العنوان مذكرات: صفحات من دفتر الذكريات (۸۸): مشروع اتحاد الكُتاب
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-مارس-1996
مشاهدات 61
نشر في العدد 1191
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 12-مارس-1996
*اضطراب الأحوال السياسية في الجزائر عطل مشروع الاتحاد:
عندما اجتمعنا في ندوة قضايا المستقبل في الجزائر، كان الشيخ «محمد الغزالي» قد استقال من منصبه كرئيس لجامعة الأمير عبد القادر الإسلامية رغم إلحاح الرئيس الشاذلي بن جديد عليه في الاستمرار بالجزائر، لكنه اعتذر لأسباب صحية، ورشح مكانه الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي الذي شجعته جهات كثيرة على قبول هذا الترشيح، وقد بدأ فعلًا نشاطه بالجزائر في هذه الفترة الحرجة.
كانت لي معه جلسات عديدة، وقد اقترحت عليه أن نستفيد من اجتماع عدد كبير من الكتاب والمفكرين الإسلاميين في هذه الندوة لكي نتفق معهم على إنشاء هيئة دائمة تجتمع دوريًّا للتشاور في بعض القضايا الفكرية، وتحدثت مع آخرين من أصدقائنا الحاضرين في الندوة، ومنهم الشيخ «محمد الغزالي» فوافقوا جميعًا، وقدم الدكتور يوسف القرضاوي هذا الاقتراح أثناء المناقشات واقترح أن تُسمى «ندوة الكتاب»، وطلب مني أن أعد ورقة بذلك وأعرضها على من يوافقون على الاشتراك في الندوة، وأعددت صيغة البيان وسارعت بالحصول على توقيعات المؤيدين للفكرة في لقاءات جانبية، وترددنا كثيرًا في تحديد مقر الندوة، واستعرضنا عواصم العالم العربي، فاستقر رأي معظمنا على أن الجزائر أنسبها، لكي يكون هذا صورة أخرى لندوات الفكر الإسلامي التي كانت تحتضنها الجزائر من قبل.
وأنشر فيما يلي الأوراق التي ما زلت أحتفظ بها لهذا المشروع، وقد بلغ اهتمامي بهذا المشروع إلى حد أنني ذهبت إلى تونس وعرضت الأوراق على صديقي الشيخ عبد الفتاح مورو، فوافق على إضافة اسمه بخطه والتوقيع بذلك، وكل هذا كان أساسه التفاؤل بموقف الحكومة الجزائرية، واستقرار الأحوال بهذا البلد العزيز، لكن آمالنا لم تتحقق، إذ إن تطور المشكلات في الجزائر والانقلاب العسكري قد عطل المسيرة، ولم يتم إنشاء الاتحاد لأسباب عديدة أهمها اضطراب أحوال الجزائر، مما دفع الدكتور القرضاوي إلى ترك الجزائر ومغادرتها بعد فترة قصيرة، أضيف هنا نص البيان الذي أعددته:
بيان بالنظام التأسيسي لمنتدى اتحاد الكتاب الإسلاميين:
المشاركون في ندوة الجزائر حول قضايا المستقبل بدعوة كريمة من مركز دراسات المستقبل الإسلامي ومعونة المعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية الشاملة بالجزائر، في الفترة من (۹ إلى ۱۲) شوال ١٤١٠هـ الموافق ٤ إلى ٧ مايو (۱۹۹۰م).
إيمانًا منا بأهمية الحوار والتشاور بين أصحاب الفكر، وحرصًا منا على الإسهام في مسيرة أمتنا ونهضتها ووحدتها، ورغبة في تمهيد السبيل لكل مشاركة إيجابية في التصدي لمواجهة مشكلات الحاضر والمستقبل، وشعورًا منا بالحاجة إلى منتدى يتيح للجميع تبادل الرأي والحوار الحر، وافقنا على اقتراح الدكتور يوسف القرضاوي بإنشاء منتدى للفكر على الأسس التالية:
أولًا: تشكيل مجلس تنفيذي مؤقت لحين اجتماع الهيئة التأسيسية.
ثانيًا: تفويض المكتب التنفيذي لإعداد النظام الأساسي بواسطة الخبراء المختصين، على أن يراعى فيه ما يلي:
- أن يكون الغرض منه إيجاد الوسائل اللازمة للحوار وتبادل الآراء بين الباحثين والمفكرين والكتاب الذين يعبرون عن فكر الأمة وتوجهاتها المستقبلية، دون تمييز بينهم وبين جنسياتهم أو معتقداتهم، أو أماكن إقامتهم، أو اتجاهاتهم الأيديولوجية.
- أن يكون هدفه هو تنمية روح التعاون والتضامن فيما بين الأعضاء للدفاع عن حرية الرأي وتشجيع الحوار وتبادل الآراء والمعلومات.
- أن يكون أعضاؤه هم المؤسسون الموقعون على هذا ومن ينضم إليهم من ذوي الرأي والعلم والثقافة، وتمنح لهم العضوية بقرار من المكتب بناءً على طلبهم، وتزكية اثنين من الأعضاء.
- يشترك جميع الأعضاء في مداولات الجمعية العمومية، ويساهمون في النشاطات واللقاءات والمشروعات التي يقوم بها المنتدى.
- تقر الجمعية العمومية خطة عمل بناءً على اقتراح من المكتب لمدة سنتين، وقد فوض المجلس التأسيسي المكتب لكي يضع خطة السنتين الأوليين على أن تعرض على أول جمعية عمومية لمناقشتها وإقرارها.
- يختار المكتب رئيسًا، وأمينًا عامًّا، ومراقبًا، ويضع نظامًا لتوزيع الاختصاصات والمسؤوليات.
- الرئيس يمثل المنتدى أمام القضاء، وفي علاقاته مع الغير، سواء كان أفرادًا أو هيئات خاصة أو جهات رسمية، وله أن يفوض أحد الأعضاء لينوب عنه في بعض اختصاصاته.
- للمكتب أن يختار رئيسًا مناوبًا يقوم بالعمل في حالة غياب الرئيس، ويعاونه في جميع الأحوال، كما أن له أن يختار أمينًا عامًّا مساعدًا.
- تمويل نشاط المنتدى يعتمد على اشتراكات الأعضاء وتبرعاتهم، كما أن للمكتب أن يقبل التبرعات والهبات والأوقاف التي لا تُقيد بشروط تخالف النظام أو الأهداف التي أنشئ من أجلها.
- يجوز للمكتب أن يقترح على الجمعية العمومية فصل العضو الذي يتخلف عن سداد اشتراكه لمدة سنتين، أو من يقوم بنشاط يتعارض مع رسالة وأهداف المنتدى.
- يعد المكتب الميزانية لكل دورة مالية تشمل عامين، ويعمل بها بعد إقرار الجمعية العمومية.
- للجمعية العمومية إدخال التعديلات التي تراها مناسبة على هذا النظام ويعمل بها فور إقرارها، والله الموفق.
تلا ذلك اجتماع المكتب التنفيذي المؤقت وهذا هو محضره:
في اجتماع عُقد بمدينة الجزائر لمناقشة الخطوات العملية لتنفيذ النظام الأساسي والبيان الصادر به، وبناءً عليه اقترح الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي تأسيس اتحاد للكُتاب أو رابطة أو منتدى أو ندوة للمفكرين، وقد اتفق الموقعون على هذا البيان على أن يكونوا مؤسسين، كما اجتمع أعضاء المكتب التنفيذي المؤقت، وقرروا ما يلي:
1-اختيار الإخوة الموقعين على هذا ليكونوا أعضاء في المجلس التنفيذي ومسؤوليات كل منهم على النحو التالي:
أ-يقسم الأعضاء إلى خمس مجموعات إقليمية هي: الشمال الإفريقي- مجموعة البحر الأحمر- الخليج العربي- الشرق الأدنى- المغتربون، وتختار كل مجموعة إقليمية ممثلًا لها في المجلس التنفيذي، كما تختار عضوًا مناوبًا يحل محل ممثلها الأصلي في حالة غيابه.
ب- يتولى الأمين العام ومناوبِه مهمة إعداد المقر والحصول على الترخيص الرسمي.
وقد كان أول موضوع اقترحت مناقشته في إطار هذا الاتحاد هو موقف القوى الاستعمارية واستغلالها لكتاب المدعو سلمان رشدي، واتخاذه وسيلة لإثارة جماهير المسلمين وعامتهم كلما كان لهم فائدة في ذلك. وتحدثت مع بعض إخواني في ذلك فطلبوا مني إعداد اقتراح لعرضه في أول اجتماع للاتحاد، وقد أعددته فعلًا، ولكنه لم يُعرض ولم يُناقش، ويحسن أن أعرضه لأن الموضوع في نظري يستحق التأمل وما زال يستلزم علاجًا حاسمًا.
من وجهة نظري سوف يكون هذا الموضوع أول تجربة يخوضها الاتحاد لإثبات قدرته على الدفاع عن مبدأ حرية الرأي، وحدود هذه الحرية من أجل وضع حد لاستغلال أعداء الإسلام كتاب المدعو سلمان رشدي، وذلك باقتراح أسلوب قانوني لمواجهة الحملة على مبادئ الإسلام ومقدساته، وأحكام الشريعة الغراء بعيدًا عن المزايدات الإعلامية الأجنبية التي يقصد بها إثارة العواطف الانفعالية للجماهيرية الإسلامية، لاستغلال ما تؤدي إليه هذه الانفعالات من فوضى واضطرابات. إننا يجب أن نسعى لوضع الأمر في يد القضاء والمختصين من خبراء الفقه والقانون، وأقترح أن يُراعَى في هذه القضية المبادئ الإسلامية الآتية:
1-أنه لا يجوز لأي مسلم أن يقوم بأي عمل يهدد حياة إنسان أو حريته إلا بناءً على حكم قضائي صادر من محكمة شرعية، وأن يطبق على سلمان رشدي وأمثاله.
2- أن الفتوى أو الفتاوَى الصادرة في هذا الشأن لا تصدر إلا من محكمة إسلامية مختصة تنظر في الدعوى وفقًا للإجراءات الجنائية المقررة لتلك المحكمة من جانب سلطات الدولة أو الهيئة الدولية التي أنشأتها.
3- أن التهمة التي تبرر الحكم بالإعدام هي جريمة الردة عن الإسلام التي هي خيانة لأمته، ومن واجب المحكمة التي يقدم لها المتهم طبقًا للمبادئ الإسلامية أن تعطيه فرصة التوبة وفقًا لأحكام الشريعة قبل إصدار الحكم.
4- أنه لا يجوز محاكمة المتهم عن جريمة الردة أو غيرها من الجرائم إلا بعد حضوره أو القبض عليه، وإعطائه فرصة للتوبة قبل الحكم عليه، وقبل تنفيذ الحكم.
5- أن الحكم الصادر على المرتد لا يُنفذ إلا بواسطة ولي الأمر في البلد الذي صدر فيه الحكم، وطبقًا للإجراءات المقررة في ذلك البلد.
6- أنه لا يجوز لمسلم أن يمس سلامة المتهم أو يهدد حياته بدون تفويض السلطة المختصة في البلد الذي أصدر الحكم، وتحمل مسؤوليته، ولا يكون ذلك إلا بعد صدور الحكم فعلًا.
7- أن هناك احتمالًا كبيرًا أن تبادر إحدى القوى المعادية للإسلام بإغراء عملائها للاعتداء على حياة سلمان رشدي أو أمثاله لكي يُنسب الاعتداء للمسلمين، ويُتخذ وسيلة للتشهير بهم، ودفع بعض الدول الأجنبية لاتخاذ إجراءات انتقامية.
8- أن الذي يثير جماهير المسلمين وأفرادهم ليس هو ارتداد المدعو سلمان رشدي لأن هناك مرتدين كثيرين يتباهون بذلك ويعلنونه في داخل أقطار العالم الإسلامي وخارجه لا يهتم بهم أحد، لكن استغلال الإعلام الأجنبي لهذا الكتاب ومبادرة بعض ذوي السلطان في الدول الأجنبية لتشجيعه ودفع مؤلفه لإعلان تصريحات بذيئة تثير الجماهير، ومسارعة بعض الحكومات والهيئات الأجنبية للدفاع عن الإهانات التي وجهها للإسلام ورسوله وتاريخه، هي التي تثير جماهير المسلمين باعتبارها خيانة عظمى، ومن الصواب أن يوجَّه سخطهم وانتقادهم أولًا إلى تلك الدول والحكومات بدلًا من الوقوع في فخاخ الإعلام الأجنبي الذي يوجه العامة للانتقام من شخص معين، لكي يتخذ ذلك أداة لتنفيذ أهدافهم العدوانية ضد الإسلام والمسلمين، أو لكي يلبسوا من يؤيدونه رداء البطولة الزائفة.
يؤسفني أنه لم تُتح لي إلى الآن فرصة الاستماع إلى آراء إخواني الذين أعددت هذه المقترحات لمناقشتها معهم، ومع ذلك فإني أرى أنه لا بأس من اطلاع القراء عليها، وما زلت أرى أننا في حاجة لموقف فكري حازم في موضوع الردة.