; محطات إيمانية في طريق التربية لغة الضاد.. سيدة اللغات | مجلة المجتمع

العنوان محطات إيمانية في طريق التربية لغة الضاد.. سيدة اللغات

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر الاثنين 01-فبراير-2021

مشاهدات 98

نشر في العدد 2152

نشر في الصفحة 62

الاثنين 01-فبراير-2021

تربوي

 

محطات إيمانية في طريق التربية

لغة الضاد.. سيدة اللغات

 

ابن كثير: أفصح اللغات وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات

البيت المسلم هو المعلم الأول للغة القرآن الكريم والوالدان خير معلم لأولادهما ليحسنوا قراءة القرآن

محبو لغة القرآن يشعرون أن لها حقاً كبيراً عليهم وهم يعيشون معها في كل لحظة

الحفاظ على «العربية» لا يعني ألا نتعلم غيرها من اللغات التي نحتاج إليها في طلب العلم والدعوة

إيمان مغازي الشرقاوي

إنها الملكة المتوَّجة المتربعة على عرش اللغات، وهي الحسناء الجميلة التي تتزين بحرف الضاد، وتتجمل بلآلئ حروفها الفصيحة، لا يذهب جمالها فتشيخ أو تهرم، خالدة فلا تندثر ولا تموت، ثرية بألفاظها، غنية بمعانيها، واسعة بمدلولاتها، وقد فازت بالشرف وحظيت بالتكريم من فوق سبع سماوات، فنزل بها كلام الله عز وجل؛ القرآن الكريم، خاتم الكتب، وحباها الله تعالى بكل مقومات الحفظ والصيانة من بين اللغات الأخرى، وجعلها متميزة من حيث غزارة المعاني، وقوة التعبير، وجزالة الألفاظ، ومن حيث النظم واللفظ والصوت والإيقاع.

«العربية» لغة ذات لسان بليغ فصيح لمن عرفها وأجادها، فيها من البلاغة والإيجاز ما ليس في غيرها، فقد تكون كلمة واحدة من كلماتها تعادل في معناها ومضمونها جملة كاملة مكونة من عدة كلمات في لغة أخرى، وقد اجتمعت فيها المحاسن لفظاً وخطاً، قراءة وكتابة ونثراً وشعراً، وبياناً ووضوحاً، فيا لها من لغة! وصدق من قال:

إن الذي ملأ اللغات محاسنَ

جعل الجمال وسِرَّه في الضاد

وقد شاء الله تعالى أن يختار لغة العرب لينزل القرآن الكريم بها، وأن يجعلها سيدة اللغات بذلك، فقال: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الزخرف: 3)، وقال: (وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ {192} نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ {193} عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ {194} بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) (الشعراء)، فنزل القرآن الكريم «بأفضل الألسنة وأفصحها وأوسعها وهو اللسان العربي المبين» (تفسير السعدي)، وفي قول الله تعالى: (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (فصلت: 3)، يقول ابن عاشور: «من كمال تفصيله أنه كان بلغة كثيرة المعاني، واسعة الأفنان، فصيحة الألفاظ، فكانت سالمة من التباس الدلالة، وانغلاق الألفاظ، مع وفرة المعاني غير المتنافية في قلة التراكيب» (تفسير التحرير والتنوير).

ولذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بعثت بجوامع الكلم» (رواه البخاري)؛ أي: أرسلت بجوامعِ الكلِم، أيْ: بالقُرآن؛ جمع الله تعالى في الألفاظ اليسيرة منه المعاني الكثيرة (الدرر السنية- شروح الأحاديث)، وقال عن نفسه: «أعطِيتُ جوامع الكلم» (رواه مسلم)؛ أي: «يتكلم بجوامعِ الكلم قليلة الألفاظ كثيرة المعاني» (الدرر السنية)، فكان صلى الله عليه وسلم أفصح الناس بها نطقاً وبياناً، وقد بلغ رسالة ربه وخاطب الناس بلسان عربي واضح بيِّن، وعلم أصحابه القرآن الكريم بلسانه العربي، وبلغنا سُنته باللسان العربي، وعلمنا كيفية العبادات وأداءها أيضاً باللسان العربي، وفي هذا فضيلة للغة العربية وللسان العرب، وقد قيل فيها: «لغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها، وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس؛ فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات» (تفسير ابن كثير). 

حب اللغة العربية

لقد اهتم العلماء منذ أنزل القرآن بها ببيان فضلها والدعوة إلى تعلمها؛ فعمر بن الخطاب رضي الله عنه يجعلها من الدين الذي علينا أن نتعلمه فيقول: «تعلموا العربية فإنها من دينكم»، وشيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إنها «شعار الإسلام وأهله، وإن معرفتها فرضٌ واجبٌ، فإنّ فهم الكتاب والسُّنّة فرض، ولا يُفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»، أما الإمام الشافعي فقد قال: إنه «يجب على كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما يبلغ جهده في أداء فرضه»، ويذكر الإمام ابن القيم أن معرفتها سبيل لفهم القرآن الكريم ويقول: «إنما يعرف فضل القرآن مَن عرف كلام العرب، فعرف علم اللغة وعلم العربية، وعلم البيان».

