; مذكرة إلى مؤتمر وزراء الخارجية الإسلامي المنعقد في الجمهورية التركية | مجلة المجتمع

العنوان مذكرة إلى مؤتمر وزراء الخارجية الإسلامي المنعقد في الجمهورية التركية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 25-مايو-1976

مشاهدات 49

نشر في العدد 301

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 25-مايو-1976

الإخوة الوزراء

الإخوة أعضاء المؤتمر

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 يسعدنا باسم جبهة التحرير الإرترية التي تقود نضال الشعب الإرتري ضد التسلط الإثيوبي منذ ما يقارب الخمس عشرة عامًا أن تتقدم إلى مؤتمركم بهذه المذكرة التي توضح ما يعانيه شعبنا من آلام وما يكابده من ظلم آملين أن يحقق الآمال المعقودة عليه باعتباره لقاء يرتكز إلى مبادئ الإسلام السمحة في نصرة الحق والعدل ويهدف إلى رفع الظلم عن كاهل البشرية جمعاء عملًا بتعاليمه النبيلة.

إن قضية الشعب الإرتري هي قضية شعب مستضعف هب ليزيل ما وقع به من ظلم بقوة السلاح بعد أن أعيته السبل السلمية في تحقيق حريته وإرادته. فبعد نجاح المؤتمرات الدولية التي ربطت بلادنا إرتريا -المستعمرة الإيطالية السابقة التي تقع على الساحل الغربي للبحر الأحمر ويحدها السودان شمالًا وغربًا وإثيوبيا جنوبًا- في اتحاد فدرالي مع الإمبراطورية الإثيوبية تقدمت به الولايات المتحدة الأمريكية وأقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في         ٢/ ١٢/٥٠ باسم القرار الفدرالي رقم ٢٩٠ تأكد مباشرة أن ذلك الاتحاد المفروض علينا لم يكن سوى مقدمة لمخطط آخر أكبر يستهدف طمس معالم كياننا السياسي والقومي والحضاري وإذابتنا قسرًا داخل الإمبراطورية الإثيوبية خدمة للقوى الدولية التي كانت تتحرك لتأمين مصالحها في المنطقة. فبعد تطبيق القرار الفدرالي مباشرة قامت إثيوبيا بخرق متعمد ومنظم للقرار الفدرالي الذي كان يمنح إرتريا صلاحيات دستورية وقانونية لمعالجة شؤونها الداخلية وذلك رغم الاحتجاجات العديدة التي رفعها الشعب الإرتري إلى الإمبراطور الإثيوبي وإلى الأمم المتحدة التي لم تعرها التفاتًا.

وإزاء هذا الموقف الذي نجم عن تطابق المصالح الأمريكية والصهيونية من جهة والتي كانت ترى في موقع إرتريا المشرف على الممرات البحرية في باب المندب وقناة السويس والقريب من مناطق إنتاج البترول في الشرق الأوسط عنصرًا هامًا في إستراتيجيتها الرامية إلى تأمين مصالحها في المنطقة والنظرة التوسعية للإمبراطور الإثيوبي من جهة أخرى، لم يكن أمام شعبنا الذي بذل كل ما في وسعه ليلفت نظر الرأي العام العالمي والأمم المتحدة إلى ما كان يتعرض إليه من اضطهاد وقهر ولكن دون جدوى سوى أن يبدأ في تنظيم نفسه وإمكاناته لمواجهة هذا التحدي الذي فرض عليه.

وكان رد الفعل الإثيوبي تجاه ذلك هو تصعيد القمع وإعلان حالة الطوارئ والزجبآلاف من المواطنين في السجون والمعتقلات بتهمة الانتماء إلى التنظيمات الوطنية الإرترية. واستمر التوتر متصاعدًا حتى تفجر الموقف برمته فيإرتريا بإعلان جبهة التحرير الإرترية الكفاح المسلح في الفاتح من سبتمبر عام ١٩٦١ وذلك قبل عام من إلغاء إثيوبيا للاتحاد الفيدرالي وإعلانها إرتريا المحافظة الرابعة عشرة في الإمبراطورية. 

وكان بدء الكفاح المسلح كالعادة شاقًا وباهظ الثمن، إذ لم نكن نملك في مواجهة القوى الإثيوبية العسكرية والسياسية المدعومة من قبل العديد من الدول سوى إيماننا بالله ووطننا وحقنا واستعدادنا للتضحية بكل ما نملك في سبيل بلوغ ما نصبو إليه. فسقط الشهداء وتدافعت مواكبهم على درب الحرية وأحرقت القرى والمزارع وبيدت المواشي والممتلكات وتدفقت سيول اللاجئين الإرتريين إلى السودان هربًا من بربرية الجيش الإثيوبي وطائراته.

تم كل ذلك والعالم صامت تجاه هذه المأساة التي بلغت حدًا من البشاعة يفوقكل تصور. وكان عزاؤنا في مواجهة هذا الموقف هو بلوغ الثورة مرحلة من التطور مكنتها من الوقوف على قدميها وبشكل يؤثر تأثيرًا مباشرًا على مجرى الحياة السياسية والاقتصادية في إثيوبيا ذاتها.

