العنوان حوار: المناضل الجزائري عبد الحميد مهري لـ «المجتمع»: محاولة إقصاء الحركات الإسلامية خطأ سياسي
الكاتب سمية سعادة
تاريخ النشر السبت 28-يوليو-2007
مشاهدات 61
نشر في العدد 1762
نشر في الصفحة 18
السبت 28-يوليو-2007
■ المصالحة المطروحة تحاول فقط إيقاف العنف ومعالجة آثاره الفردية والاجتماعية لكنها تكرس الإقصاء السياسي ولا تعني بتجنيد المجتمع في مواجهة التحديات التي تهدده.
عبد الحميد مهري الأمين العام السابق لجبهة التحرير الوطني.. من الوجوه السياسية البارزة في الجزائر التي لم ينقطع حبل وصالها بالسياسة منذ الثورة التحريرية الذي ترك بصماته واضحة على جبينها، ولعل أبرزها على الإطلاق المشروع الذي سمي باسمه وهو مشروع مهري للرد على ديجول.. وبعد الاستقلال تقلد عدة مناصب حساسة، أهمها وزير الإعلام والثقافة عام ۱۹۷۹م، ثم سفيرًا للجزائر في فرنسا من سنة ١٩٨٤م حتى سنة ١٩٨٨م.
لديه الكثير من المواقف المشرفة في الجزائر وخارجها حفرت اسمه في قائمة الذين يقولون كلمة الحق ولا يخافون فيها لومة لائم بدليل مواقفه المعتدلة من الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة، التي صبت عليها السلطة آنذاك سوط عذاب بسبب نجاحها في الانتخابات.
ثم مواقفه المناوئة لجبهة التحرير الوطني التي يقول بشأنها إنها اعتمدت على سياسة الإقصاء، وأصبحت حزبًا واحدًا يقضي على كل من يخالف أطروحاتها!
(المجتمع) التقته وأجرت معه الحوار التالي حول أحداث الجزائر الساخنة السياسية والأمنية ومستقبل العلاقات الفرنسية الجزائرية والأحداث العربية الساخنة في العراق وفلسطين:
• على ضوء ما صرحتم به أن المصالحة الوطنية لم تصل بعد إلى طرح سليم برأيك ماذا ينقصها حتى تكتمل ملامحها؟
- المصالحة الوطنية، في رأيي، تعني توافقًا واسعًا بين القوى السياسية النابعة من المجتمع لمواجهة التحديات والمشاكل الكبرى القائمة أو التي تلوح في الأفق. ولا يمكن الوصول إلى مثل هذه النتيجة إلا من خلال إرادة مشتركة واضحة لنبذ العنف والإقصاء على السواء، والمصالحة المطروحة حتى الآن تحاول فقط إيقاف العنف ومعالجة آثاره الفردية والاجتماعية، بل إنها تكرس الإقصاء السياسي وتقننه ولا تعني بتجنيد المجتمع في مواجهة التحديات التي تهدده.
• ما قراءتك السياسية للانتخابات التشريعية الأخيرة التي جاءت نتائجها الهزيلة، على غير ما تشتهي الأحزاب السياسية المشاركة فيها؟
- الانتخابات التشريعية الأخيرة تغيب عنها، حسب الأرقام الرسمية ٦٥٪ من الناخبين، وقراءتي السياسية لهذه الأرقام، انطلاقًا من تجربتي الخاصة وما أعرفه من توجهات الشعب أن غالبية الناخبين تطمح طموحًا جامعًا لتغيير نظام الحكم الحالي ولا تثق في الأدوات التي يستند إليها والأساليب التي يستعملها.
• وماذا تتوقع من الانتخابات المحلية المقبلة؟
- إن نظام الحكم القائم لا يمكن أن يفرز إلا نمطًا واحدًا من الانتخابات سواء كانت انتخابات وطنية أو جهوية أو محلية، ونفس الأسباب تعطي بالطبع نفس النتائج.
• هل تعتقد أن عودة الجماعات المسلحة إلى الواجهة هي نتاج تراكمات سياسية واقتصادية متعفنة أم نتاج الفكر المنحرف الذي تتبناه هذه الجماعات؟
- ظهور العنف واستمراره ظاهرة سياسية مركبة، وتحليلها السليم والموضوعي هو الذي يهدي إلى الحلول الناجعة لمعالجتها.
• وما رؤيتك المستقبلية لهذه الجماعات، هل ستختفي بالسرعة التي ظهرت بها أم ستشتد ضرباتها؟
- لا أعتقد أن ظاهرة العنف ستختفي من تلقاء نفسها، بل إنها تضعف أو تشتد بقدر التوفيق الذي تتسم به السياسات التي تتصدى لمعالجتها.
• هل تعتقد أن جبهة التحرير الوطني انحرفت عن مسارها الصحيح وحادت عن مبادئها المنبثقة عن بيان أول نوفمبر، لذلك تراجعت مقاعدها في المجلس الشعبي الوطني؟
- جبهة التحرير الوطني في حاجة للالتحام من جديد، بمشروعها الأصلي الذي نص عليه بيان أول نوفمبر ١٩٥٤، والذي يحدد لمرحلة ما بعد الاستقلال، هدفين أساسيين لهذا المشروع:
الأول: بناء دولة ديمقراطية بمواصفات تمكنها من الانفتاح على العصر، دون التنكر للأصالة والوفاء لقيم المجتمع.