وقد عظَّمها العلماء فتعلموا الدين بها، وأحَبها الشعراء فتغنَّوا بمدحها، ولذلك فإن محبي لغة القرآن يشعرون أن لها حقاً كبيراً عليهم، وهم يعيشون معها في كل يوم وكل ساعة وكل لحظة، فبها يذكرون الله تعالى ليلهم ونهارهم، تسبيحاً وتكبيراً وتهليلاً، وبها يقرؤون القرآن ودعوات الأذكار، وبها يؤدون صلواتهم، فهم على تواصل مستمر بلغتنا الجميلة دون كلل أو ملل أو انقطاع، ويزداد بعضهم ارتباطاً بها قراءة وكتابة وتكلماً وتعلماً وتعليماً فيجمع خيراً إلى خير ويعبد الله تعالى بذلك.

وفي المقابل، فإن بعضهم الآخر لم يعطها حقها؛ حيث استُبدِل كثيرٌ من كلماتها وسط كمٍّ هائل من اللهجات المستحدَثة والكلمات الركيكة التي تضعف معانيها، وتداخلت حروفها مع كلمات أجنبية لا صلة لها بها، فتحول اللسان العربي عند البعض إلى لسان امتزجت فيه الحروف والكلمات فصارت مزيجاً لا طعم له ولا نكهة، ولا معنى له ولا أصل!

خطوات مع لغة الضاد:

- إن اللسان المسلم في حاجة لأن يحتضن لغة الضاد من جديد، ويزيح غبار الهجر عنها والخوف منها، وينقحها من الكلمات الدخيلة عليها واللهجات التي تشوهها، حتى يحسن التعامل مع كتاب ربه تلاوة وفهما وتدبراً وعملاً ودعوة، وينشر نوره في الأرجاء لمن حوله، وإن البيت المسلم هو المعلم الأول للغة القرآن الكريم، والوالدان خير معلم لأولادهما، ليحسنوا قراءة القرآن، ويتموا صلاتهم، ويذكروا ربهم ويفهموا دينهم.

- ينبغي حرص الوالدين على تقديم القدوة الحسنة في الحديث باللغة العربية والاعتزاز بها، وأن يكون لنا وقت مخصص لقراءة بعض الكتب النافعة باللغة العربية.

- الحرص على تعليم الأطفال منذ الصغر القرآن الكريم، واللغة العربية، وكذلك الحديث في البيت مع الأولاد باللغة العربية، حتى لا تختلط حروفهم بغيرها وتتبعثر لغتهم هنا وهناك، فيضيع عليهم تذوق جمال العربية، ويصعب النطق بها بسلاسة ويسر.

- عدم الخلط بين اللغة العربية واللغة الإنجليزية أو غيرهما عند الحديث، وعلينا تشجيع الأولاد للحديث فيما بينهم باللغة العربية ومكافأتهم على ذلك وبيان أنها من الدين.

- يمكن اختيار الوالدين أحد الأيام كل أسبوع وجعله يوماً كاملاً للحديث باللغة العربية الفصحى من باب التعود وتصحيح الألفاظ، ويمكن عمل المسابقات في اللغة العربية (كتابة قصة، كتابة نشيد، كتابة رسالة، وما شابه ذلك)، ورصد الجوائز التشجيعية لذلك.

- الحرص على الصحبة الصالحة التي تساعد الأولاد على التكلم بالعربية.

- الالتحاق بالمراكز التعليمية ذات الأنشطة التعليمية والترفيهية العربية، وكذلك السفر السياحي (بعد انتهاء جائحة «كورونا» بإذن الله) للبلاد العربية والحرص على الكلام فيها باللغة العربية.

- دراسة اللغة العربية، ونشر الوعي بأهميتها وفضل تعلمها وتعليمها؛ من أجل جيل يحب لغة القرآن الكريم ويعتز بها.

- ألا نبخل بالنفقة من مالنا ووقتنا وجهدنا في تعلمها وتعليمها، وأن نتقرب إلى الله تعالى بذلك.

- إن الحفاظ على اللغة العربية لا يعني ألا نتعلم غيرها من اللغات التي نحتاج إليها، لا سيما في طلب العلم والدعوة إلى الله والتعامل مع غير الناطقين بالعربية، وقد تعلم زيد بن ثابت رضي الله عنه اللغة السُريانية، كما قال: «أمرني رسول الله عليه وسلم فتَعلَّمتُ له كتابَ يهود» (رواه أبو داود)، ليكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ويقرأ رسائلهم، لكنها لم تُنسِه لغته العربية أو تجعله يتخلى عنها إلى السريانية التي تعلمها، بل كان ممن جمعوا القرآن الكريم بعد ذلك، فلا يعني معرفة اللغات الأجنبية أن نستبدل حديثنا ونُحوِّل كلامنا في بيوتنا وبين الأهل والأصدقاء من العربية إلى تلك اللغة الأخرى.

إن اللغة العربية لغة كل مسلم في أي مكان، يحبها ويجلها، ويتعلمها ويعلمها، ما دام يحب كتاب الله وقد قال عنه: (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً) (طه: 113).

وقد تيسرت سبل التعليم هذه الأيام، وتنوعت طرقها، وصار متاحاً لكل محب أن يتعلم.

كما أن علينا تقديم واجبنا تجاه لغتنا الجميلة، وأن نأخذ بأسباب الرقي بها وعلو شأنها، ولنكن على يقين أنها مع كل ما يمر بها من تحديات ومستجدات، وتغريب وإبعاد، واختلاط وغربة، فإنها محفوظة خالدة بحفظ كتاب الله تعالى الذي قال عنه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: 9).

الرابط المختصر :