; مدينة «توريت» الاستراتيجية تسقط في شرك السلام؟ | مجلة المجتمع

العنوان مدينة «توريت» الاستراتيجية تسقط في شرك السلام؟

الكاتب محمد حسن طنون

تاريخ النشر السبت 14-سبتمبر-2002

مشاهدات 40

نشر في العدد 1518

نشر في الصفحة 36

السبت 14-سبتمبر-2002

على عكس ما كان متوقعًا فقد انفجرت الأوضاع في الجنوب الشرقي للسودان، وبالتحديد في مدينة توريت أكبر مدن الاستوائية بعد العاصمة جوبًا. لقد تقدمت قوات حركة التمرد واحتلت المدينة الاستراتيجية المهمة التي حررتها حكومة الإنقاذ عام ۱۹۹۲ في الحملة العسكرية المعروفة بـ «صيف المعبور».

أحداث توريت الدامية أدت إلى انسحاب الحكومة السودانية من مفاوضات السلام بمشاكوس وعودة الوفد المفاوض فورًا إلى الخرطوم.

توريت كمدينة لها رمزيتها التاريخية والجغرافية، فهي تاريخيًا المدينة التي اندلعت منها أول حركة تمرد عام ١٩٥٥ قبيل استقلال السودان بأشهر قليلة، وهي المدينة التي كانت مقرًا لجون جارانج بعد انشقاق حركته عام ١٩٩١م وقد عرفت مجموعة جارانج بمجموعة توريت والجانب الآخر المنشق بمجموعة «الناصر».

مفاوضات السلام في مشاكوس بكينيا كانت على وشك الدخول في نفق مظلم بعد أن تراجعت الحركة عن التزاماتها في الاتفاق الإطاري وتقدمت بطلبات وأفكار جديدة مناقضة لما تم الاتفاق عليه.

لقد تراجعت الحركة بشكل مفاجئ عن التزامات تضمنها بروتوكول مشاكوس في يوليو الماضي. كان البروتوكول يتضمن قيام حكومة تحقق الوحدة خلال الفترة الانتقالية يكون الجنوب السودان فيها وضع خاص ولكن الحركة تخطت ذلك لتقدم وضعًا يقوم على اتحاد كونفدرالي يتكون من دولتين واحدة في الشمال وأخرى في الجنوب والتراجع الآخر للحركة عن الاتفاق الإطاري الأول يتمثل في علاقة الدين بالدولة وهذه العلاقة أقرت الشريعة كاملة في ولايات الشمال ولكن الحركة أعادت فتحها من جديد بتقديم مفهوم يرى وجود عاصمة حرة لا تطبق فيها الشريعة وأما النقطة الأهم فهي حول حدود جنوب السودان حيث تم الاتفاق سابقًا على أن تكون الحدود المتفق عليها هي الحدود التي عليها نال السودان استقلاله في أول يناير ١٩٥٦م، وقد تراجعت الحركة عن ذلك وأصرت على تضمين جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق وأبيي لما يسمى بدولة الجنوب.

كانت هذه النقاط الجديدة التي برزت على طاولة المفاوضات كفيلة بنسف الجولة لا سيما أن الوسطاء من دول الإيقاد وقفوا موقف المتفرج من إعادة الحركة طرح النقاط الثلاث التي حسمت أمرها في الجولة السابقة.

بل الواضح هو انحياز وسطاء الإيقاد وشركاء الإيقاد وأصدقائها - وكلهم دول صليبية- للحركة المتمردة وظلت الإيقاد والأطراف الأخرى صامتة إزاء ابتعاد الحركة وانحرافها عن الأجندة المتفق عليها.

والمعلوم منذ ثلاث سنوات أن حركة التمرد تعمل بجد ونشاط لاحتلال منابع البترول ونسف أنابيب النفط وهي تريد أن تقوي موقفها في التفاوض حول قسمة السلطة والثروة وتفرض شروطها، وهي خطة الحركة من قديم وهذه الخطط معروفة لدى صناع القرار في الخرطوم.

وجبهات العمليات الحربية في السودان كثيرة وواسعة.. تمتد في الجنوب والشرق والغرب والوسط وهي أكبر من جبهات الحرب العالمية الثانية في أوروبا، والعمل في هذه الجبهات يسير وفقًا للأولويات لأن الحركة تلعب بخبثها ومكرها الذي تعلمته من الصهيونية اليهودية لعبة الاستنزاف وتبديد الطاقات وهذه اللعبة مفهومة في الترتيبات العسكرية.

وإن أهم الأولويات بالنسبة لحكومة السودان هي مناطق البترول ومسؤولياتها في حماية العاملين في شركات النفط واستمرار تدفق النفط وتصديره و دراسات الغربيين أكدت عدم نجاح الحرب في الجنوب في منع تدفق النفط والحكومة تعلم أنه حتى لو توصلت إلى اتفاق سلام فإن الاستراتيجيات الغربية لن تتغير بل ربما تستعر الحرب الحضارية المتمثلة في الثقافة وتصير مكشوفة.

والسؤال الآن: ما مآلات الأمور بعد أحداث توريت وسيطرة الحركة على معظم أجزاء الاستوائية؟ الحقيقة المرة هي أن السهولة التي تقدمت بها حركة التمرد نحو مدن شرق الاستوائية كبويتا من قبل وتوريت من بعد فتحت شهية الحركة ونواياها معروفة الهجوم على جويا و مناطق آبار النفط ولئن ظنت الحركة أنها قوية فإن الحكومة ليست ضعيفة وفي مقدورها الدفاع والهجوم، فقد تمكنت القوات المسلحة من القضاء نهائيًا على المليشيات التي تقدمت نحو آبار النفط بغية إتلاف ممتلكات الشركات العاملة وخطف بعض العاملين ولكنهم ردوا على أعقابهم ولقنوا درسًا قاسيًا.

إن ما حدث في توريت يؤكد أنه ليس هناك ضامن محايد للاتفاقات ولا هناك وسطاء محايدون، فالوسطاء لم يتحركوا إلى الآن لشجب ما حدث، بل وجد جارانج كل تشجيع على تعنته وبذلك يتضح أن هؤلاء الوسطاء غير جديرين بالوساطة ولا مؤهلين لحل الخلافات.

كما أن احتلال توريت وتحريرها ليس الأول منذ عام ١٩٥٥، فقد احتلت أول مرة في عهد إسماعيل الأزهري ثم في عهد النميري ثم في عهد الصادق المهدي، وحررت بواسطة حكومة الإنقاذ الحالية عام ١٩٩٢.

ليس الأمر في الاحتلال ولكن أحاديث السلام يجب ألا تطغى على ما يحدث في أرض العمليات حتى لا نؤكل كما أكل الإخوة الفلسطينيون حين وقعوا في شراك أوسلو.

 

الرابط المختصر :