرون معها بحريتهم أولاً ثم بحرية بلدهم وشعبهم فباعوا لها رقابهم ومن تحت سلطتهم - كما هي الحال في كثير من بلاد الله تعالى - وإذا سرت العبودية لغير الله تعالى في دم المرء هانت عليه نفسه وفرط في دينه وداس على كرامته وتخلى عن مروسته ونسي نفسه واعتبار شخصه حتى يحسب كل صيحة عليه، فصار ذليلاً مهاناً ومهيناً يعشق العبودية ويتلذذ بتحمل المسؤولية في خدمة السادة، وينتفخ صلفاً على غيرهم ويتميز غيظاً على من لا يحمل شارة رقمهم ولا يتنفس الصعداء ولا يشعر بالأمن والراحة إلا في محيط مجموعة من إخوانه في هذا الشرف!.
بل يسعى جاهداً بمن أطاعه من العبيد لإذلال مجموعة من الأحرار وضمهم إلى حظيرة الخدم والحشم الواقفين للخدمة والطاعة على أبواب السادة الأجانب، وذلك أنه كما قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه: «ودت الزانية أن لو كان جميع النساء زواني»
من يهن يسهل الهوان عليه
ما لجرح بميت إيلام
فالذي ذاق طعم ثمن نفسه لا يستغرب عليه أن يتاجر بأحرار آخرين، ويقودهم إلى سوق النخاسة الذي باع نفسه فيه بثمن بخس، بل تجد أن تصريحاته الإعلامية وتلويحاته السياسية كلها تهم للأحرار والأشراف، وكيف هم صابرون عن هذا الطعم اللذيذ الذي ذاقه هو، والشرف العظيم الذي حازه - والذوقيات من الأمور الخاصة بمن ذاقها - ولا يمكن الحكم بها على الآخرين، ولكن إذا كان للمذوق رائحة منتنة عرف من ذلك خبث مطعمه مهما روج له المروجون.
ومع هذا الواقع المر والأحداث الأخيرة التي دنست سمعة موريتانيا عند جميع الأحرار ولا ترض في النهاية أحداً من الساسة والسادة وإن شطبوا بموجبها فوائد ربوية وأموالاً تدخل في قائمة شر المال وهو:« ما لا تراه ولا يراك وحساب عليك ونفعه لغيرك».
- ومع هذا فإننا نذكر العلماء والدعاة أولاً بحديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ «ما من رجل ينعش لسانه حقاً يُعمل به بعده إلا أجرى الله عليه أجره إلى يوم القيامة، وفاه الله عز وجل ثوابه يوم القيامة» (رواه أحمد).
ونذكر ثانياً غيرهم من كل منافق عليم اللسان جاهل القلب والجنان بحديث المستورد بن شداد رضي الله عنه عند أحمد وغيره أن النبي ﷺقال:« من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله عز وجل يطعمه مثلها من جهنم، ومن اكتسى برجل مسلم ثوباً فإن الله عز وجل يكسوه مثله من جهنم، ومن قام برجل مسلم مقام سمعة فإن الله عز وجل يقوم به مقام سمعة يوم القيامة».
ونذكر ثالثاً من يمارس التجارة بالأحرار بأي شكل من الأشكال أن النبي هو خصمه يوم القيامة ومن كان النبي له خصمه أخصمه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول ﷺ :«ثلاثة أنا خصمهم في القيامة ومن كند خصمه أخصمه: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فاكل ثمنه، ورجل استأجر أجير فاستوفى منه ولم يوفه أجره» (رواه ابن حبان في صحيحه).