العنوان مراكز الأبحاث المستقلة والقرار الصائب
الكاتب سمير صارم
تاريخ النشر السبت 25-يوليو-2009
مشاهدات 56
نشر في العدد 1862
نشر في الصفحة 59
السبت 25-يوليو-2009
إحدى شركات المشروبات الغازية الأمريكية تنفق ملياري دولار تقريباً سنوياً على شركات الإعلان التي تتولى الترويج لمنتجها، ربما نسأل أو يسأل أحدنا : لماذا لا تؤسس تلك الشركة العملاقة شركة للإعلان تتولى القيام بعمليات الترويج المطلوبة، وتوفر على الأقل نصف هذا المبلغ مهما دفعت من رواتب عالية لخبراء إعلان تستقدمهم، أو لوسائل إعلانية تتعاقد معها؟
الجواب ببساطة: لأن أية شركة إعلانية تابعة للشركة، ومهما بلغت كوادرها من الإبداع لا بد أن يأتي يوم تفكر فيه بنفس عقلية الشركة الإدارية بل ربما تكون صورة لها ونسخة منها في التفكير والأداء، فتنتفي عنها صفة الاستقلالية التي تسمح لها بأن يكون لها إبداعها المنطلق من ذاتها، والذي لا تحكمه اعتبارات إدارية أو شخصية أو مصلحية.. والاستقلالية شرط أساسي للفكر غير المحكوم بمصالح، ولا تؤثر فيه اعتبارات والبعيد عن المحاباة.
لذلك تصر تلك الشركة الكبرى على أن تتعامل مع شركات إعلانية لا تتبع لها، ولا يخشى مدراؤها قرارا يمكن أن يصدر بإنهاء خدماتهم من الشركة المعلنة.
أسوق هذا التقديم؛ لأن ما تقوم به شركة المشروبات الغازية تلك يمكن أن ينطبق ليس على شركات وحسب، بل على جهات حكومية عامة، ومؤسسات اقتصادية وخدمية خاصة.
وطريقة تفكيرها يمكن أن تكون حالة لكنها الحالة التي يمكن توظيفها عند الحديث عن جهات حكومية عامة، أو مؤسسات خاصة أيضًا!
كل متخذي القرارات في أي مستوى سياسي أو اقتصادي أو خدمي أو غير ذلك بحاجة إلى أبحاث ودراسات يستندون إليها قبل اتخاذ قراراتهم، ويفترض أن تعد هذه الأبحاث والدراسات جهات علمية موثوقة ومحايدة بمعنى ألا تكون مرتبطة بجهة ما تعبر عن وجهة نظرها، أو بأيديولوجيات محددة لا تستطيع الخروج عن أفكارها، ولا تراعي فيما تناقشه أو تصل إليه مصالح جهة أو فئة أو تنظيم أو ما شابه.
أي أنه لا مصلحة خاصة لفريق عمل الدراسة أو البحث، ولا نتيجة مسبقة يسعى هذا الفريق لإثباتها أو إثبات صحتها وبما يخدم الوزير أو المدير العام أو صاحب المنشأة الخاصة، ولا حساب أو عقاب ينتظره فيما لو توصل إلى نتيجة لا يرضى عنها أصحاب القرار.
مهمة هذا الفريق فقط أن يبحث ويستقصي، ويستشرف المستقبل ويضع الخيارات، ويرسم السيناريوهات، ويعدد الاحتمالات، ومن ثم يترك لمتخذ القرار أن يتخذ ما يراه مناسبًا، ويفترض أن يكون الأكثر قدرة على اتخاذ القرار المناسب في ضوء ما لديه، وما أضيف له من معطيات ومعلومات وخيارات.. ومثل هذا الأمر قد لا يوفره مركز أبحاث واحد بل من المفيد له الاعتماد على أكثر من مركز ليقارن بين ما وصل إليه، أو رسمه كل مركز عندها يكون قراره أكثر علمية وأكثر دقة.
يقول بعض الباحثين: إن أحد أخطاء الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش اعتماده على مركز أبحاث واحد هو أمريكان إنتربرايز إنستتيوت، ومن أحد عوامل نجاح الرئيس أوباما» اعتماده على أكثر من مركز من بينها معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى ومعهد بروكنجز للدراسات وغيرهما!
وبالطبع فإن كل الحكومات والقيادات في الدول المتقدمة تعتمد على مراكز أبحاث ودراسات وتتخذ قراراتها السياسية والاقتصادية بناء على ما تقدمه لها تلك المراكز التي تسمى اصطلاحاً بـ «خزانات الفكر أو خزانات المعرفة (think tank)
بعد ذلك ربما يسأل أحدنا إلى أين نريد أن نصل؟
والجواب: إلى ضرورة الاعتماد على مراكز دراسات وأبحاث وطنية مستقلة يمكن أن تقدم الدراسات والأبحاث التي تبنى عليها القرارات المهمة، كما يمكن لهذه المراكز أن تساهم بأبحاث ودراسات للنشر المحلي أو الخارجي بهدف دعم أو شرح المواقف والرؤى السياسية، أو القرارات والتوجهات الاقتصادية، وهو دور مهم آخر يمكن أن يكون لها من خلال ما يمكن أن تصل إليه من قاعدة جماهيرية تتابع نتاجها الفكري عبر الوسائل التي تتيحها الشبكة العنكبوتية، أو الإعلام الورقي، أو غير ذلك.
وأخيرًا، أين نحن من مثل هذه المراكز؟ وما مصادر الأبحاث والدراسات التي يعتمد عليها الكثيرون من متخذي القرارات عندنا؟ وما مدى تأثير متخذي القرار على صُناع الأبحاث والدراسات التي يعتمدون عليها ؟ أسئلة لا أظن أننا بحاجة إلى جهد كبير لنجيب عنها.
إن كل متخذ قرار له طاقمه البحثي والفكري الذي يساعده في تبرير قراراته ويوجه أبحاثه ودراساته بما ينسجم ورؤى وأفكار مسؤولة الحكومي المعني، وزيرًا كان أو غيره، حتى في القطاع الخاص لا توجد دراسات مستقلة عن فكر صاحب المؤسسة الخاصة لذلك تتعثر القرارات وتتخبط الإجراءات، ونستمر ندور ونراوح ونجرب.
بعد ذلك أصل إلى القول: لا بد من الاعتماد على مراكز أبحاث ودراسات وطنية مستقلة تساعد على إتخاذ القرار العلمي السليم، ولا بد من دعم هذه المراكز بكافة أشكال الدعم المتاحة..