; مذكرات السلطان عبد الحميد الحقة الثامنة | مجلة المجتمع

العنوان مذكرات السلطان عبد الحميد الحقة الثامنة

الكاتب محمد أحمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 04-نوفمبر-1975

مشاهدات 5

نشر في العدد 273

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 04-نوفمبر-1975

الحلقة الثامنة

ترجمة الأستاذ محمد حرب عبد الحميد

المدرس المساعد بكلية الآداب بجامعة عين شمس

  • روسيا تثير الأرمن لإرهاق الدولة العثمانية
  • الإنجليز يتخذون من المسألة الأرمنية ستارًا لتغطية استعمارهم لمصر
  • جمعية تركيا الفتاة تخوف وحدة الأمة وتخشى ثورة الأرمنية

(الحلقة الثامنة)

13 مارس 1323

قصر بيلربي

لم تكن المشكلة الأرمنية مشكلة الأرمن أنفسهم، وأستطيع القول -وأنا مرتاح القلب- إن الأرمن أفضل من يتبنون (العثمانية)، وأفضل من يمثلونها.. لقد خدموا حضارتنا وعملوا على الحفاظ على دولتنا، وظهر فيهم عثمانيون ممتازون بخدماتهم وحسن صداقتهم، ولم تكن للأرمن منا شكوى قط، ولكن الروس -لكي يصلوا إلى آمالهم في بلغاريا، ولكي يقتطعوا من الإمبراطورية العثمانية قطعة جديدة- لفوا الأرمن حول أصابعهم.. أرسلوا جواسيسهم صحبة قساوستهم ومعلميهم إلى الأرمن، فاليوم علينا، وانغمس هؤلاء في المغامرة.

ليس هناك قوم يستريحون لضعف البلاد التي يرتبطون بها.. لا أريد أن أقول إن الأرمن لهذا السبب ظلوا ساكتين متعلقين من تلقاء أنفسهم، ولكن حيث إنهم لا يملكون قوة قط، فمنهم -مثلهم في ذلك مثل الأقوام الأخرى- كانوا يستطيعون الانتظار لفترة أخرى.. ولكن أعمال التحريك والفتنة دفعت بعضهم إلى الإسراع في التمرد.

لو كنا سننظر إلى أصل الموضوع، فإننا كنا سنرى أن الروس لم يكونوا يؤيدون قيام (كيان أرمني مستقل) (أرمنستان) في تركيا؛ لأن في داخل حدودهم أرمن يمكن أن ينادوا في هذه الحالة بالانضمام إلى هؤلاء الأرمن المستقلين.. حسابات الروس كانت عبارة عن تقديم (إصبع من عسل) إلى أفواه الأرمن، وأحداث غائلة في تركيا.

ولم يَمْضِ زمن حتى أشرك الإنجليز والفرنسيون في هذا.. كانوا يريدون أن يصبحوا أيضًا أصحاب كلمة في القطعة الجديدة التي ستقتطع من الدولة العثمانية.. لم تتشكل أول جمعية ثورية أرمنية في تركيا، بل في باريس.. نُفِذَت كل شيء.. رأس الفتنة كان في الخارج.

وعملتُ كل ما في وسعي لسحق الفتنة وإيقاذ هؤلاء العثمانيين الجدد من الانحراف إلى الطرق الخاطئة.. من جانب بذلتُ لهم معاملة رحيمة، ومن جانب آخر استخدمتُ النزاع القائم بين الأرمن، من أرتوذكس وكاتوليك، ومنعتُ -لفترة طويلة- تجمعهم على فكر واحد.

كان الفرنسيون يحمون الكاثوليك، ويساند الروس الأرثوذكس.. كنت أحيانًا أقف مع هؤلاء، وأحيانًا أخرى مع أولئك، ولكني لم أنسَ قط أن كلا الفريقين من الرعايا العثمانيين، أنها أجهدت أن أحول بينهم وبين تحركهم.. حطموا أولًا بعضهم البعض، ثم استداروا واعتدوا على المسلمين.

كنتُ أعلم -كما كان العالم كله يعلم- هذه اللعبة.. لقد لعبوها وحاولوا في بلغاريا، وانتهت بحصول بلغاريا على استقلالها الذاتي.. لذلك حاولتُ عن طريق قوات الأمن، الحيلولة دون وقوع تصادم بين الأرمن والمسلمين.

هدف الأرمن إثارة المسلمين واستفزازهم للاعتداء عليهم، ثم يقيمون العالم ويعتمدونه بعد هذا.. تدخل الدول الأوروبية لنقول: إن الحياة بين هذين العنصرين مستحيلة، ولذلك لا بد من الاستقلال الذاتي.

لم تكن هذه الفترة التي يتولى القساوسة والمعلمون والجواسييس تحريكها ذات أهمية في مبدأ الأمر؛ فكثير من الأرمن العثمانيين لم يقبلوا هذه الأعمال بترحيب.. ولما لمستُ الأجهزة هذا، بدأت بمذابح عامة؛ لكي تجبر هؤلاء الأرمن الشرفاء من شيعتنا على المسايرة.. هؤلاء الأرمن الشرفاء كانوا في حيرة وفي خوف سواء من الحكومة أو من الجمعيات الأرمنية.. ما حدث بعد ذلك أن بدأ هؤلاء أيضًا في إمداد أعضاء تلك الجمعيات وحمايتهم.

