; مذكرات: صفحات من دفتر الذكريات (۸)- مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني | مجلة المجتمع

العنوان مذكرات: صفحات من دفتر الذكريات (۸)- مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 02-أغسطس-1994

مشاهدات 98

نشر في العدد 1110

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 02-أغسطس-1994

"رغم تحالف الألمان مع الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى إلا أن الكنائس في ألمانيا دقت أجراسها بعد سقوط القدس احتفالًا بانتصار المسيحية على الإسلام".

أهم ما كلفني به الشهيد حسن البنا عندما ودعته قبل مغادرة القاهرة إلى باريس، هو زيارة مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني، الذي كان لاجئًا في باريس بعد هروبه من ألمانيا، وقد حملت له رسالة من المرشد وهدايا منه ومن أصدقائه وزملائه من الفلسطينيين، وأعددت نفسي لأكون حلقة الاتصال بينه وبين مرشد الإخوان وأصدقائه المقيمين في مصر، بناء على تكليف الشهيد حسن البنا، وكان أول ما فكرت فيه هو كيفية الاستدلال على محل إقامته والاتصال به، وكان المفتاح الوحيد الذي أرشدني إليه أصحابه في مصر هو أحد العاملين بإحدى السفارات العربية في باريس، ولما ذهبت إليه أخذ عنواني ووعد بالاتصال بي فيما بعد.

وفي أحد الأيام عدت إلى غرفتي بالحي الجامعي فوجدت بطاقة باسم الدكتور محمد معروف الدواليبي، يطلب مني الاتصال تليفونيًا بناء على رسالة وصلت من مصر، ودعاني للغداء معه في منزله، ثم ذهب معي بسيارته إلى إحدى ضواحي باريس وهي قرية «بوجيفال» ووجدنا المفتي بانتظارنا، وجلسنا معه فترة للتعارف، ثم اتفقنا على أن أزوره أسبوعيًا في موعد معين، وأن ألتقي بأحد أعوانه في محطة القطار ليصحبني إلى منزله وأتغدى معه، وسبب هذه الترتيبات أن حوله حراسة مشددة، ولا يسمح لأحد بالدخول إليه إلا لأعوانه المعروفين لدى وزارة الداخلية الفرنسية، وهكذا تكررت زياراتي وأحاديثي مع الحاج أمين الحسيني عدة شهور.

في هذه الفترة كنت قد عثرت على كتاب الخلافة الذي ألفه السنهوري، وكان موضوع الكتاب وهو مبدأ وحدة الأمة الإسلامية، أهم مادة من مواد حواري مع الحاج أمين الحسيني في لقاءاتي المتكررة معه.

كان الحاج أمين الحسيني يؤمن بالوحدة الإسلامية، وكان يعتقد كما نعتقد نحن أن العالم العربي وحده ليس بقادر على مقاومة الحركة الصهيونية التي تدعمها أوروبا وأمريكا والعالم العربي على العموم، بل والشيوعية أيضًا، ولذلك كان في نظرنا أن العالم العربي يجب أن يوسع نطاق نشاطه لوحدة العالم الإسلامي، وأن الوحدة الإسلامية ستكون ضرورية وحتمية لتحرير فلسطين ومقاومة الصهيونية، وإذا كانت المقاومة الفلسطينية لها دورها والعالم العربي له دوره، فإن العالم الإسلامي له دور لا يقل أهمية عن دور فلسطين، ودور العرب هذه كانت الفكرة التي تجمع بيننا وبين الحاج أمين الحسيني، وهذه الفكرة كانت الصهيونية تخشاها أكثر مما تخشى الأفكار الوطنية أو الأفكار القومية العربية، وفي نظري أنه كان من أهم الأهداف الاستراتيجية للحركة الصهيونية والاستعمار الأوروبي هو توجيه الحركات الوطنية لدفع الجماهير نحو الشعارات القومية والقطرية ومقاومة الاتجاه الإسلامي لصرف الشعوب عن الوحدة الشاملة، وأسد الطريق على التيار الإسلامي مهما يكن لونه ومهما تكن أهدافه؛ لأن بناء الوحدة الإسلامية أو وجود الأمل في استعادتها أكبر عقبة في سبيل السيطرة الصهيونية على العالم العربي.

كان أول حديث المفتي معي عن مصر مشيرًا إلى حبه لها، واعتزازه بصداقة كثير من قادتها وزعمائها، وأمله في أن تكون مركز الإشعاع لجميع العاملين من أجل حريتهم واستقلالهم، وثقته بأنها ستكون دائمًا رائدة للعرب والمسلمين في طريق الوحدة التي يحاربها أعداؤنا جميعًا.

لقد توسع في حديثه عن العلاقات التاريخية والجغرافية بين مصر وفلسطين، ولم ينس أن يذكرني بأن مطامع الصهيونية في مصر أكثر منها في فلسطين، وأنهم يعتبرون أنها هي وطنهم ووطن سيدنا يوسف عليه السلام، وفيها بعث، وأن إسرائيل هو والده الذي انضم إليه في مصر، وكان له ولأبنائه نفوذ كبير في مصر، ثم إن سيدنا موسى ولد في مصر، وبعث فيها وكان هدفه تحرير بني إسرائيل من طغيان فرعون، وأنه توفي ودفن في مصر، ولم يذهب بنو إسرائيل إلى أرض فلسطين إلا بعد وفاته، وبعد أن قضوا في «التيه» أربعين عامًا في صحراء سيناء.

لقد كان يحرص على إقناعي بوجهة نظره في أن المعركة ليست بين الصهيونية والشعب الفلسطيني، بل إنهم يحاربون الإسلام ذاته، ويهدفون للقضاء عليه منذ دخول رسول الله -ﷺ- مهاجرًا إلى المدينة المنورة، فكفروا به رغم أن كتبهم تشير إلى بعثته، وتفرض عليهم الإيمان به ومؤازرته، ولكنهم من أجل مصالحهم المالية في «يثرب»، حاربوا وكفروا برسالته، وتحالفوا مع أعدائه، وحرضهم عليه وعلى المسلمين جميعًا، وما زالوا يفعلون ذلك حتى الآن.

كل ذلك كان تمهيدًا لبيان وجهة نظره الثابتة من أن مفتاح النصر على العدو الصهيوني هو الصحوة الإسلامية والنهضة والوحدة الشاملة للعالم الإسلامي كله، وأنه لذلك يعتبر نفسه من «الإخوان المسلمين» وله أمل كبير في نجاح الحركات الإسلامية كلها، وأنه يعتقد أن الشيخ حسن البنا ومن معه من الإخوان هم الذين سيكون النصر على أيديهم إن شاء الله.

لم يكن المفتي -رحمه الله- داعية فقط، بل كان منظمًا من الطراز الأول، لذلك اتفق معي منذ أول لقاء على خطة كاملة لاتصالي به وزيارتي له مرة كل أسبوع، وحدد لي تفاصيل دقيقة عما يجب أن أعمله لأنقل له ما يصل إليَّ من إخوانه وأصدقائه في مصر، ومن الشيخ حسن البنا ذاته، فضلًا عما نتفق عليه فيما بعد من مهمات أخرى.

لا أريد أن أعرض ما أذكره عن هذه الزيارات واللقاءات، ولكن يكفي أنها كانت أحب الأشياء إلى نفسي، ولا زلت أذكر عبير الأشجار والأزهار في الغابات التي يجتازها القطار من باريس إلى «بوجيفال» أو الضاحية المجاورة لها «لوفسين» حيث إن مسكنه كان يتوسط بين الضاحيتين، وأذكر كذلك السعادة التي كنت أحس بها عندما أكتشف أن كل ما يقوله هو ما أؤمن به، وما يتداوله الإسلاميون جميعًا في مصر وغيرها ممن عرفت. 

وفي أحد لقاءاتنا قال لي الحاج أمين: إنك تذكرني دائمًا بالشهيد الدكتور مصطفى الوكيل في مثابرته وإقدامه على العمل، وحبه للبذل والتضحية، وقص علي قصة علاقته بهذا الشاب المصري الذي تطوع للجهاد معه حيثما كان، ورافقه في تنقلاته بين البلدان هربًا من مطاردة الإنجليز والصهيونيين له، وأنه حينما اشتدت الغارات على برلين نُصحوا جميعًا بمغادرتها، وأُمِروا بذلك أمرًا، فتركوها إلا هو فإنه أصر على أن يبقى في المركز الإسلامي ليكون مع من تبقى هناك من إخواننا العرب والمسلمين الذين لا يستطيعون مغادرة برلين، وأنهم سمعوا بعد ذلك بأنه استشهد ومات تحت أنقاض مبنى المركز الذي دكته قنبلة مباشرة -رحمه الله-، ثم قال مستطردًا وهو في غاية التأثر: إنني أذكره كلما رأيتك، وأحمد الله أنه يقيض للإسلام دائمًا مجاهدين يعملون له في صمت وثبات وإيثار، وأنه بعثك إلي لتعوضني عن كثير من إخواني الذين فقدتهم، أو لا استطيع أن أراهم أو يروني في هذه البلاد.

كان يشكو مما يحيط به من مؤامرات يعتقد أن الصهيونية تدبرها للقضاء عليه، ولكنه قال لي مرة إنه واثق أنهم لو نجحوا في مؤامراتهم فإن الله سيقيض للإسلام من رجال هذه الأمة من يحملون الأمانة ويؤدون الرسالة، وكان ذهنه مشغولًا بالوسائل التي يقاوم بها خطط الصهيونيين والأمريكان والإنجليز، بل والفرنسيين، أو على الأقل فريق منهم؛ لأن الأمر في فرنسا لا تملكه جهة واحدة، فهناك اتجاهات متعددة وخطط متضاربة، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

حكي لي كثيرًا مما لقيه في ألمانيا أثناء لجوئه إليها، وشكا مما لقيه منهم من مراوغة وخداع، وأنه كان عندهم كثير من الحقد على الإسلام، حتى إنه قال لي مرة: ألا تعلم يا توفيق أنه أثناء الحرب العالمية الأولى عندما كانت الإمبراطورية العثمانية متحالفة مع ألمانيا ضد بريطانيا وفرنسا، وكان المسلمون يضحون برجالهم ومستقبلهم من أجل انتصار ألمانيا.

ومع ذلك عرفت أنه عندما دخلت الجيوش الإنجليزية القدس، واحتلت فلسطين أمرت بعض الهيئات المسيحية بدق أجراس الكنائس في جميع ألمانيا احتفالًا بانتصار المسيحية على الإسلام، واستيلائها على القدس الشريف.

وقال لي إنه لجأ إلى ألمانيا مضطرًا بعد أن فر من العراق وإيران وتركيا، ولم يبق أمامه إلا الالتجاء للألمان، وكان عنده أمل أن يؤيد المسئولون في ألمانيا خططه لتحرير الشعوب العربية والإسلامية وتوحيدها، لكنهم كانوا دائما يتهربون من مجرد التفكير في ذلك، وأنه تكلم مع هتلر شخصيًا في ذلك مرتين، وطلب منه مجرد بيان يعد فيه العرب والمسلمين بالحرية والوحدة، لكنه كان يحتج دائمًا بأنه لا بد من إقناع موسوليني حليفه بذلك أولًا، ويطلب مني أن أذهب للقاء الدوتشي لإقناعه، وهو يعلم مقدمًا أطماع موسوليني وأهدافه، بل إنني واثق أنهما كانا متفقين على توزيع مناطق النفوذ، ولا يرغب أي منهما في التعهد بشيء لصالح الشعوب العربية أو الإسلامية حتى في شمال إفريقيا التي كانوا يحتلون فيها ليبيا وتونس، ويستعدون للهجوم على الجزائر ومصر.

عندما ذكرت له ما أعجبني في كتاب «الخلافة» الذي قدمه السنهوري في عام ١٩٣٦م كرسالة دكتوراة ودافع فيه عن وحدة الأمة، وأنه مبدأ تفرضه العقيدة والشريعة، ذكر لي تفصيلات كثيرة عن مشاركته مع قادة الفكر والرأي في العالم الإسلامي من أجل الدعوة لإعادة بناء الوحدة الإسلامية، وأشار إلى علاقته الوثيقة برئيس جمعية الخلافة في الهند مولانا محمد علي الذي توفي في لندن أثناء حضوره مؤتمر المائدة المستديرة مع المهاتما غاندي عام 1931م، وأنه هو الذي أقنع شقيقه وزوجته بدفنه في القدس برهانًا على التزام كل من يعمل للإسلام بالدفاع عن القدس الشريف، ومذكرًا لهم أن طريق الوحدة يمر بالقدس وفلسطين، وأن الشاعر الكبير أحمد شوقي سجل ذلك في قصيدة رثائه له بقوله:

أفتى بدفنك عند سيدة القرى **** مفت أراد الله في إفتائه

قد عشت تنصره وتمنح أهله **** عونًا فكيف تكون من غربائه

وحكي لي أن عددًا من زعماء العالم الإسلامي حضروا للقدس في هذه المناسبة، وأنه بالتعاون مع كثير منهم وفي مقدمتهم الشيخ عبد العزيز الثعالبي، زعيم الدستور التونسي دعوا لمؤتمر إسلامي في القدس عام ١٩٣١م.

وعقد هذا المؤتمر للتشاور في شئون المسلمين وحالتهم في ذلك الوقت، وأصدر قرارات عملية، وشكل لجنة تنفيذية مقرها القدس، وأنه يعتقد دائمًا أن الوحدة الإسلامية هدف شعبي يجب أن تكافح من أجله جميع الحركات الإسلامية، وعليها مسئولية الجهاد من أجله، أما دور الحكومات والدول فإنه يكون نتيجة ذلك.

لم يكن أحد من زملائي وأصدقائي المصريين أو من أبناء إفريقيا الشمالية يعلم شيئًا عن زياراتي للحاج أمين وعلاقتي به.

وفي يوم من الأيام جاءني أحدهم يحمل صحيفة فرنسية باريسية في يده وهو يصرخ قائلًا: ألم تعلم بهروب المفتي الأكبر؟ هذه هي الصحيفة الفرنسية وعلى صفحتها الأولى هذا الخبر الذي تلقته من القاهرة، قلت له متجاهلًا: هل كنت تعلم بوجوده في باريس قبل ذلك؟ قال: لا، هذه أول مرة أسمع فيها هذا الخبر، قلت مبتسمًا لست وحدك الذي كنت تجهل هذا.

الرابط المختصر :