; مذكرات مناحم بيجن- فلسفة القوة أو جذور الصهيونية (3 من 6) | مجلة المجتمع

العنوان مذكرات مناحم بيجن- فلسفة القوة أو جذور الصهيونية (3 من 6)

الكاتب حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر السبت 27-يناير-2007

مشاهدات 57

نشر في العدد 1736

نشر في الصفحة 38

السبت 27-يناير-2007

  • حاول خداع الناس ببلاغته الفارغة وهو يبرر مجزرة «دير ياسين» ولم يكلف نفسه عناء الاحتراز من تناقض كلامه
  • بعد الجريمة الكبرى قال متفاخرًا: يجب أن نحني رؤوسنا لجميع الجنود اليهود.. لقد حاربوا «الغزاة العرب» بشجاعة فائقة!

كانت حادثة دير ياسين، التي ارتبطت باسمه واسم الأرجون، وراح ضحيتها عدد كبير من أهل القرية العزل من الجرائم التي ارتكبها اليهود ضد الفلسطينيين، واهتز لها ضمير العالم، لكن مناحم بيجن يحولها من جريمة ضد الإنسانية قبل أن تكون ضد الشعب الفلسطيني إلى مفخرة للشعب اليهودي وطلائعه من قتلة الأرجون زفاي ليومي!!
يبدأ بيجن حديثه عن دير ياسين بمقدمة طويلة عن معارك تحرير القدس من العرب، ويصف محاولات الأرجون والهاجاناه التي أخفقت في الاستيلاء على المدينة القديمة لدرجة أن بعض الحاخامات وصفوها بالصداع، ويشير إلى أنه كان على العصابات اليهودية مراعاة الهدنة بمنتهى الدقة، وتركت مدينة داود تنتظر تحريرها، فلا أمن في بقية القدس ما لم تتحرر، وبدون أمن القدس لا يمكن أن يكون هناك لأمن الدولة إسرائيل.
قبل إتمام حصار القدس في مايو 1948م، قام رجالنا الأرجون بالقليل من الأسلحة التي في حوزتهم، بعدد من العمليات الهجومية المهمة -وفي القدس- كما كان في أي مكان غيرها، كنا نحن البادئين في التحول من الدفاع إلى الهجوم يحبذ بيجن سياسة «الهجوم خير وسيلة للدفاع»، وعلى بوابة يافا وبوابة دمشق اخترق جنودنا خطوط العدو عدة مرات وأوقعوا به خسائر جسيمة (يقصد بالعدو هنا العرب قوات الفدائيين والقوات النظامية).
ونظراً لوقوع دير ياسين على ارتفاع ألفي قدم فوق سطح البحر، فإنها كانت حلقة مهمة في سلسلة المواقع التي تحيط بالقدس من الغرب، وعن طريق دير ياسين كانت القوات العربية من عين كريم، وبيت لحم، تعبر إلى جبهة «القسطل»، حيث تهاجم القوافل اليهودية على الطريق الوحيد من القدس إلى الشاطئ، وبعد الاستيلاء على دير ياسين أول قرية عربية تقع في قبضة القوات اليهودية، أعلن قائد الهاجاناه في القدس أن الاستيلاء عليها لم تكن له أية قيمة عسكرية، بل إنه كان على النقيض العام لخطة الدفاع عن القدس.
كانت القرية العربية شعفات قد هوجمت من جانب أرجون، وكانت بمثابة قاعدة للهجمات الفتاكة على القوافل اليهودية، وفي 9 أبريل ١٩٤٨م، استولى رجالنا الأرجون بالاشتراك مع وحدة من جبهة تحرير إسرائيل - على قرية دير ياسين.
أرسل رعنان، قائد أرجون في القدس الخطاب بالتالي بالراديو، وكان قد تلقاه من قائد الهاجاناه المحلي:
«علمنا أنكم تعدون خطة للهجوم على دير ياسين، وأود أن أشير إلى أن الاستيلاء على دير ياسين والاحتفاظ بها مرحلة من مراحل خطتنا العامة، لا مانع لدينا من قيامكم بالعملية على شرط أن تكونوا قادرين على الاحتفاظ بالقرية. إذا كنتم غير قادرين على أن تفعلوا ذلك فإني أحذركم من نسف القرية الذي سوف يترتب عليه أن يهجرها سكانها، وتحتل خرائبها ومنازلها المهجورة قوات أجنبية، إن هذا الموقف سوف يزيد من مصاعبنا في الكفاح العام، وإن غزوًا ثانيًا للمكان سيكلفنا تضحيات جسيمة، زد على ذلك أن دخول قوات أجنبية إلى هذا المكان سيقلب الخطة...».
كانت الخطة كما يفصح بيجن هي إقامة مطار مكان القرية العربية، وقد أقيم بالفعل، وكان لبعض الوقت طريق المواصلات الوحيد بين القدس المحاصرة والشاطئ.. ويؤكد بيجن أن دير ياسين تم الاستيلاء عليها بعلم الهاجاناه وبموافقة قائدها، مما يؤكد عملية توزيع الأدوار بين اليهود، فما يقال غير ما يحدث.
وها هو بيجن، يحاول أن يخدع الناس ببلاغته الفارغة، ويسوغ لهم الجريمة الفظيعة التي ارتكبتها قواته ضد أهل القرية الفلسطينية البائسين، فيتحدث عن وجه «أخلاقي» في قصة دير ياسين، في تلك القرية التي ذاع اسمها في جميع أنحاء العالم، تكبد الجانبان خسائر فادحة -كما يقول- فقد قتل منا أربعة وجرح أربعون تقريبًا، كان عدد الإصابات 40% تقريبًا من مجموع المهاجمين تكبدت الفصائل العربية ثلاثة أمثال هذه الخسائر. هكذا كان القتال شديدًا، ومع ذلك فإن الدعاية المعادية التي بثت في أنحاء العالم تجاهلت عن عمد حقيقة أن سكان دير ياسين المدنيين كانوا قد أنذروا منا فعلاً قبل أن تبدأ المعركة، فقد وضعت عرباتنا تحمل مكبر صوت عند مدخل القرية، وراحت تحذر باللغة العربية جميع النساء والأطفال لكي يتركوا منازلهم ويلتجئوا إلى منحدر التل، وبتوجيه هذا الإنذار الإنسان بدد رجالنا عنصر المفاجأة، وهكذا ازدادت مخاطرهم في المعركة التي تبعته.
أطاع عدد كبير من السكان ذلك الإنذار، فلم يصابوا بسوء - بزعم بيجن- وقليل منهم لم يغادروا مساكنهم الحجرية، ربما بسبب الارتباك كانت نيران العدو فتاكة، يشهد بذلك عدد إصاباتنا، أجبر رجالنا على القتال من منزل إلى منزل ولكي يهزموا العدو استخدموا أعدادًا ضخمة من القنابل اليدوية. وقد تكبد المدنيون الذين لم يأبهوا لإنذاراتنا خسائر لم يكن منها مفر!
وبالطبع، لم يكلف بيجن نفسه عناء الاحتراز من تناقض كلامه أو دفاعه عن جريمته، فهو ينسى أساسًا أنه خطط مع قومه للاستيلاء على قرية يسكنها قوم آمنون منذ آلاف السنين، وإقامة مطار مكانها، وأن إنذارهم لإخلاء منازلهم ثم الهجوم عليها، عمل وحشي وإرهابي لا تقره الشرائع ولا الأخلاق ولا القوانين، ومن المفارقات المألوفة عند بيجن أنه يشير في تعليقه على استنكار العالم  لجريمته مع الأرجون إلى أن القيادة العربية في الرملة أذاعت قصة فظاعة ركيكة، تتحدث عن قيام مذبحة على أيدي قوات الأرجون للنساء والأطفال في القرية، وأن بعض الرسميين اليهود ممن كانوا يخافون رجال أرجون كمنافسين سياسيين تمسكوا بهذه الدعاية العربية لتلويث أرجون. وأغوي حاخام بارز لكي يزجر أرجون قبل أن يتاح له الوقت ليتبين الصدق، ورب ضارة نافعة، فقد نشرت هذه الدعاية العربية أسطورة فزع بين العرب والقوات العربية، حتى لقد كان الرعب يستولي عليهم لمجرد ذكر اسم أرجون، كانت الأسطورة توازي إضافة بضع كتائب إلى قوات إسرائيل.
ثم يشير بيجن إلى أن جنوده وفقًا لما تعلموه، لم ينتهكوا قوانين الحرب التقليدية إطلاقًا، ما لم يكن العدو هو البادئ، ومن ثم يجبرنا (أي الأرجون) وفقًا لعادة الحرب المسلم بها (!) أن نقابل الشر بمثله، وينفي عن جنوده أنهم ارتكبوا أي خطأ لا مبرر له في موقعة دير ياسين.
ويذكر بيجن أن الوكالة اليهودية رأت أنه من الضروري إرسال خطاب اعتذار إلى الملك عبد الله الذي أطلق عليه بن جوريون في لحظة من لحظات «العواطف السياسية» اسم «الحاكم العاقل الذي ينشد صالح شعبه وصالح هذا البلد». ورفض الملك الاعتذار قائلاً: إن اليهود جميعًا يجب أن يلاموا، وأنه لا يؤمن بوجود «المنشقين».
ويشير بيجن بما حدث في دير ياسين، وتأثيره في سير القتال، حيث سقطت قرى بأكملها دون قتال، وهيأت -بالفزع والرعب - انتصارات لجميع القوات اليهودية على جميع الجبهات، ومضت في تقدمها نحو حيفا، وهي أشبه بالسكين يشق قالب الزبد، وبدأ العرب يفرون في فزع وهم يصيحون: «دير ياسين».
ولا يكتفي بيجن بذلك، بل يضيف: يجب أن نحني رؤوسنا لجميع الجنود اليهود، بصرف النظر عن المنظمات التي ينتمون إليها. لقد حاربوا الغزاة العرب بشجاعة فائقة، وانتصروا جميعًا انتصارًا عظيمًا، كما هزموا جميعًا هزائم مريرة وهكذا، تحول صاحب الوطن المقيم عند مناحم بيجن إلى غاز معتد والغازي المعتدي إلى مناضل وطني.

الرابط المختصر :