العنوان مسؤولية القادة
الكاتب د. مصطفى السباعي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-فبراير-1983
مشاهدات 77
نشر في العدد 606
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 01-فبراير-1983
بل إنها أمة هي هذه الأمة التي تهرع إلى المساجد والأندية، لتسمع إلى من يبصرها بعيوبها ويزيل الغشاوة عن عيونها!!
هي هذه الأمة التي تبكي حين يتلى عليها أمر من الله تركته، أو تحذير من رسول الله عصته، أو حوادث تاريخ سلفها الصالح الذي نسيته!
هي هذه الأمة التي لا يختلف عامتها عن خاصتها في فهم العلل التي أنشبت مخالبها في مجتمعنا، فشلت حركته وعاقت تقدمه، بل لا يختلف عامتها عن خاصتها في معرفة الدواء ولكنها تنتظر الأطباء!
هي هذه الأمة التي يثيرها نداء، ويبعث حميتها تاريخ، ويسيل عبراتها ماض زاهر، وحاضر ثائر، ومستقبل حائر!
هي هذه الجماهير التي رأيتها تتدافع بالمناكب شيبًا وشبابًا فلاحين وعمالًا، علماء وجهالًا إلى الأماكن التي تدعى إليها، فإذا هي كالأرض العطشى تنتظر الماء، بل كالجسم المريض يرجو الدواء بل كالجنود المشتتين يتطلعون إلى القائد.
إنها أمة لو وحدت قائدها لزغردت أمجادها!
لا تستطيع وأنت تشهد بواكير الوعي الاجتماعي تتجلى في تلك الاجتماعات والحفلات إلا أن تتساءل: لماذا لم تستقم أمورنا الداخلية حتى اليوم!
أهو إعراض من الأمة أم تقصير من القادة؟ أما هذه الأمة فالله يعلم وقادتها يشهدون أنها ما قصرت في بذل، ولا ونت عن مساعدة، ولا تلكأت عن تضحية، ولا أصمت آذانها عن نداء، أفرأیت لو أن قادتها الذين قادوها في ميادين النضال السلبي أرادوا أن يقودوها إلى معركة الإصلاح الإيجابي.. أكانت تعرض عنهم وتتخلف؟ أو من المعقول أن تجيبهم في الحرب ولا تجيبهم في السلم، وأن تمشي وراءهم في الموت، ولا تسير معهم للحياة، وأن ترضى بالخراب والدمار والمنافي والسجون ثم لا ترضى بالبناء والاطمئنان والإصلاح والعمران.
لا! ليست العلة من هذه الأمة، ومن اتهمها بذلك فقد جحد فضلها، أو جهل حقيقتها، ولكنما العلة من هؤلاء القادة! لم يكادوا ينتهون من النصر حتى ركنوا إلى اللذة والنوم، فمن طالبهم بالعمل أنكروا قصده، ومن ناقشهم الحساب أحالوه إلى الماضي، ومن رغب منهم الجد والاستقامة رموه بالبله والجمود! ومن عجب أنهم وقد نسوا هذه الأمة في وقت الظفر فلم يذكروا إلا لهوهم ومنفعتهم ونيابتهم وضمان مصالحهم ما يزالون حتى الآن يمنون بأنهم لها يعملون، وفي سبيلها يسهرون، ولسعادتها يحكمون!... والأمة تستمع إليهم في هذه الدعاوى فيذهلها البهتان، وتؤلمها المراوغة ويحز في نفوسها تنكب السبيل أمن أجل الأمة هذه المؤامرات لا المؤتمرات؟! ومن أجلها تلك الحفلات والرحلات أو من أجلها تلك الأندية والمقامر والليالي الساهرات؟ والرشوات التي يغضى عنها، والمحسوبيات التي تقرب الأغنياء وتبعد الأكفاء وتعطي الأشرار وتحرم الأخيار وترفع الخونة وتنسى المخلصين؟!
مسكينة هذه الأمة عليها الغرم في أموالها وديارها وراحتها وثقافتها وعقيدتها، ولبعض الناس الغنم من أموال الدولة وجاهها ونفوذها وكبريائها، ولهم السلطة المطلقة في أن يفسدوا ما شاؤوا من عقيدتها وثقافتها وأخلاقها وتقاليدها، كلا أيها القادة إن أمتكم تريد منكم شيئًا غير هذا! تريد أن تحفظوا عقائدها، وتحترموا آدابها، وتصونوا أموالها، وتحقنوا دماءها، وتوفروا طمأنينتها، إنها تريد منكم أن تعنوا بالقرى كما تعنون بالمدن، وبشؤون المحافظات كما تعنون بشؤون العاصمة، وبأبناء الفقراء كما تعنون بأبناء الأغنياء، وبتثقيف سكان الريف والصحراء كما تعنون بتثقيف أولاد الكبراء والزعماء!
إنها تريد أن تعيش في نعمة سابغة، وأمن وارف، وعلم مفيد وعدالة شاملة، وخلق يسمو بها للسماء ولا يهوي بها إلى الحضيض؟
هذا ما تريده منكم الأمة، وفي سبيله تدفع لكم الضرائب وتحترم القوانين، وتنفذ الأوامر، وتبذل الطاعة، وتدعو لكم بالبقاء، وكل انحراف بها عن هذه الأماني خيانة للأمانة، وتفريط بالحق، وتهديم للدولة!
أيها القادة إن هذه الأمة فتحت أعينها فجنبوها الظلام، وجمعت شملها، فهيئوا لها الإعلام، وعرفت أمراضها فاختاروا لها الأطباء، وسلكت الطريق فكونوا لها خير الهداة...
يا هداة الركب! كيف تصلون وقد انحرفتم عن الجادة؟ ومتى تصلون وقد أعمتكم المادة؟ وفيم تقودون إذا ضللتم الهدف وفقدتم الغاية.