العنوان مذكرات داعية في دولة الباراجواي
الكاتب خالد رزق تقي الدين
تاريخ النشر السبت 13-أغسطس-2011
مشاهدات 58
نشر في العدد 1965
نشر في الصفحة 26
السبت 13-أغسطس-2011
- تقع وسط أمريكا الجنوبية ويبلغ عدد سكانها 6 ملايين نسمة وتشتهر بالزراعة
- دخلها المهاجرون المسلمون عام ۱۸۸۸م واستقروا بالعاصمة أسونسيون ومعظمهم من أصل سوري
- عملوا بالتجارة وتزوجوا من نسائها وانقطعت صلتهم بالعالم الإسلامي
- أولاد المسلمين نشؤوا نصارى لا يعرفون عن الدين الإسلامي شيئا ولا من اللغة العربية حرفا
- المسؤولية تقع على الآباء الذين لم يعرفوهم شيئا عن دينهم ولا لغتهم ولا أصولهم العربية الإسلامية
رسالة الداعية إلى الله وخصوصاً في بلاد الاغتراب، تتطلب منه أن يستعين بربه ومولاه؛ لفتح قلوب الناس لدعوة الخير والنجاة، وأن يتزود بالكثير من الصبر وتحمل المصاعب، وأن يوطن نفسه لحمل رسالة الإسلام في بلاد بعيدة عن بلاد المسلمين، ووسط جاليات فقدت الكثير من التعاليم الإسلامية بسبب تهاونها في تطبيق شعائر الإسلام ولقلة عدد الدعاة والمهتمين بالعمل الإسلامي.
أبدأ هذه المذكرات بمقدمة لسماحة الشيخ محمد بن ناصر العبودي الأمين العام المساعد لرابطة العالم الإسلامي، كتبها بعد زيارته لمدينة «أسونسيون» عاصمة دولة الباراجواي وكان هذا اللقاء مع أحد التجار المسلمين:
«ذهبنا إليه في حانوت كبير مليء بالأقمشة، ويعمل فيه عدد من الموظفات، فوجدنا الرجل مسنا وذكر لنا اسمه وأنه من منطقة «بعلبك»، بادرته بالسؤال عن أحوال العرب هنا في القديم؛ فأجاب بقوله: العرب ماتوا، فقلت له: قد يكون هذا مفهومًا بالنسبة إلى عرب الجيل الأول أنهم ماتوا، ولكن إذا مات العرب الأوائل فإن المفترض أنهم يكونون قد نسلوا من أولادهم وأحفادهم من يرثون عنهم عروبتهم في هذه البلاد، وقد يكونون أكثر منهم عددا، فقال: ولكن أولادهم ليسوا عربا، إنهم براجوائيون لا يعرفون العربية ولا الدين، فقلت له: وما السبب في ذلك، فقال: لأن العرب الأولين كانوا يسيرون خطأ، فسألته عن حاله هو، فذكر أنه قدم إلى الباراجواي منذ ٥٥ عاماً، وأنه تزوج من نصرانية إيطالية، فنشأ أولاده نصارى لا يعرفون عن الدين الإسلامي شيئاً، ولا من اللغة العربية حرفا، هنا نجد أن الأب المسلم في المهجر لا يكفيه أن يصلي ويصوم في المهجر، بل من الواجب عليه أن يجتهد في تربية أولاده على الالتزام بالإسلام، ولا يكفي أن يكونوا مسلمين، بل عليه أن يكون قدوة حسنة لهم، ونرى في مثل هذه المواقف أن الأولاد لا يتنصرون بسبب البيئة، بل بسبب تقصير آبائهم، فلو كان الأب متمسكا بدينه لاقتدى أبناؤه به ولما خرجوا نصارى.
تنصير الأولاد
ثم يضيف الشيخ العبودي ما هو أنكى وأشد إيلاما بقوله : إنهم ثمانية ثلاثة صبيان وخمس بنات وكلهم تعمدوا عند الدخول إلى المدرسة؛ لأنهم لابد لهم من التعميد عند دخول المدارس ومعنى التعميد أنهم قد أصبحوا من الناحية الرسمية من النصارى فقلت له : وما موقف أولادك الآن إذا ذكروا أصلهم وجهلهم به؟ قال : إنهم يقولون كما يقول أبناء العرب الأوائل كلهم: «الحق على أهلنا» أي أن الملامة على أهلنا الذين لم يعلمونا، ثم قال: المسلمون من العرب كانوا كثيرين في السابق، أما الآن فلا هنا سأل «العبودي» هذا المهاجر: ما داموا كذلك، ألم تفكروا في إنشاء جمعية إسلامية، أو تفكروا في بناء مسجد واستقدام مدرس مسلم لأولادكم من البلدان الإسلامية؟ فقال: لا، قلت له : وكيف تجتمعون ويعرف بعضكم أحوال بعض؟ قال: كان هناك النادي اللبناني، والنادي السوري والاتحاد العربي (Fayarab) وأكثر الذين انضموا إليه من النصارى، فقلت له هذه فرصة لكي تصلوا العيد والجمعة في أحد الناديين، فقال: ولكننا لم نفعل شيئا، فلم نكن نصلي العيد فضلا عن الجمعة، فقلت له: وصيام رمضان؟ فقال: لا نعرف الصيام ولم نكن ندري عن دخول شهر رمضان ولا عن خروجه».. هذا الرجل الذي التقاه الشيخ «العبودي» سيكون فيما بعد أول رئيس للمركز الإسلامي في الباراجواي.
بعد تخرجي من كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام ١٩٨٦م ، وبينما كنت أعد العدة للعودة إلــى مـصـر المحروسة، جاءني الخبر أن «د. حكمت بشير»، وكان أستاذا في الجامعة الإسلامية آنذاك يبحث عن بعض الخرجين لكي يتعاقد معهم «د. أحمد توتونجي» ضمن مشروع دعوي لإقامة العمل الإسلامي في قارة أمريكا اللاتينية المنسية، تحت رعاية الندوة العالمية للشباب الإسلامي، وبتمويل من الشيخ «سليمان الراجحي» يرحمه الله، قدمت أوراقي وجاء قبولي ضمن ستة من الدعاة تم ترشيحهم لهذا الهدف.
وصلتنا ورقة عن كل دولة، وطلب من كل داعية أن يختار إحدى هذه الأوراق لتكون هي الدولة التي سيبتعث إليها، وكان نصيبي ورقة عن دولة الباراجواي كانت بها بعض المعلومات البسيطة عن هذا البلد وعن المسلمين فيها.
الذهاب للبرازيل
سافرت إلى البرازيل، حيث كانت الخطة تقتضي أن نبقى هناك لمدة أسبوع يقوم فيها السيد «أحمد علي الصيفي» بتيسير أمور سفرنا للجهات المقصودة وقام بإرسالي لمنطقة «فيلا سان جوزيه» بمدينة «ساو باولو» البرازيلية للبقاء مع أهلها لمدة أسبوع، ولكن أهل المنطقة استبقوني معهم لفترة أطول، ووفقني الله ومن خلال دعمهم لتأسيس جمعية «علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه» الخيرية الإسلامية، وزاد تمسك الناس بي وحاولوا استبقائي ولكن دون جدوى، فقد أصر «د مانع الجهني» يرحمه الله وكان الأمين العام للندوة آنذاك، وكذلك «د. أحمد توتونجي» على سفري للباراجواي.
الانتقال للباراجواي
سافرت إلى الباراجواي بداية عام ١٩٨٧م للبدء في تأسيس أول عمل إسلامي بهذه الدولة، واجتمعت مع قيادات الجالية المسلمة في مدينة «ثيوداد ديلايستي»، وأخبرتهم بالهدف من زيارتي لم يتشجع أحد للفكرة إلا السيد حسين طيجن يرحمه الله كان رجلا ذا شخصية قوية، وكلمة مسموعة داخل دولة الباراجواي، وكان رئيساً للغرفة التجارية في ذلك الوقت، وهو الذي قوّى من عزيمتي وقال: لابد من بداية العمل الإسلامي داخل الباراجواي وفي اليوم التالي جاءني أحد الشباب المسلمين المتحمسين وهو الحاج «محمد عدنان جبارة»، وأخبرني بضرورة أن يكون هناك مركز لتجميع المسلمين في دولة الباراجواي مما زاد من عزمي وقوّى من إرادتي فتوكلت على الحي الذي لا يموت وتركت دولة البرازيل وتوجهت لدولة الباراجواي وكانت البداية بزيارة المسلمين في مدينة الشرق «ثيوداد ديلايستي» التي تقع على حدود دولة البرازيل، ثم بدأت بزيارة العاصمة «أسونسيون»، والتقيت بنفس التاجر الذي التقى به الشيخ «العبودي» قبل سنوات، ولكن هذه المرة أخبرته عن ضرورة إنشاء مركز إسلامي في العاصمة.
تعريف بدولة الباراجواي جمهورية الباراجواي «Paraguay» هي إحدى دول أمريكا الجنوبية، و«باراجواي» كلمة هندية تعني النهر المزدان، نسبة إلى نهر الباراجواي الذي يخترق الدولة، وصل إليها الإسبان عام ١٥٢٦م، ولم يستطيعوا احتلالها، وخضعت للرهبان اليسوعيين وظلت تحت سيطرتهم إلى أن طردتهم إسبانيا عام ١٧٦٧م ، نالت البلاد استقلالها من الاستعمار الإسباني عام ١٨١٤م بعد الثورة التي انطلقت عام ۱۸۱۱م، وبعدها دخلت الباراجواي طاحنة في حرب مع جيرانها (البرازيل الأرجنتين الأوروجواي) خسرت على إثرها الكثير من أراضيها وأعدادا هائلة من سكانها بلغت نصف عدد السكان، ثم دخلت بعد ذلك في حرب ضد «بوليفيا» استمرت ثلاثة أعوام من ۱۹۳٥م إلى ۱۹۳۸م فقدت بعدها مساحة كبيرة من إقليم «تشاكو».
تقع الباراجواي في وسط أمريكا الجنوبية ولا يوجد لديها أي منافذ طبيعية، تحدها من الشرق البرازيل والأرجنتين، ومن الغرب والجنوب الأرجنتين، ومن الشمال بوليفيا، وتبلغ مساحتها ٤٠٦٧٥٢ كلم٢ ، وعاصمتها «أسونسيون» Asuncion وتنقسم إلى 17 مقاطعة أهم مدنها أسونسيون ثيوداد ديل إي، إنكرنسيون كولنيل أوفيدو، ومتوسط درجة الحرارة صيفا ۲۷ درجة مئوية وشتاءً ۱۷ درجة.
يبلغ عدد سكانها ٦١٩١٣٦٨ نسمة (إحصاء ٢٠٠٤م)، وهم عبارة عن ٩١٪ خليط من أجناس مختلفة، ٣٪ هنود، ۲٪ ألمان، ٤٪ أجناس أخرى، وتعتبر الإسبانية هي اللغة الرسمية للدولة، ويتقن الشعب لغة محلية وهي «الجواراني»، وهي لغة هندية قديمة يتحدثها الشعب بطلاقة وتدرس في المدارس الحكومية، ويعد المذهب الكاثوليكي الديانة الرسمية لأهل البلاد بنسبة ٩٨٪ والبقية من أديان ومذاهب أخرى، توجد في الباراجواي خمس جامعات رئيسة يدرس فيها ٣٠ ألف طالب، وتبلغ نسبة الأمية ٢٤٪ (إحصاء ۱۹۹۱م)، ويعتبر «الجواراني» العملة الرسمية للبلاد والدولار الواحد يساوي (۲۰۵۰) جواراني، ومتوسط الدخل السنوي للفرد ٣٦٠٠ دولار أمريكي.
نظام الحكم
نظام الحكم جمهوري والسلطة التنفيذية بيد رئيس الجمهورية الذي ينتخب كل خمسة أعوام، والرئيس الحالي هو «فيرناندو لوجو» وأهم الأحزاب السياسية الحزب الوطني الجمهوري»، ويشتهر بالحزب الأحمر، وهو الحزب الحاكم، و«الحزب الليبرالي» ويشتهر بالحزب الأزرق.
تحتل الزراعة المرتبة الأولي من مصادر الدخل القومي؛ نظراً لخصوبة الأراضي، وتزرع معظم الغلات والفواكه التي تصدر عن طريق البرازيل حيث لا يوجد في الباراجواي موانئ للتصدير، ويوجد بها ثروة حيوانية كبيرة من الأغنام والبقر تقوم بتصدير بعضها، وكذلك بعض مشتقات اللحوم، وتشكل التجارة مصدراً رئيساً من مصادر الدخل وخصوصاً بعد اعتبار مدينة «ثيوداد ديلايستي» الواقعة على حدود البرازيل والأرجنتين منطقة حرة؛ مما دفع إليها رؤوس الأموال الأجنبية، وكذلك السياح من الدول المجاورة وتقدر حركة رأس المال السنوية داخل المدينة به مليارات دولار على تقديرات المحللين الاقتصاديين العالميين وتشكل الطاقة الكهربائية مصدرا آخر من مصادر الدخل القومي؛ حيث تبيع الباراجواي حصتها من الطاقة الكهربائية -التي تستخرج من سد «إيتايبو» أكبر سد في العالم، وهو مشروع مشترك مع دولة البرازيل حيث تبلغ طاقته الإجمالية ١٢ مليون كيلو وات سنويًا- للدول المجاورة.
وصول المسلمين
تذكر الروايات التاريخية أن وصول المهاجرين المسلمين بدأ عام ۱۸۸۸م واستقروا بالعاصمة «أسونسيون»، ومعظمهم كان من أصل سوري هاجروا طلبًا لحياة أفضل وعملوا بالتجارة وتزوجوا من نساء هذه البلاد، وانقطعت صلتهم بالعالم الإسلامي؛ مما عرض أجيالهم للذوبان والضياع، ومع نهاية الخمسينيات من القرن الماضي بدأت هجرة جديدة من لبنان على مدينة «ثيوداد ديلايستي» والتي تقع على حدود البرازيل ونشطت هذه الهجرة بعد بناء جسر الصداقة بين البرازيل والباراجواي واعتبار «ثيوداد ديلايستي» مدينة تجارية حرة، وقد زادت الهجرة من لبنان بعد اندلاع الحرب الطائفية ١٩٧٤م، ومازالت مستمرة إلى وقتنا الحاضر بمعدلات كبيرة وكذلك وصل إلى المدينة مسلمون من سورية وفلسطين وبنجلاديش وباكستان وبعض الجنسيات الأخرى، وتقدر التوقعات عدد المسلمين بحوالي ٧٥٠٠ مسلم.
يحظى المسلمون بنوع من الاحترام والتقدير من السلطات الحاكمة نظرا لنفوذهم التجاري ومكانتهم السياسية، حيث يتمتع بعض أبناء المسلمين بمكانة سياسية واجتماعية فوزير الخارجية الحالي «أليـخـنـدرو حامد فرانکو» مسلم، وهو من المؤسسين للمركز الإسلامي في عاصمة البلاد، خلافاً للكثير من أبناء المسلمين الذين تولوا وظائف حساسة داخل الدولة وغير هؤلاء من مديري البنوك والأطباء ومدرسي الجامعات ولكن معظم هؤلاء قلما يعرفون شيئًا عن دينهم ولكنهم يحملون الحب للعرب ولأصولهم الإسلامية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل