العنوان محمد صلاح.. ضحية السياسات التي لا ترحم
الكاتب عبدالباسط حمايل
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يونيو-1998
مشاهدات 73
نشر في العدد 1306
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 30-يونيو-1998
لأول مرة في تاريخ أمريكا: منع محمد صلاح حتى من العمل إلا بعد أن يذكر لصاحب العمل أنه إرهابي.
كان الطقس باردًا خارج الفندق الذي يقيم فيه محمد صلاح صبيحة يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من يناير عام ۱۹۹۳م في مدينة القدس المحتلة، الثامنة صباحًا كان شقيق محمد يدلف إلى الفندق لينعم بدفء المكان ودفء لقاء شقيقه الذي يزور أهله ووطنه، وكم كانت صدمة هذا الشقيق كبيرة عندما أخبره موظف الاستعلامات في الفندق أن شقيقه قد اعتقلته سلطات الاحتلال الإسرائيلي دونما إبداء أي أسباب، ومنذ ذاك الحين بدأت قصة معاناة حقيقية لم تنته فصولها بعد وإن اختلف الزمان وتبدل المكان، يكتوي بنارها محمد الذي ابيض شعر راسه ولم يتجاوز منتصف الأربعينيات بعد، ومريم زوجته الصابرة المحتسبة وأولاده: أبو بكر واحمد وسلمى الصغيرة التي حرمت حنان الأبوة منذ وجدت على ظهر الدنيا وكبرت دون أن تدري ماذا يعني الآخرون بكلمة بابا، والجنين الصغير المنتظر، ولم تتوقف أبعاد القضية عند هؤلاء بل امتدت -كما رسم لها- إلى كل ما هو ومن هو إسلامي.
السلطات الإسرائيلية تقول إنها ضبطت بحوزة محمد مائة ألف دولار، يراد إيصالها إلى حركة حماس، وعليه وجهت إليه الاتهام بأنه من ممولي الحركة ماليًا، ومن أجل توسيع الدائرة وتحقيق الهدف من وراء القصة اتهم محمد كذلك بأنه همزة الوصل بين حماس والمؤسسات الإسلامية في الولايات المتحدة، أما محمد وكغيره من أبناء فلسطين المغتربين فقال إنه يحمل هذا المبلغ إلى أهله وجزء منه لمساعدة الفقراء والعائلات المستورة على شكل زكاة وصدقات كما حث على ذلك ديننا الحنيف، محمد صلاح تعرض -كما كل المعتقلين الفلسطينيين- لكل صنوف وأشكال التعذيب الجسدي والنفسي أثناء التحقيق معه والذي دام قرابة العامين، وأجبر أثناء ذلك على التوقيع على وثيقة إسرائيلية مكتوبة باللغة العبرية لا يتقنها... تلك التي استخدمت ضده كاعتراف بالتهم الموجهة إليه مما أدى إلى إدانته والحكم عليه بالسجن لمدة خمسة أعوام كان من المفروض أن تنتهي في يناير عام ١٩٩٨م.
الصحافة الأمريكية وكأنها وجدت ضالتها، أخذت تردد الأسطوانة الإسرائيلية، بل تضيف عليها أحيانًا أخرى، فاتهمت المؤسسات الإسلامية العاملة على الساحة الأمريكية بأنها إرهابية وتمول الإرهاب وتدعم منظمات الإرهاب، في توطئة مقصودة ومدروسة تهدف إلى تجريم هذه المؤسسات وإسكات أصواتها ووقف دعمها المالي الشرعي والقانوني الذي تقدمه للمخيمات والأيتام وضحايا الإرهاب الإسرائيلي في فلسطين المحتلة، وركزت هجومها وحملتها على المؤسسات الإسلامية أو العاملة لفلسطين، وكذلك المساجد وأئمة المساجد.
إرهاب رواد المساجد
صحيفة ساوث تاون إيكونومست كتبت بتاريخ الثاني من فبراير ۱۹۹۳م نقلًا عن تقارير إسرائيلية أمنية، فإن محمد صلاح ومحمد جراد «أمريكي من أصل فلسطيني اعتقل في القضية نفسها وسجن لمدة ستة أشهر» يعملان تحت إرشاد قائدين عالميين من قادة حماس عرف أحدهم بالشيخ جمال سعيد إمام مسجد برج فيو، الأمر الذي نفاه وبشدة الشيخ جمال وبين أن المقصود منه إلصاق تهمة الإرهاب برواد المساجد وتخويف الناس من التردد عليها، وتجريم أو تشويه الأئمة وعلماء المسلمين، وكتبت صحيفة «شيكاغو صن تايمز» في الرابع من يناير عام ١٩٩٥م «إسرائيل تدين ممول حماس» الأمثلة على: ذلك أكثر من أن تحصى وهكذا في محاولات جادة لربط العمل الإسلامي والإنساني والاجتماعي بالإرهاب، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أقدم الرئيس الأمريكي نفسه وتحت ضغوط اللوبي الصهيوني بالتوقيع على إعلان عام ١٩٩٥م على إعلان رئاسي يكون بموجبه محمد صلاح المواطن الأمريكي الأول عبر التاريخ الذي يوضع على قائمة الإرهاب، الأمر الذي أدى في حينه إلى تجميد أمواله وممتلكاته، وهو ما يزال خلف القضبان الإسرائيلية مما يعني منع زوجته وأولاده من أسباب الحياة الكريمة والتضييق عليهم.
الجالية العربية والإسلامية بلغت من الوعي -والحمد لله- ما استطاعت أن ترتقي به إلى مستوى الحدث، فلم تقبل باعتقال أبنائها في السجون الإسرائيلية ابتداء، ووقفت إلى جانب أهالي المعتقلين بكل قوة وإصرار واحتجت وتظاهرت مرارًا أمام القنصلية الإسرائيلية في شيكاغو مطالبة بالإفراج عنهما وبينت في فعالياتها ومؤتمراتها وأنشطتها المتنوعة ومن خلال صحافتها أن هذه الحملة ظالمة وأن الجالية والعمل الإسلامي هو المستهدف وأنها لن تنحني لهذه العاصفة.
وقبل انتهاء فترة اعتقاله بشهرين أقدمت السلطات الإسرائيلية في خطوة مفاجئة على الإفراج عنه قبل الموعد في خطوة ماكرة وخبيثة، وذلك حتى يتسنى محاكمته وملاحقته في الولايات المتحدة التي يحظر قانونها محاكمة أشخاص بعد خمسة أعوام من الجرم الذي يتهمون به، وقد رافقت عملية الإفراج عنه مسرحية هزيلة قصد منها الإمعان في التشويه وتحطيم نفسيته، حيث رفضت شركات الطيران الدولية السماح له بالسفر على طائراتها وخصوصا شركة KLM بحجة أنه إرهابي وخطير، وذلك لمدة ثلاثة أيام حتى قبلت شركة TWA حمله إلى نيويورك ومنها إلى شيكاغو، وفهم أبناء الجالية الإشارة والإهانة فاندفع المئات منهم إلى مطار أوهير في شيكاغو لاستقبال محمد صلاح والتضامن معه وإبلاغ رسالة إلى الإعلام والسلطات الإسرائيلية والأمريكية أن محمدًا ليس إرهابيًا وأن الجالية -كلها- تقف إلى جانبه، ولن تسلمه سائغًا لجوعى هذه الحملة الظالمة.
ضغوط صهيونية
وحاول محمد بعد ذلك أن يعيش حياته الطبيعية، ولكنهم لا يريدون له ذلك، فبالإضافة إلى تجميد أمواله عام ١٩٩٥م منعته السلطات الأمريكية -ولأول مرة في تاريخها- من العمل إلا إذا ذكر لصاحب العمل أنه إرهابي وتقديم تقرير مالي مفصل عن راتبه ومصروفاته وبشكل دوري ومهين وتعبئة أوراق الضريبة السنوية كل شهرين وليس كل عام كما هو دارج هنا، ومن هنا حاول محمد الاستئناف ونقض هذه الأحكام الجائرة والمضايقات قانونيًا وقطع شوطًا كبيرًا وكاد أن ينجح -لأن كل ما صدر ضده مبني على إرهاصات وضغوطات سياسية وخارجية، وليس لها سند قانوني- ولكن السلطات الفيـ فيدرالية سامها أن تظهر الحقيقة التي تدينها وتنسف كل أحكامها، وتحت وطأة الضغوطات الإسرائيلية المتواصلة، قبيل الظهيرة من يوم الثلاثاء التاسع من يونيو وبطريقة فظة واستفزازية قامت السلطات الفيدرالية بتسليم مذكرة بمصادرة أموال وممتلكات وبيوت وسيارات كل من محمد صلاح ومؤسسة القرآن الكريم -مؤسسة إسلامية تعني بعلوم القرآن وترجمته يشرف عليها الشيخ أحمد زكي- متهمة إياهما بتمويل النشاطات الإرهابية، وتقديم الدعم المالي لشراء أسلحة كيماوية ومتفجرات، وتدريب على الأعمال الإرهابية الموجهة ضد إسرائيل، ورافق ذلك حملة إعلامية شعواء عاتية رددت ذات الأسطوانة الإسرائيلية البالية، وقام أفراد من مكتب التحقيقات الفيدرالية بطرق أبواب العشرات من أبناء وقادة العمل الإسلامي في المدينة واستجوابهم واستفزازهم مما أعاد إلى الأذهان طرائق ووسائل مخابرات وجيش الاحتلال الإسرائيلي، الأمر الذي فرض علامات استفهام كبرى في أذهان أبناء الجالية عن أهداف الحملة وعمن يقف وراها والمصلحة من؟ ولحساب من؟ أسئلة أضحت إجاباتها جلية أمام الأنظار، ومما يدعم ما ترمي إليه أن التهم التي وجهت إلى محمد تهم مدنية وليست جنائية وذلك -كما صرح كل من: ماثيو باريرس محامي صلاح والمحامي من الجالية فادي زنايد- بأن السلطات الفيدرالية ليس لديها أدلة قاطعة تدين بها محمد أو مؤسسة القرآن الكريم جنائيًا كما يتطلب القانون الأمريكي، ولذلك عمدت إلى القضايا المدنية التي تحتاج فقط إقناع القاضي بوجهة نظرك حتى تكسب القضية، مما يسهل الإدانة وتنفيذ الحكم، والجدير ذكره أن من حيثيات القرار-قرار المصادرة- أن أمام محمد صلاح عشرة أيام للاستئناف، ويحق له البقاء في بيته إلى حين أن تبت المحكمة نهائيًا في الموضوع.