كانت هذه هي الصفحة الأولى من هذه اللعبة..

أما الصفحة الثانية فكانت أن ارتدى أرمن زي الأتراك، وراحوا يقتلون مواطنيهم الذين يحجمون عن مساعدتهم، ثم يقولون: (ألا ترون الأتراك وهم يقتلوننا، وأنتم حتى الآن ما زلتم بعيدين عنا؟). ومن ناحية أخرى: كانوا يدخلون القرى التركية ويمارسون ضد الشعب المسلم فيها، مختلف أنواع القتل والتعذيب من ذلك: شق الجسد بالسكين، وحشوه بالبارود، ثم إشعاله.

والذين يثيرون هؤلاء الأرمن كانوا حريصين على مداومة إثارتهم، وخاصة في منطقة (ساسون).

ولكي أخمد هذا النزاع بين الأرمن والمسلمين: أرسلتُ الجيش بصلابة المشير زكي باشا، إلى هذه المنطقة، للعمل على سحق التمرد.

هرع سفراء الدول الكبرى، الواحد تلو الآخر، إلى القصر، قائلين إن من الظلم قتل هؤلاء الأرمن المساكين. وكان السفير الإنجليزي على وجه الخصوص، يريد تشكيل لجنة تحقيق فورًا، وقال بإرسال ملحق عسكري إنجليزي إلى مكان الواقعة، ويسبقها إليها.

حينئذ قلتُ لجميع السفراء -ولا سيما السفير الإنجليزي- بلهجة حادة: إن هذه مسألة أمن داخلي، وإن الجيش يطهر هذه الأماكن من الأشقياء. ثم أضفتُ قائلاً: ولن أسمح بإرسال ملحقين عسكريين، فإن ظهور ضابط إنجليزي في هذه المنطقة سيثير النزاع من جديد بين الشعب الذي هدأت أحواله.

خرج السفير الإنجليزي من عندي والحيرة والدهشة تغلبانه. ذلك لأنني كنت أعلم في تلك الأيام بأنباء تصادم إنجلترا وروسيا في الشرق الأقصى، فلا روسيا ولا إنجلترا، ولا أيضًا فرنسا التي تعمل حسابًا لألمانيا، يستطيعون التدخل بشكل جدي. وبالفعل لم يتدخلوا، ولكن إنجلترا بذلت أقصى ما في وسعها بعد ذلك بسنوات لإثارة المسألة الأرمنية، لكي تبعد عن الأذهان أعمال تدخلها في مصر. وكانت تعمل جاهدة على تركيز انتباه العالم على تركيا.

وعندما عرف الأرمن أنهم لن يستطيعوا الوصول إلى مبتغاهم بالأعمال التي قاموا بها في الأناضول: دفعوا بعصاباتهم وجمعياتهم إلى إسطنبول، وعملوا على إثارة المتاعب فيها، ونجحوا في هذا. ولكن الدول الكبرى كانت تعرف أنني لن أعطي الاستقلال الذاتي لهؤلاء الأرمن المبعثرين الذين يكونون الأكثرية في أي مكان قط. وكانت تعرف أنني سأستطيع أن أضع عيني على كل شيء، وهم يفقدون القوة التي تساعدهم على دخولهم في حرب، بسبب ما بينهم من تنافس. لهذا كانت المسألة الأرمنية مقلقة لتركيا، فهي ظلت تسمح للدول الكبرى بالتدخل في شؤون تركيا حتى السنوات الأخيرة.

لكن الصحف الأوروبية كانت تضع بصماتها على هذه المسألة أيضًا.. كانت تكتب فيها بشكل دائم، وتهاجمني وتلقبني بالسلطان الأحمر، وكانت تحرض الراي العام العالمي ضدي. وهكذا أصبحت المسألة الأرمنية من المسائل التي تشغل الراي العام العالمي، لكنها لم تكن بالمسألة الجادة عالميًّا. وفي هذا كان لسعيد باشا خدمات كبيرة.

لم أكن أدهش لهيام الأرمن بحب الاستقلال، خاصة بعد معرفة إثارة الدول الكبرى لهم بلا توقف، لكني أدهش لأن بعض أفراد تركيا الفتاة الذين هربوا إلى أوروبا وأصدروا هناك صحفًا ضدي كانوا يتعاونون مع أعضاء المنظمات والجمعيات الأرمنية، كما أدهش لأنهم كانوا يأخذون منهم أموالاً أيضًا.

كانوا يقولون إنهم يريدون إنقاذ الدولة العثمانية من التمزق، ثم يتعاونون مع الذين يعملون على تفتيت الدولة ويتعاهدون معهم.

ترى: إلى أي مدى كان يصل بهم الأمر لو لم أوقع بينهما؟

هل قيام دولة أرمنية في بطن الأناضول شاهد إثبات على وطنيتهم؟

أسجل هذا للاعتبار به، ولمعرفة: من يكون صديقًا لمن ناصبوني العداء.

وبينما يبكي الوطن اليوم: أجد التفكير فيهم أمرًا يؤرقني ويقلقني.

ها هم قد هدموا الدولة العثمانية!!

 

الرابط المختصر :