والثاني تحقيق الوحدة بين أقطار المغرب العربي التي كانت ومازالت تمثل مطلبًا دائمًا لأجيال عديدة من المناضلين يستند إلى رغبة شعبية عميقة مشتركة بين شعوب المنطقة. وانصراف الناخبين عن جبهة التحرير الوطني يعكس بدون شك تغير صورتها لدى الجماهير بسبب بعدها عن هذا المشروع واستمرارها في تغطية نظام الحكم القائم.
• ألا ترى أن مطالبة الجزائر فرنسا بالاعتذار عن جرائمها سيتصادم مع قانون تمجيد الاستعمار الذي صادق عليه البرلمان الفرنسي سنة ٢٠٠٥؟
أريد التذكير بأن موقف الثورة الجزائرية كان ينطلق دائمًا، وحتى في مرحلة الكفاح المسلح من التفريق بين الشعب الفرنسي الذي كانت الثورة تطمح لمصادقته، وبين النظام الاستعماري التي كانت تحاربه بدون هوادة وبكل الوسائل. فإذا أرادت القوى المهيمنة الآن على السياسة الفرنسية أن تلبس الدولة الفرنسية اليوم عباءة النظام الاستعماري القديم فإن هذا التوجه يجب أن يفتح أعيننا جيدًا على أن فلول النظام الاستعماري ما زالت فاعلة، وأن رصيد المقاومة الفكري والعملي لهذا النظام يجب أن يبقى في أعلى مستوياته، دون أن نتخلى عن التفريق بين الشعب الفرنسي والسياسة الخاطئة والرجعية التي تدار باسمه.
• كيف تتوقع أن يكون مستقبل العلاقة بين فرنسا والجزائر في ظل حكم ساركوزي صاحب التوجهات الديجولية؟
علاقات الجزائر المستقلة مع فرنسا لم تكن في أي عهد من العهود رغم المظاهر والخطب تمتاز بالدفء والعمق. لكنها كانت تنطلق لدى الطرفين من منطق المصلحة والكثافة التي تفرض نفسها في العلاقات بين الدول. ولا أعتقد أن هذه العلاقات يمكن أن تخرج عن هذا الإطار في عهد الرئيس الفرنسي الحالي لكنني أعتقد أنها تملي على الجانب الجزائري مزيدًا من اليقظة ومزيدًا من الحرص على توازن المصالح بين الطرفين.
• هل تعتقد أن التيار الإسلامي خبا ضوؤه؛ بسبب سياسة تضييق الخناق التي يمارسها النظام ضده أم بسبب استراتيجيته؟
- أعتقد أنه وفي ظل الاختلافات الكبيرة مع بعضها، فإن محاولة إقصاء التيارات السياسية إداريًا وأمنيًا أمر غير واقعي وغير منطقي، ومن الصعب تحقيقه، وأن الحكمة والنظرة العميقة لواقع العالم الإسلامي تقتضي التعامل مع هذه الظاهرة بكل موضوعية وجدية وعمق، وهو ما تعجز الأنظمة الأمنية والقمعية على توفيره اليوم.
ومهما كانت الانتقادات التي توجه للحركات الإسلامية، فإن محاولة استئصالها خطأ أساسي، يزيد من فداحته أن معظم أنظمة الحكم لا تستطيع تقديم البديل الديمقراطي السليم القادر وحده على ردم الهوة بين الحاكمين والمحكومين. إن ظاهرة الإسلام السياسي قد تضعف، وقد تتطور لكن هذا لن يغير من جوهر المشكلة التي تطرحها، ولا من طبيعة الحل الذي تتطلبه.
• هل ترى نقطة تقاطع بين الثورة الجزائرية والمقاومة العراقية ضد الاحتلال الأمريكي، وهل يمكن أن تحقق هذه المقاومة ما حققه جيش التحرير الوطني ضد الاستعمار الفرنسي؟
- إن لمقاومة الاحتلال الأجنبي، تحت أي سماء، ومهما كانت جنسية المحتل وضحاياه سمات مشتركة، وخطوط تلاق عديدة، وهذا يصدق بالطبع على الثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي، والمقاومة العراقية للاحتلال الأمريكي، وأعتقد أن هزيمة الاحتلال الأمريكي ستتم في مدة أقصر مما تطلبته هزيمة الاستعمار الفرنسي الذي عمر في الجزائر أكثر من قرن وثلاثين سنة.
• ما تعليقك على الأحداث الأخيرة في فلسطين؟
- أعتقد أن ما يجري الآن على الساحة الفلسطينية خطأ فادح بجميع المقاييس. وهو فيما أعتقد نتيجة لتراكم سلسلة من الأخطاء السابقة لا يمكن التعرض لها بالتفصيل، لكن الذين عاشوا الثورة الجزائرية لا يريدون التصدي لإعطاء دروس للإخوة الفلسطينيين لأنهم ارتكبوا هم أنفسهم كثيرًا من الأخطاء في إدارة المعركة ضد الاحتلال الفرنسي. غير أن تجربة الثورة الجزائرية تنطوي على كثير من الدروس التي يمكن الاستفادة منها لتجاوز المحنة التي تمر بها القضية الفلسطينية.