; ما ضاع حق وراءه مجاهد | مجلة المجتمع

العنوان ما ضاع حق وراءه مجاهد

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الأحد 07-يونيو-1992

مشاهدات 54

نشر في العدد 1004

نشر في الصفحة 50

الأحد 07-يونيو-1992

تحت هذا العنوان وحوله طوف كثير من الكتاب هذه الأيام، وتحدثوا عن النصر الذي حققه المجاهدون الأفغان بقليل من العدد والعدة وتحت ظروف صعبة وتضحيات مريرة وأجواء ملبدة بالغيوم، وبين مشكك ومضلل وساخر ومتحامل ومتربص من أعداء الأمة، وبين سلبي ومترهل، وكاره ومتردد وخائف وعميل من بينها، وبين علماني وعقلاني وعدواني من مثقفيها، وبين عاجز ومتحذلق ومتحوقل من علمائها، وبين متندر ومتشائم، ومحذر من حكامها.

استطاعت ثلة متوكلة على الله مجاهدة في سبيل عقيدتها وكرامتها وديارها أن تنتزع النصر من أفواه الأسود وأنياب الفهود وأظفار الكواسر، فما كانت روسيا بالبلد الضعيف وجندها كما يقولون عقائديون أصحاب فكرة، مدربون متقشفون أصحاب خبرة، مسلحون مدججون مدرعون أصحاب بأس، مخططون منظمون رواد معارك، مجهزون مبرمجون محصنون أهل تكنولوجيا، وزد على ذلك يساعدهم حكم عميل باع نفسه حتى الثمالة، وعقائديون ضالون مخدوعون حتى النخاع بيدهم مقدرات بلد مستباح وشعب مستعبد، وجيش منظم مدرب مكبل ومملوء بالأحقاد ومشحون بالأباطيل، وقد استعملت روسيا في هذه الحرب كل ما تملك من أنواع الدمار، واستغلت كل مدخراتها من الذخائر، جربت طائراتها الحديثة فور صناعتها، وذخيرتها فور إنتاجها ما هو مسموع به وما هو محرم.

جربت طائراتها الميراج 25 ثم 27، وجربت كل أنواع الصواريخ ومنها صاروخ سكود الذي يزن خمسة ونصف طن وطوله أحد عشر مترًا وقوته التدميرية رهيبة واستعملوا سياسة الأرض المحروقة وسياسات التجويع والإبادة ولكن المجاهدين ورغم ذلك فقد كانوا صواعق محرقة، وزلازل ناسفة، وكوابيس مرعبة، لجند المحتل وعسكر البغاة!

تحدث جندي شيوعي سأله التلفزيون الروسي قائلًا: كيف حالكم في أفغانستان؟ قال: عندما تسمع صيحة "الله أكبر" نبول على ثيابنا! وحينما ننظر إلى حجم الخسائر التي حققها المجاهدون في صفوف العدو والتي رصدتها الأقمار الصناعية الأميركية نجدها مرعبة هائلة استطاعت أن تركع دولة عظمى على ركبتها بل تضع أنفها في التراب وتمرغها في الأوحال فمن خلال الأقمار الصناعية التي تصور المعارك وترصد الطائرات وتحصي الدبابات ومن خلال أجهزة التنصت المبثوثة في المراصد والقواعد التي في أفغانستان وباکستان وما حولهما.كانت حتى عام 1988 تدمير (2080)، طائرة كما استهلكت روسيا مثلها (2080)، وذلك يوازي ثلاثة أضعاف القوة الجوية الإسرائيلية، ودمر من الدبابات والمجنزرات (17) ألفًا والآليات غيرها (21) ألفا والذين قتلوا حسب اعتراف الروس (50) ألفًا من الروس وكانت روسيا تنفق على جنودها وعلى التسليح وعلى عملائها من النظام العميل (45) مليونًا يوميًا، وهذا شيء استمر طويلًا حتى جعل روسيا وجورباتشوف يراجع حساباته، علموهم أن الدين أفيون الشعوب.. فإذا بهذا الدين يهزم القوى التقدمية في العالم بأسلحة مضحكة وبغير دبابات ولا طائرات ولا صواريخ ولا قادة بنياشين ولا اعتمادات أو حسابات مفتوحة ومليارات، بل ويجعل تلك القوى تصرخ وتستجير فيقول جورباتشوف صائحًا: أين الأمم المتحدة؟ أين معاهدة جنيف؟ أين المراقبون؟ ثم يطالب بتشكيل مؤتمر دولي ليخلصه من مشكلة أفغانستان ثم لا مغيث فيأمر بإخراج جنده مهزومًا من أفغانستان، ولا نبالغ إذا قلنا إن الجهاد الأفغاني كان أحد الأسباب الرئيسية والفاعلة والمؤثرة في انهيار الاتحاد السوفيتي وفي تخليص 6 جمهوريات مسلمة رزحت طويلًا تحت ذل وقهر البلشفية الشيوعية المدمرة.

والحق أقول: لقد كانت إرادة الجهاد أقوى من أي قوة عظمى حيث لوت عنق ذلك الجيش الأحمر المرعب الذي كان يستعرض عضلاته في الساحة الحمراء وكبدته خسائر فادحة ما كان ليخسرها في أي حرب عظمى وما كانت لتفعل فيه ما فعله الأفغان.

وهذا النصر رغم الأجواء العاصفة التي رافقته والخلافات في الرأي بين فصائل المجاهدين الذي كان متوقعًا لقادر على حل خلافاته وتكميل مسيرته وهذا النصر الذي حققه المجاهدون يجب أن يعطي دروسًا كثيرة للعرب ويمنحهم الأمل بأن الحق لا يضيع وإن طال الزمن.

ثانيًا: أن الحقوق لا تتسول ولا تستجدي برفع الأيدي والأرجل والمسكنة والتنازلات.

رابعًا: إن أي قوة عظمى مهما ادعت وتجبرت وتذاءبت فدواؤها الشافي عندنا وسمها الزعاف في عزائمنا «وما يوم حليمة بسرّ».

خامسًا: أن الشر عواقبه ندامة والعمالة عواقبها خزى وصغار وذل إلى آخر الدهر.

وبعد: ألست معي يا صديقي أن الحق لا يضيع ما دام وراءه مجاهد!

الرابط المختصر :