العنوان الأندلس المسلمة.. بلد الكتب والمكتبات
الكاتب د. أحمد عبدالرحمن
تاريخ النشر الأحد 16-فبراير-1992
مشاهدات 66
نشر في العدد 989
نشر في الصفحة 50
الأحد 16-فبراير-1992
كانت العرب قبل الإسلام أمة أمية وظلت على
أميتها إلى أن أنعم الله عليها بالإسلام وعندئذ تفجرت فيها ثورة ثقافية وحضارية
شاملة ولم يمض نصف قرن من تاريخ الأمة الإسلامية حتى صار العرب والمسلمون من كل
جنس أساتذة للأمم الأخرى وكان تأليف الكتب واستنساخها يمثل أحد جوانب الازدهار
الشامل الباهر في ذلك العصر.
وفي سنة ٢٩ للهجرة افتتح المسلمون الأندلس
ونقلوا إليها بذور الحضارة الإسلامية وحين استقرت بهم الأحوال السياسية وتأسست
الخلافة الأموية بدأ التأليف العلمي والأدبي ومعه بطبيعة الحال شرع الخلفاء
والعلماء والفقهاء في تأسيس المكتبات الخاصة والعامة وازدهرت تجارة الكتب وتكاثر
أعداد الكتاب والنساخ والوراقين في العاصمة قرطبة خاصة وفي معظم المدن الأندلسية
وقد كان في قرطبة (۷۰۰) مسجد
تعج بالفقهاء والعلماء والطلاب وتقدم التعليم العالي لآلاف الدارسين.
ويمكن القول إن حركة التأليف والاستنساخ
والترجمة قد بلغت ذروتها في عهد الحكم الثاني (٣٥٠-٣٦٦هـ) = (٩٦١-٩٧٦م) الذي أنشأ
مكتبة في قصره بقرطبة كانت ذات ثراء لا يقارن فإنها كانت تضم بين خزائنها (٤٠٠٠٠٠)
من المجلدات ومع أن الفهارس التي وضعت لها كانت في غاية الاختصار حتى اكتفت بذكر
أسماء الكتب ومؤلفيها فقط فإنها كانت تحتوي على أربعة وأربعين سجلًّا؛ الواحد منها
في خمسين ورقة (انظر الشرق الإسلامي لبوفنسال- ص٣٦)، وقد تطلب إنشاء تلك المكتبة
الضخمة إيجاد شبكة واسعة من الباحثين والناسخين وتجار الكتب كانوا يعملون لحساب
«الحكم الثاني» ومكتبته، وقد انتشروا في العالم الإسلامي بحثًا عن الكتب، وفي
قرطبة ذاتها كانت هناك فرق عديدة من الناسخين الذين كانوا بمثابة المطابع لذلك
العصر والمجلدين والمزخرفين الذين يزورون تلك المكتبة بلا انقطاع، ولم يكتف الحكم
بمن لديه في قرطبة والمدن الأندلسية فجلب إليهم آخرين من صقلية.
وكان من الطبيعي أن يشرع الأشراف والأمراء
والأعيان في محاكاة خليفتهم فأخذوا ينشئون المكتبات الخاصة، ومما يصور ازدهار تلك
الحركة العلمية ما قاله أحد المؤرخين من أنه كان يوجد في ضاحية شرق قرطبة وحدها
سبعون امرأة يشتغلن يوميًّا في نسخ القرآن الكريم بحروف كوفية (المرجع نفسه)، فكم
رجل وامرأة كانوا يشتغلون بنسخ الكتب الفقهية والأدبية والتاريخية والطبية
والفلكية والجغرافية، وكم عالم كان يؤلف ويترجم في هذه العلوم المختلفة لقد كتب
ابن الفرضي في (تاريخ علماء الأندلس) عن ألف وستمائة وواحد وخمسين عالمًا
أندلسيًّا، وهم الذين ظهروا قبل وفاته سنة ٤٣ للهجرة، وقال: إنه قصد فيه الاختصار (ج
۳- ص ۱) ونحن
لا نزال إلى اليوم نستقي العلم من مؤلفات ابن حزم، وابن عبدربه وابن سيده،
والقرطبي والشاطبي، وابن القوطية، وابن خلدون وغيرهم... من فطاحل علماء الأندلس
ومؤلفيها العظام.
وقد أقبل الإسبان والأوروبيون على الكتب
العربية ينهلون منها في شغف شديد حتى وجدنا «ألبرو» يتحسر لذلك ويقول: إن إخواني
في الدين المسيحي يجدون لذة كبرى في قراءة شعر العرب وحكاياتهم ويقبلون على قراءة
مذاهب أهل الدين والفلاسفة المسلمين لا ليردوا عليها وينقضوها وإنما لكي يكتسبوا
من ذلك أسلوبًا عربيًّا جميلًا صحيحًا.. يا للحسرة! (انظر: أنخل بالمنثيا، تاريخ
الفكر الأندلسي، ترجمة: حسين مؤنس ص ٤٨٥).
وقد بلغ شغف المسلمين بالكتب وحرصهم عليها
أنهم اشترطوا في إحدى المعاهدات بين شانجة، وبين السلطان أبي يعقوب بن عبدالحق، أن
يبعث- شانجة- من كتب العلم التي بأيدي النصارى من لدن استيلائهم على مدائن
الإسلام، فاستكثر من أصنافها في ثلاثة عشر جملًا بعث بها إليه، فوقفها السلطان
بمدرسته التي أسسها في فاس، لطلب العلم. (راجع تاريخ ابن خلدون المجلد ٧ ص ٤٣٤–
٤٣٥).
ومن المؤسف أن تلك الثروة الهائلة من
الكتب قد تعرضت للحرق على أيدي الإسبان الذين أرادوا محو كل ما يذكر بالخدمات التي
أسداها العرب إلى البلاد، فأوجب رئيس أساقفة إسبانيا الكاردينال اكزيمينيس إصدار
مرسوم جدير بأزمنة التوحش قاض بحرق ثمانية عشر ألف مخطوط عربي في الأماكن العامة
بغرناطة. (راجع سيديو- تاريخ العرب العام، ص ٤٨٦)، وفي بغداد صنع المغول حريقًا
أبشع، وبذلك خسر المسلمون والعالم كله ثروة علمية وأدبية لم تملكها أية أمة أخرى.