وجاءت التغييرات السياسية التي حدثت في إثيوبيا عام ١٩٧٤ وأطاحت بنظام الإمبراطور كنتاج لعوامل عديدة تجئ الثورة الإرترية في مقدمتها بكل تأكيد وأعلن الحكام الجدد في أديس أبابا عن رغبتهمفي حل القضية الإرترية سلميًا فأكدنا من جانبنا استعدادنا لبحث الأمر. ولكن اتضح لنا بعد فترة قصيرة أن ذلك لم يكن سوى مناورة قصد بها كسب الوقت وذر الرماد على العيون لتغطية الاستعدادات العسكرية التي كانت تجرى في الخفاء والتي تم بموجبها حشد أكثر من نصف القوات المسلحة الإثيوبية في إرتريا تمهيدًا للقيام بعمليات واسعة النطاق لضرب الثورة وإجبارها على التراجع. وفي فبراير عام ١٩٧٥ تفجر القتال الضاري بين مقاتلينا والقوات الإثيوبية حول العاصمة أسمرا والذي أسفر عن لحاق هزائم كبيرة بالمعتدين الإثيوبيين. فعلى الصعيد العسكري انسحبت القوات الإثيوبية من كل مراكزها الخارجية وتمركزت في المدن الرئيسية فقط وأحكم ثوارنا سيطرتهم على الريف الذي صار الآن محررًا تمامًا. هذا بالإضافة إلى ما غنمناه من أسلحة وعتاد إلى جانب انضمام أعداد كبيرة من الإرتريين الذين كانوا يعملون في مختلف قطاعات الجيش الإثيوبي.

وعلى الصعيد السياسي وكنتيجة للحملات البربرية التي شنتها القوات الإثيوبية على المواطنين العزل التفت الجماهير الإرترية كلها وراء الثورة وبشكل لم يحدث من قبل. 

وكان رد الفعل الإثيوبي إزاء هذه الانتصارات موغلًا في الوحشية والعنف. إذ أخذت طائرات سلاح الجو الإثيوبي وبعد أن تأكد فشل القوات البرية في مواجهة الثورة، في قصف القرى الإرترية فدمرت ما يزيد على ٥٠ قرية وأربع مدن صغيرة وأجبرت سكانها على ترك ديارهم وممتلكاتهم واللجوء إلى السودان الذي بلغ عدد اللاجئين الإرتريين فيه ١٢٠,٠٠٠ تقريبًا وإما إلى المناطق المحررة داخلإرتريا.

وفي هذه الأيام بالذات تقوم أجهزة الدعاية الإثيوبية بتحريض المواطنين الإثيوبيين للمشاركة في مسيرة حمراء إلى إرتريا لتصفية الثورة فيها باستباحة كل شيء. وقد عقدت السلطات الإثيوبية سلسلة من الاجتماعات في المحافظات الإثيوبية لهذا الغرض. إن هذا المخطط الدموي الذي لو قدر له أن ينجح سوف يزيد من حجم المأساة التي ظل شعبنا يعيشها منذ خمسة عشر عامًا. 

أيها الإخوة

إننا لا نحاول بطرحنا لهموم النضال الإرتري أمام مؤتمركم الموقر استدراجه إلى خارج اهتماماته وجدول أعماله المحدد، ولكننا نود أن نقول إن الاضطهاد الذي نتعرض له هو جزء من ظاهرة تعم العالم ولا بد من مواجهتها وأن قضية التخلص من الظلم وتحقيق الحرية لا يمكنأن تتجزأ. 

إننا لا نستصرخ ضمائركم من أجل إرتريا فمأساة إرتريا بالرغم من عمقها هي مأساة أكبر من إرتريا. وأنها كذلك تناشدكم الوعي الكامل بها وعبر هذا الوعي لا يأتي الدعم إحسانًا جزئيًا، ولكنه يأتي من خلال مسئولية التضامن الجماعي ضد الظلم والاضطهاد. إن أمامكم مسئولية تجاه النضال في إرتريا كما أن إرتريا مسئولة أمامكم عن استمرار نضالها وتصاعده.

لقد استمرت حربنا حتى الآن معتمدة على قدراتنا المحدودة، ولكننا نشعر الآن بضرورة تأمين دعمكم المعنوي والمادي لنا أننا نقدر قراركم الخاص بإرتريا الذي صدر عن مؤتمركم الرابع الذي عقد في بنغازي بالجمهورية العربية الليبية في الفترة 1973-3-26-24 ونتطلع إلى استجابتكم لمطالبنا التالية:

  1. تبني مشروع القرار المرفق مع هذه المذكرة والداعي إلى تأييد الثورة الإرترية سياسيًا وماديًا وإعلاميًا.
  2. إعلان المؤتمر إدانته للعدوان الإثيوبي على إرتريا ومطالبة الحكومة الإثيوبية بالكف عن ارتكاب المذابح ضد الشعب الإرتري. 
  3. تبني القضية الإرترية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها العادية القادمة استنادًا لإلغاء إثيوبيا من طرف واحد القرار الفدرالي.
  4. مطالبة منظمة الوحدة الأفريقية بإدراج قضية إرتريا في جدول أعمالها وتشكيل لجنة أفريقية لدراسة المشكلة الإرترية من خلال المنظمة.
  5. تقديم معونة مالية من صندوق التضامن الإسلامي بحسبان أن القضية الإرترية تقع ضمن أهداف هذا الصندوق علمًا بأن الصندوق قد قدم في العام الماضي معونة محددة لجبهة التحرير الإرترية.

هذه مطالبنا بإيجاز ونأمل في أن يستجاب لها من قبل مؤتمركم الموقر الذي نأمل له النجاح وللشعوب الإسلامية التوفيق في مسعاها من أجل الحرية. والتقدم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الوفد الموحد لجبهة التحرير الإرترية

الرابط المختصر :