وكعادتها فلم تنحن الجالية لهذه الحملة، مع أنها فوجئت بضخامتها، وقررت -كما في السابق- مواجهتها، وهكذا كان، ولكن هذه المرة لم يقتصر العمل وأعبائه على عاتق الاتحاد الإسلامي لفلسطين والذي تبنى القضية وتفاعل معها، وقاد فعالياتها على مدى أعوام خمسة مضت، وذلك من النتائج الإيجابية لضخامة الحملة حيث تنادت كل قيادات وفعاليات الجالية المسلمة والعربية -مسلمين ونصاري- على اختلاف مدارسهم السياسية والفكرية للتصدي لهذه الحملة والوقوف إلى جانب محمد ومؤسسة القرآن الكريم، وتفويت الفرصة على المنتفعين من هذه الحملة والتي ستطول -إن فشلت الجالية في التصدي لها- كل أشكال العمل الإسلامي والعمل المؤسساتي والخدماتي هنا في الولايات المتحدة، ومؤسسات الزكاة والصدقات والإغاثة الموجهة قانونيًا إلى المجتمعات الإسلامية المحتاجة وخصوصًا ضحايا الإرهاب الصهيوني في فلسطين ولبنان، وشكلت لجنة متابعة سميت الهيئة المتحدة للحقوق المدنية مثلت كل الوان الطيف السياسي، حيث قررت الهيئة متابعة القضية على قنوات عدة منها الرسمية والقانونية، والشعبية، فعلى المستوى القانوني اجتمعت الهيئة مع محامي محمد صلاح، واستمعت منه إلى تطورات القضية والذي لمح من خلال عرضه للقضية أن أبعادها سياسية وخارجية، وأنه من السهل كسب القضية إذا انتفت عنها هاتان الصفتان، وعلى المستوى الشعبي نظمت الهيئة مسيرة تضامنية ضخمة انطلقت بعيد صلاة الجمعة الحادي عشر من يونيو من مسجد الجامع إلى بيت محمد صلاح القريب من المسجد، وشارك في المسيرة ما يزيد على الف من الرجال والنساء والأطفال تتقدمهم الأعلام الفلسطينية ولافتات التأييد والمناصرة، وسارت المسيرة بانتظام إلى أن وصلت البيت حيث عقد المشاركون مؤتمرًا صحفيًا، أكد فيه المتحدثون وقوف الجالية -كلها- إلى جانب محمد ومؤسسة القرآن الكريم ووسط هتافات التكبير أكدوا كذلك أن كل بيوت الجالية هي بيت محمد صلاح، وأدانوا الممارسات الإسرائيلية التي تهدم البيوت في وتلاحقهم فلسطين وتقتلع أهلها وتشردهم وتلاحقهم في مواقع اغترابهم لتصادر بيوتهم في أمريكا، وتساءل أحدهم: لماذا تغض الولايات المتحدة الطرف عن بلايين الدولارات التي تحولها المؤسسات اليهودية لبناء المزيد من المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة، تلك المستوطنات التي تعتبرها الولايات المتحدة غير قانونية ولا شرعية، وهل الإرهاب هو ما قام به محمد صلاح من تحويل بضعة آلاف من الدولارات المساعدة إخوانه وأقاربه والمحتاجين أم هو ما قام به المواطن الأمريكي اليهودي غولدشتاين من إطلاق النار الكثيف من سلاحه إم ١٦ الأمريكي الصنع على رؤوس المصلين وهم سجود في صلاة الفجر في الحرم الإبراهيمي الشريف في رمضان المبارك قبل ثلاثة أعوام مما أدى إلى سقوط بضع وثلاثين منهم وعشرات الجرحى، وفي نهاية المؤتمر تعاهد الجميع على المضي في القضية إلى نهايتها، مؤكدين ثقتهم أن القضاء إن تحرر من القيود السياسية والخارجية سيبرئ محمدًا ومؤسسة القرآن الكريم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل