العنوان مذبحة نحالين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-1989
مشاهدات 75
نشر في العدد 916
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 16-مايو-1989
رغم المذابح الانتفاضة مستمرة
إن تاريخ يهود ملطخ بالدماء، دماء
الأبرياء، فالمجازر التي اقترفها اليهود لا تعد ولا تحصى، ولقد عانى الشعب
الفلسطيني المسلم من ويلاتهم؛ حتى لا تكاد تخلو بقعة من أرض فلسطين من جرائمهم
الوحشية.
وها هي قرية نحالين – تبعد عن بيت لحم
١٣ كيلو مترا، ويبلغ عدد سكانها أربعة آلاف نسمة – تتعرض لمذبحتين رهيبتين على يد
قتلة الأنبياء ومصاصي دماء بني البشر.
المذبحة الأولى: قبل خمسة وثلاثين
عاما، ففي منتصف ليلة 1954/3/28 داهمت قوة من الجيش قرية نحالين بعد أن اجتازت خط
الهدنة، وتوغلت مسافة ٣,٥ كيلو متر في أراضي الضفة الغربية، وبدأت القوة المؤلفة
من ٣٠٠ جندي تبث الألغام في مساكن الآمنين وفي مسجد القرية، وبدأت بإطلاق النار
على سكان نحالين الآمنين، وهدمت بيوتهم ومسجدهم، واستشهد في هذه المذبحة ثلاثة عشر
وجرح سبعة عشر.
المذبحة الأخيرة: في فجر يوم الخميس
السابع من رمضان ١٤٠٩هـ، الموافق ۱/۱۳/ ۱۹۸۹ اقتحمت قوة من حرس الحدود والجيش
الإسرائيلي قرية نحالين، وباغتت سكانها أثناء تأديتهم لصلاة الفجر، وأطلقت عليهم
النار؛ ليسقط الشهداء، فيلتقي شهداء اليوم بشهداء الأمس على أرض نحالين البطولة
والصبر. وما إن وطأت أقدام القتلة أرض نحالين حتى هب سكانها العائدون من صلاة
الفجر يرددون: الله أكبر ولله الحمد، حي على الجهاد، خیبر خيبر یا یهود، جند محمد
سوف يعود.
وتشتد المواجهات، ويعلو صوت: الله
أكبر، حي على الجهاد من على مآذن المسجد، ومكبرات الصوت، السكان الآمنون الأبرياء
يتسلحون بهتاف: الله أکبر، والشباب منهم يعاجلون جند الاحتلال بحجارتهم، والكرات
المعدنية التي يطلقونها من سلاحهم الفتاك «المقلاع»، وقوات العدو تطلق الرصاص على
السكان بغزارة.
وكان جنود الاحتلال قد حاولوا اختراق
القرية قبل يوم المذبحة، ولأكثر من مرة، ولكنهم لم يفلحوا حتى إنهم حاولوا دخولها
يوم الأربعاء ٤/١٢، وعندما جوبهوا بحجارة شبابها تراجعوا، وهم يهددون ويتوعدون
(غدا وسوف ترون ما سيحصل لكم)، وبذلك فإن أمر المذبحة كان مبينًا ومقصودًا.
وأثناء المواجهات مع سكان القرية كان
الجنود يقتحمون البيوت، ويحطمون محتوياتها، ويعتدون على النساء والأطفال والشيوخ؛
حتى الحيوانات لم تسلم من أذاهم فأطلقوا عليها النيران وقتلوها، وقد اعتدوا على
مسجد القرية، فكسروا زجاج نوافذه، ودخلوه بنعالهم، ومزقوا مجلة الحائط التي يصدرها
الشباب المسلم، ومجلة الصراط الإسلامية، وأخذوا يطلقون كلمات السب والشتم بحق
الذات الإلهية والرسول محمد - صلى الله عليه وسلم -.
إزاء هذه الهجمة الشرسة والتصرفات
الإجرامية من قبل جند یهود ضد أبناء نحالين، فقد أجمع الشباب المسلم على الصائم
المتوضئ أمرهم، وأقسموا على أن يلقنوا جنود الاحتلال درسًا قاسيًا، وأخذوا بتنظيم
صفوفهم، وقد تراجع جنود العدو في بعض المواقع أمام الشبان وتحت تأثير غزارة
الحجارة المنهمرة عليهم بدأ الذعر يدب في صفوف القتلة، فأخذوا يطلقون الرصاص على
الناس بغزارة؛ مما أدى إلى سقوط أربعة شهداء من الشباب أكثر من اثنين وخمسين،
بينهم نساء وأطفال وشيوخ، وهناك العديد من الجرحى جراحهم خطيرة جدًّا، وبعض الجرحى
أصيب بالشلل التام، وبعضهم فقد بعض أعضاء من جسمه.
ووسط أنين الجرحى، وهتاف الله أكبر عمل
الناس على إسعاف جرحاهم، وفرضت قوات الجيش منع التجول عند الساعة السابعة والنصف
من صباح يوم الخميس، إلا أن الناس تمردوا على حظر التجول، وأفلحوا في نقل الجرحى
إلى المستشفيات، وتعرضت العديد من السيارات إلى إطلاق النار أثناء نقلها للجرحى،
مما أدى إلى جرح العديد ممن فيها، كما سارع الأهالي الصابرون إلى الصلاة على
شهدائهم ودفنهم في مقبرة القرية وسط الرصاص المنهمر، وقنابل الغاز الخانقة.
من شهداء نحالين:
1– صبحي محمد عطية شكارنة ٢١ سنة.
2- رياض محمد علي غياضة ٢٨ سنة، متزوج، وأب لأربعة
أطفال.
3- فؤاد يوسف نجاجرة ١٥ سنة.
4– محمد حسن محمد شكارنة ٢٢ سنة.
5– الشهيد صبحي محمد عطية شكارنة من مواليد سنة ۱٩٦٨، طالب في السنة الثانية بكلية
العلوم والتكنولوجيا – جامعة القدس، كان صواما يصوم الاثنين والخميس من كل أسبوع،
وقواما يقوم الليل، يناجي ربه ويدعوه أن يرزقه الشهادة في سبيل الله، كان الشهيد
صبحي يتمنى الشهادة في سبيل الله، وأن يصاب في صدره وجبينه، وكان يشير إليهما، كان
بارعا في تصويب الحجارة بالمقلاع، وكان متواضعا غيورا محبوبا لأهل القرية، وكان ذا
خط جميل.
حادثة استشهاده: صلى الفجر في مسجد
القرية يوم الخميس ٤/١٣، وعندما سمع بدخول الجيش وحرس الحدود إلى القرية، أخذ
ينادي في مكبرات الصوت: حي على الجهاد، الله أكبر ولله الحمد، وتوشح مقلاعه، وتقدم
الصفوف الأولى ينظم الناس، ويقودهم لمقارعة القتلة الظالمين، فتنطلق رصاصة غادرة؛
لتصيب أذنه، فينزف دمه، وحاول الناس إسعافه، فيرفض، ويصر على مواجهة الأعداء،
وينادي في الناس؛ كي يثبتوا ويتجمعوا، ويبدأ بتصويب مقلاعه فتنطلق حجر لتشج رأس
أحد جنود الاحتلال، فيسقط سلاح الجندي من يده، ويتقدم صبحي وإخوة له في الله نحو
الجندي المصاب إلا أن جنديًّا حاقدًا كان يكمن على سطح أحد المنازل يطلق رصاصة على
صبحي فيصيبه في جبينه وصدره، نعم والله لقد أصيب صبحي؛ حيث كان يشير دائما فينطلق
صوته بـ «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله»، ويتمكن إخوانه من
سحبه إلى أحد البيوت المجاورة، فيقدمون له الماء فيرفض، ويقول: أريد أن ألقى الله
أنا صائم.
وينطبق للمرة الأخيرة بالشهادتين، ثم
تصعد روحه الطاهرة إلى بارئها؛ لتلتقي مع أرواح الصديقين والشهداء والصالحين، وحسن
أولئك رفيقا.
الشهيد رياض محمد علي عياضة، من مواليد
سنة ۱۹۹۱، متزوج وأب لأربعة أطفال، كان محافظا على
تلاوة القرآن وكتب السنة النبوية، والمأثورات، وكان يختم القرآن مرتين كل شهر،
وكان يحافظ على الصلوات في المسجد.
وعندما سألته زوجته قبل استشهاده بأيام
عن أحوال أطفاله من بعده فيما لو رزق الشهادة، التي كان يتمناها، أجابها: إن رزقهم
على الله، أنا لست برزاق إنما هو الله).
حادثة استشهاده: استيقظ الساعة الثالثة
والنصف فجر يوم الخميس ٤/١٢، فتناول طعام السحور، ثم توضأ فأحسن الوضوء، وتوجه صوب
المسجد فصلى الفجر، وعندما علم بدخول الجيش وحرس الحدود قريته صلى ركعتين لله –
تعالى - على نية الشهادة، فانطلق مع مجموعة من الشبان يوقظون الناس، ويغلقون الطرق
في وجه قوات العدو، وعندما اشتدت المواجهة أخذ يقذف الجند بالحجارة، وينظم صفوف
الشباب؛ طالبا منهم الثبات.
وتنطلق الرصاصات القادرة؛ لتصيب قارئ
القرآن في ذراعه وكتفه، فيسقط على الأرض، ويحاول اثنان من إخوانه إسعافه، فيقتلهما
الجنود ويبقى رياض ينزف دما، ويرفض الجنود السماح للنساء بإسعافه، وينهالون عليه
ضربا، ويدحرجونه على الأرض، وهو يردد: (لا إله إلا الله)؛ حتى فاضت روحه الطاهرة
إلى الله، تشكو إليه ظلم الظالمين، وقد دفن مع أخيه الشهيد صبحي في قبر واحد.
هذا وقد أصدرت حركة المقاومة الإسلامية
(حماس) بيانها رقم ٤٠، مشيرة إلى مذبحة نحالين، وقد احتسبت الحركة عند الله
شهداءها، وعاهدت الله على أن تثأر لشهدائها في نحالين من القتلة اليهود، ومن ناحية
أخرى فقد أعلنت أعلى الرتب العسكرية الإسرائيلية أن من بين القتلى في نحالين شابين
نشيطين من حركة المقاومة الإسلامية (حماس).
رحم الله شهداءنا وأسكنهم فسيح جناته ﴿
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ
لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ
وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ
ۚ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ
ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ
هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ صدق الله العظيم.