العنوان في بلادنا يمكن أن يصبح المجرم بطلًا بريئًا
الكاتب د. علي محيي الدين القرة داغي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-مارس-1993
مشاهدات 73
نشر في العدد 1043
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 23-مارس-1993
غريب عالمنا الثالث - ومنه عالمنا
العربي - وغريب أمره، ومن أغرب ما فيه أن الجريمة سرعان ما تُنسى، والمجرم يمكن أن
يتخفى، والبريء متهم، والمتهم ممكن! وإن وسائل الإعلام لها القدرة على تزييف
الحقائق فيمكن أن تجعل مجرم الحرب حملًا وديعًا بريئًا، والفأر المذعور أسدًا
هصورًا، وأم الهزائم أم المعارك، والعلماني الفاجر مجاهدًا كبيرًا وأملَ الأمة
وفارسها، والديكتاتور الظالم ديمقراطيًا عادلًا، ومصاص دماء الشعوب حامي حماها...
وهكذا.
ألا تعلمون أن الطريق إلى ذلك هو
وجود القوة والكلام، وإجادة الميكروفونات، فالكلام والخطب- أيها الناس- هي الأساس،
وما عداها وجع رأس، فما عليك إلا بالشعارات البراقة، فلا أحد اليوم يبحث عما
وراءها، فيمكنك أن تكون بعثيًا علمانيًا في حقيقتك، ولكنك تعلن شعار الإسلام فتصبح
مجاهدًا بطلًا من أبطال الإسلام! ويمكنك أن تتحكم في دولة تبيح المحرمات وتغرق في
الخمور والموبقات، ولكن إذا كتبت بخط يدك «الله أكبر» فسوف تتحول هذه
الدولة بقدرة قادر إلى دولة إسلامية دون أي تغيير سوى هذا المفعول السحري للكلمات
والكتابات!
ويمكنك أن تفعل كل الجرائم مهما عظمت
من سفك الدماء، وانتهاك الأعراض وتدمير القرى والمساجد والمستشفيات واستعمال
الغازات الكيماوية، واحتلال البلاد، ومجازاة المحسن بالإساءة والقتل والتعذيب
والأسر، وحرق الآبار البترولية، وتلويث البيئة، والقضاء على جمال البحار
والأنهار.. ولكنك مع ذلك فما عليك إلا أن تتمسكن لتتمكن، وتتباكى على
الوحدة العربية، والغيرة والشهامة والنخوة، وتوسط الخيرين لتوصيل شكواك، وترسل
الرسائل بدعوى رأب الصدع، ورتق الفتوق، ولم الشمل، وتوحيد الصف، وتجميع الكلمة،
وتوضيح ما يهدد العالم العربي من مخاطر داخلية من خلال الإرهاب الإسلامي، ومخاطر
خارجية إقليمية من بعض الدول.
فإذا فعلت ذلك فيمكن أن يُنسى كل شيء
أمام الخطر الداهم! فتُستقبل استقبال الأبطال، وتُفرش لك الأرض بالزهور والورود
والبسط الحمراء، وتُعانق معانقات حارة كريمة رائعة وجميلة، فتُطبع على وجنتيك
وجبهتك وأنفك قبلات حارة.
هكذا شهدنا وشاهدنا مثل هذه
المسرحيات وإن كانت هزيلة، وقد تتكرر من شخص واحد مرات عديدة، فهجمات كلامية، ثم
معانقات حارة، ثم تفرق وخلاف ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ
لِيُفۡسِدَ فِيهَا وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ
ٱلۡفَسَادَ﴾ (البقرة: 205).
أهكذا تُقام الوحدة، وتتحقق القوة،
وتتآلف القلوب؟ كلا، لو كان الأمر كذلك لما خلق الله الجنة والنار، ولما شرع الله
الثواب والعقاب، ولما فرض الله تعالى إقامة الحدود والقصاص.
إن المجرم إذا لم ينل جزاء جريمته
يتشجع للمزيد من الإجرام، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ
حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 179)، حياة
للجاني نفسه حيث يخاف من العقوبة فلا يقدم على الجريمة، وحياة للمجتمع وأمن له
واطمئنان من خلال تأديب هؤلاء المجرمين وإعدامهم.
أيتعظ عالمنا الإسلامي والعربي مما
حدث في السابق تنفيذًا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يُلدغ المؤمن من جُحرٍ
واحد مرتين» أم يُجرب التجارب الفاشلة السابقة؟
والله المستعان.
واقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل