العنوان مساحة حرة (1939)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأربعاء 02-فبراير-2011
مشاهدات 47
نشر في العدد 1939
نشر في الصفحة 60
الأربعاء 02-فبراير-2011
لنا حق عليك يا تونس
د. منصور سلامة – الرياض
علمتنا الأحداث بأن يكون للشعوب كلمة وعلمتنا الأعراف غير ذلك، وما بين الأحداث والأعراف تتضح المواقف، وما جرى بتونس ما هو إلا تأكيد على ذلك.
فعلاً صنع هذا الشعب موقفاً، فلتتعلم منه سائر الشعوب المظلومة بل المقهورة معلنة لا ظلم دائم ولا حكم كذلك، إما بفعل فاعل أو بغير، والكل لا محالة زائل.
والذي جرى مؤخرا في تونس تم تناوله وبأشكال عدة من التحقيق والتمحيص والوصف ما يكفي لكتابة آلاف من الصفحات وقد حدث، وما لم يتم تناوله هو حقوق أخرى على تونس، فالقضية تبدأ بحق الشعب التونسي وتنتهي بحقوق الشعوب الأخرى على تونس.
دار حوار بين اثنين قبيل أحداث تونس بنهاية ۲۰۱۰م، فالأول يريد أن يقوم بزيارة لتونس كي يتمم تأسيس شركة استثمارية صناعية كان قد أسس لها هو وآخرون والثاني وهو أحد الشركاء لهذه المنشأة المنوي إقامتها ويعيش في تونس.
وفعلا تمت معظم الإجراءات، وتم تحويل جزء من رأس المال إلى تونس من أجل البدء بالتأسيس لهذا المشروع الذي يقدم تقنية صناعية لتونس ويعود بالفائدة على المجتمع التونسي بشتى فئاته، قال الثاني للأول: إذا ما رغبتم بإرسال أحد لمتابعة التأسيس، ووضع الخطط العامة فيفضل أن يكون حليق اللحية، وبسؤاله عن السبب، فأجاب: إن الأمن التونسي يتابع كل من هو ملتح حتى يتبين أنه غير تونسي، كما يفضل ألا يكون حريصا على الصلاة في المسجد حتى لا يزيد الإرباك، حيث تكتب تقارير متعددة منها ما هو عادي ومنها ما هو بحاجة إلى متابعة أكثر، فيصبح الإرباك مزدوجا، وبقي الأمر على حاله.
يتضح من ذلك أن الظلم الذي كان سائداً في تونس مورس على الشعب التونسي، وعلى باقي الشعوب، وأخص الشعوب العربية وليس غيرها وإن كان قد احتوى تباينا متواضعا، لكنها تبقى الحرية المنشودة، حيث قام الشعب التونسي ليدافع عنها متمنين أن يصل مبتغاه.
فإن كان قد أفلح هذا الشعب العظيم بنجاح ثورته، فالمشوار طويل، والثورة تحتاج من يحميها فليبقى مطالبا بالتغيير الشامل وتقديم احترام الشعوب العربية على أرضه إن لم يكن قبل الشعوب الأخرى، فليكن متساويا معها، فالأوروبيون والأمريكيون مقدمون في معظم بلادنا العربية على شعوبها بل على مواطنيها، فالعيون الزرقاء والشعور الصفراء تكون كافية للاحترام الذي نفتقده في مطارات بلادنا العربية، فالمعاناة واحدة وإن اختلفت الأماكن.
إلى الأمام يا تونس، وقد أصبحت نموذجا يحتوي على نصفين؛ الأول صناعة الثورة والتي لا تراجع عنها حيث تتم صناعتها وقت حاجتها والثاني صناعة النظام والممارسة السياسية وبناء الدستور والعيش ضمن دولة مؤسسات تنشد الحرية وتنظر لمستقبل زاهر، فإن فشلت في صناعة النظام - لا قدر الله - تستطيع في أي وقت صناعة الثورة.
أيهما يبقى.. أبو القاسم أم مبارك؟
الكاتب: البدوي عبد العظيم البدوي مستشار قانوني
يبدو أن أبا القاسم الشابي وبعد أن اطمأن على أحوال بلاده قرر أن يزور بلد النيل؛ لتدب فيها الحياة من جديد ولتتنسم عبير الحرية، ويرى الشعب فجرا جديدا، وتنكسر قيوده التي طالما كبلته وأقعدته عن الحركة حتى ظن بعضهم ممن لا يعرفون هذا الشعب أنه قد مات.
ويبدو أن قرار أبي القاسم الشابي للسفر إلى مصر كان سريعا، بل حتى أسرع من كل التوقعات، وأسرع مما تخيل الجميع.
لم يستوعب النظام المصري مطالبات الشباب الذين نزلوا إلى الشوارع منادين بطلبات محددة تماما، كما حدث مع النظام التونسي البائد الذي لم يفهم ما يريده الشعب إلا بعد أيام طويلة وبعد فوات الأوان خرج عليهم «بن علي» ليقول: «الآن فهمت.. الآن فهمتكم»، فكم من الوقت مطلوب منا أن ننتظر حتى نرى «مبارك» يخرج علينا وقد فهم ما يريده الشعب المصري الذي تعب طويلا، وحاول إفهامه بكل الطرق دون جدوى.
