العنوان ضرورة الثقة في العلاقات
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 28-يوليو-1992
مشاهدات 64
نشر في العدد 1009
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 28-يوليو-1992
يروى أن هاجر رضي الله عنها عندما ذهب بها
الخليل ومعها وليدها ووحيدها إسماعيل إلى البيت الحرام حيث لا زرع ولا ضرع ولا
أنيس ولا جليس، وقد هالهما الأمر فسألته عن سبب فعلته هذه التي قد تكلفها حياتها
وحياة وليدها فأخبرها أن الله هو الذي أمره فقالت على الفور: «إذن لن يضيعنا أو
قالت إن الله لا يضيع أهله».
مشهد يدعو إلى الدهشة وموقف يتهاوى عنده
الأفذاذ وقبس ينير الطريق للأجيال مشهد يعلن عن الثقة وموقف يثبت الصمود وقبس
يطابق القرآن ﴿إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ (الأنفال:29)..
﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ
أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن
تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
(الحديد:12)، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ (الأنعام:122)،
﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ (النور:35)،
﴿وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاء﴾ (الشورى:52).
إن مردود الثقة يمتاز بالفردية دون غيره
من الصلات والطاعات والعبادات، إن مردود البيع مع صهيب بان بأسرع مما يتوقع،
فعندما خير بين الهجرة وبين المال واختار الهجرة على المال أعلن القرآن قبول البيع
على الفور في المدينة وهو ما يزال بمكة وأخبر الرسول المسلمين آنذاك بقوله: «ربح
البيع -ربح صهيب» بعد نزول القرآن.
والثقة ليست مقصورة على الله دون الناس،
بل لا بد من وجود الثقة بين الأفراد والأسر والجماعات والدولة لأن الوجود البشري
كنوع منوط به عمارة الأرض يحتاج إلى التحام عضوي يتم بمقتضاه التعاون والتعمير
مهما اختلفت المستويات وصدق الله إذ يقول ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم
مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ
دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ (الزخرف:32).
إن ثقة الصحبة بين أبي بكر والرسول جعلته
يقول عندما استعدته قريش على رسوله يوم الإسراء يريدون منه انفصام هذه الصحبة بأنه
أتى بما لم يأت به الأوائل حيث زعم أنه أُسري به من مكة وعاد في ليلة واحدة وهم
يضربون شهرًا ذهابًا وإيابا: فقال: «إن كان قال ذلك فقد صدق».. فكانت النتيجة
الفورية أن سماه الرسول الصديق.
كذلك الشأن في الأسرة لابد أن تكون الثقة
متوافرة بين أفرادها، وليس أدل على ذلك من الأسرة الصالحة حين قابل بعض فتياتها
موسى عليه السلام فلما عادت الفتيات إلى أبيهن، طلبت إحداهن من أبيها دعوة موسى عليه السلام فلم يتردد ولم يشك، ثم أجابها وطلبت أيضًا
أن يطلب منه الزواج من إحداهن فلم يتردد ولم يشك بل أجابها.
أما الثقة بين الشراكة والتجارة فهي
الضرورة الإيمانية لأن الله ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما الآخر وأن الشركاء
كالأخلاء بعضهم لبعض عدو إلا المتقين وإن من أبسط معاني التقوى مع الناس اتقاء
مرضاة رب الناس: «ألا يراك الله حيث نهاك وألا يفتقدك حيث أمرك».
إن الثقة بين الدولة أو الكتل ضرورة
حياتية ومن هنا كانت المواثيق والمعاداة بين الرسول وغيره من الأطراف دولًا كانت
أو قبائل، فإذا لم يتم ذلك فسوف تكون الحياة أشبه بغابة حين يسود فيها قانون الغاب
وشريعة المخلب، كما حدث في معاهدة سايكس بيكو وتقسيم الغنائم في مؤتمر يالطا أو
مالطا وناهيك عما كان من بريطانيا مع الشريف حسين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل