العنوان مزيج السوء في الحضارة الغربية
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر الأربعاء 02-فبراير-2011
مشاهدات 56
نشر في العدد 1939
نشر في الصفحة 66
الأربعاء 02-فبراير-2011
تنبض في عروق الحضارة الغربية المعاصرة جملة من المذاهب والاتجاهات والممارسات تشكل في مجموعها مزيجًا من السوء ما عرفته أو ذاقته حضارة من الحضارات.
وعلى تفوق هذه الحضارة في جوانب عديدة؛ العلم والتكنولوجيا والخدمات والقوة والعمران والثراء.. فيما ينضوي تحت خانة «المدنية» المعنية بالوجه المادي للحضارة.. فإنها تعاني في الوقت نفسه من جملة من الأخطاء الكبيرة، والانحرافات، وعوامل الشد التي تجعلها لا تتواءم والمطالب البشرية، أو تستجيب لإنسانية الإنسان.
وبمقدور أي دارس لهذه الحضارة، يملك القدرة على تجاوز الظاهر والإيغال في العمق البعيد، أن يكتشف خلطة السوء التي بسببها تتعذب البشرية في ظلال هذه الحضارة، وتسام الأمم والشعوب المستضعفة الخسف والظلم والهوان.
وخلطة السوء هذه هي مزيج من معطيات وإفرازات العقل والوجدان الغربي على مدى عشرات القرون، بدءًا بأثينا وروما، وانتهاء بلندن وباريس وواشنطن.
إننا نجد في نبضها «الأبيقورية» التي تتعبد اللذة، و «الماكيافيلية» التي تبرر الانتهازية، و «الهوبزية» التي تعتمد جبروت القوة، و «الداروينية» التي تجعل البقاء للأقوى، و «الفرويدية» التي تطلق السراح للنوازع الجنسية، و «الوجودية» التي تدع الحبل على الغارب و «الشيوعية» التي تنفي الحرية الفردية، و «الشوفينية» التي تلغي الأمم والشعوب، و «الذرائعية» التي تتابع سير المنفعة.. وإلى جانب هذا كله هناك المركزية الأوروبية المنسحبة عبر القرنين الأخيرين إلى أمريكا، والتي تجد في الغرب وحده قطب الرحى، وسيد العالم، ومركز الكون ومنطلق الحضارات.. وما الشعوب والقارات والحضارات الأخرى سوى ظلال باهتة تدور في فلك الحضارة الغربية.. تقلدها وتأخذ منها وتسبح بحمدها صباح مساء.
ما الذي تدل عليه وتسوق إليه خلطة السوء هذه، سوى المزيد من تعاسة الإنسان، وتنازله عن إنسانيته؟ والمزيد من استعباد القوي للضعيف، والمزيد من ثراء الأثرياء وفقر الفقراء، والمزيد من التحلل الخلقي والسلوكي، والمزيد من الإباحية الجنسية، والمزيد من اعتماد منطق القوة لسحق الآخر وإلغائه من الوجود والمزيد من الانتهازية التي تبرر كل محظور، وتتجاوز في تعاملها مع الظواهر والحالات منظومة القيم الخلقية والدينية والإنسانية، والمزيد من الانغماس في الرذائل والشهوات، والمزيد من المنفعية التي لا تضبطها القيم الدينية، والمزيد من طغيان الجماعة وإلغاء الفرد، أو تجبر هذا وإلغاء الجماعة.. ثم، وتلك ثالثة الأثافي، منح الغرب، باعتباره مركز العالم وسيد الأرض، الحق المطلق في رسم خرائط العالم، والتحكم بمصائر الدول والجماعات والشعوب؟
لعل غياب البعد الديني الأصيل في بنيان هذه الحضارة هو السبب في هذا كله.. فالدين هو الأساس.. هو الضابط والموجه.. هو الذي يتكفل بتحقيق التوازن المطلوب للمسيرة البشرية بين الحاجات الروحية والمطالب المادية.. هو الذي يمنعها من الانجراف بعيدًا باتجاه الشهوة والقوة والمنفعة.. هو الذي يمنحها الرؤية الصائبة التي تمنح الحياة البشرية مغزاها الأصيل، والوجود البشري وظيفته الكبرى.
هذا هو الذي يجعل المشروع الحضاري الإسلامي البديل ضرورة من الضرورات، ليس فقط للأمة الإسلامية، وإنما للبشرية جمعاء.. لأنه سيتجاوز بها كل هذه الحفر والانحرافات، وسيخرج بها إلى الصراط الذي تتضاءل دونه السبل المعوجة، الملتوية، التي سلكتها حضارة الغرب ولا تزال.
والذي يقول هذا ويؤكده صباح مساء، ليس المسلمون وحدهم، وإنما قادة الفكر والحياة في الغرب نفسه من العلماء والفلاسفة والأدباء والساسة والإعلاميين.. أولئك الذين خبروا جيدًا مزيج السوء هذا الذي تتشكل به حضارتهم، والذي هو بأمس الحاجة إلى ثورة تطهير شاملة تعيد الأمور إلى نصابها الحق، ولن يكون هذا إلا بالمشروع الإسلامي.
باختصار شديد، وكما يقول المفكر الفرنسي المسلم «رجاء جارودي»: «إن المشكلة كونية، ولابد للجواب إلا أن يكون على المستوى الكوني»، وبعقيدة «لا إله إلا الله» التي تنفي كل صيغ القهر والابتزاز والاستلاب والعبودية والحتميات.. وتحرر الإنسان والبشرية.