إن الاتهامات التي تكال اليوم للإخوان المسلمين بأنهم المتسببون في تحريك تلك الجماهير، وإنهم المخربون والسارقون لن تجدي نفعا في إخافة الغرب؛ ليتدخل لحماية النظام المصري من الانهيار، فالجميع يعلم أن ما يجري حتى الآن فوق طاقة أو قدرة الإخوان المسلمين، على الرغم من أنهم قوة المعارضة الأكبر على الساحة السياسية المصرية.
والجميع يعلم أن الإخوان ليسوا هم من سرق ثروات البلاد على مدار عقود ثلاثة مضت، والجميع يعلم أن الإخوان ليسوا هم من صدر الغاز لإسرائيل بأرخص الأسعار والناس لا يجدون الغاز للطهي في منازلهم، والجميع يعلم أن الإخوان ليسوا هم من باع الدور القومي للبلاد بالقطعة حسب الطلب والسعر، والجميع يعلم أن الإخوان ليسوا هم من حمى الفساد حتى عشش وفقس.
لا شك أن الأحداث كانت سريعة ومتلاحقة، وأن الجميع قد أخطأ في الحسابات والتوقعات، حتى الشعب ذاته الذي لم يكن يعرف إمكاناته أو ما يستطيع هو أن يصنع؛ فكان أول المتفاجئين، فضلا عن الغرب الذي جلس يراقب دون أن يأخذ فترة ليستطيع أن يفهم الأمور وإلى أين تسير.
إن استمرار النظام بتوجيه الاتهامات يميناً ويساراً في محاولة محمومة ليجد شماعة يعلق عليها فشله الذريع في إدارة البلاد وليلتمس حماية الغرب له من اقتراب المعارضة من استلام زمام الأمور في البلاد سوف يفشل أمام الشارع المصري بكامله وتحت أقدام شبابه الأبطال.
وأخيرا، لم يبق أمام النظام إلا أن يفهم الرسالة التي يريد الشعب أن يوصلها له والتي مفادها: «لقد آن أوان الرحيل».
فإن لم يفهم «مبارك» تلك الرسالة البسيطة الواضحة، واستمر في البحث عن شماعة؛ فأقترح عليه أن يلقي القبض على أبي القاسم الشابي مع توجيه تهمة محاولة قلب نظام الحكم لصالحه. فإما أن يرحل أبو القاسم الشابي أو ترحل أنت.. فارحل أنت.
الطريق إلى تونس!!
الكاتب: د. حمدي المرسي مدير مؤسسة القدس الدولية بالقاهرة
تلكم البقعة الخضراء التي صارت رمزاً للحرية والتضحية والإرادة والعزة والكرامة تونس التي اشتق اسمها من المؤانسة، إذ لما وصلها الفتح العربي الإسلامي بقيادة عقبة ابن نافع وجدوها غابات وأحراشا موحشة والفاتحون جاؤوا من جزيرة العرب، فما عرفوا غير البيئة الصحراوية الخالية من الأحراش، فاستوحشوا طبيعتها، لكن قائد السرايا دعا جنوده بأن يضعوا أسلحتهم وأمتعتهم بجوار صومعة راهب، وقال لهم: إن هذه الصومعة تؤنس، وصاروا يتبادلون اسم المنطقة بـ«تونس»، ومع مرور الوقت خففت الهمزة وأصبحت تنطق «تونس» التي هي اليوم تؤنس كل الأحرار وتخيف كل العملاء الخونة.
دائماً ما يعتقد الحاكم المستبد أنه محصن ومصفح، وأن نظامه خالد لا يزول فزبانيته وأزلامه يوهمونه بأنهم يسيطرون على كل مقاليد السلطة من خلال رجال الشرطة السرية المندسين في كل مؤسسات الدولة، والذين يجندون بعض الناس إكراها ليراقبوا المجتمع فيزعزعون الثقة بين أفراد الشعب وبين أبناء الأسرة الواحدة، ويظن كل فرد بأنه مراقب من صنو له أو زميل أو جار.
ويزداد النظام وحشية وشراسة وقمعاً... فيضيق على الناس في أرزاقهم، ويضطهد قادة الرأي والإصلاح فيهم، فيملأ السجون بهم ليحطم معنويات الناس، كي يتسرب الوهن واليأس والإحباط إلى نفوسهم فيرتضوا الخنوع لكن الحاكم البائس لا يدري أن الرماد تحته جمر ثائر لا يعرف الهدوء.
ما حدث في موقعة «سيدي بوزيد» جاء خارج كل التوقعات، وفاق كل قدرات الاستخبارات وقوى الأمن السري في نظام كان يعد على الناس أنفاسهم، ويراقب من يواظب على صلاة الفجر، ويتابع من يسمع صوتا للقرآن في بيته، ويرصد الشباب الطاهر الذي لا يتخذ أخدانا، ويعتقل كل نقابي أو صحفي ينادي بالحرية أو يكشف فسادا فكانت قناعات «بن علي» ونظامه أنه خالد، وأنه ملك تونس ومن عليها للأبد وأنه بقضائه على القيم الأخلاقية وفصمه للنسيج الاجتماعي الذي يشكل الدوافع الإنسانية التي تتطلع للحرية، قد استتب له الأمر، لكن الشعب التونسي ادخر الغضب ليوم الغضب، واحتمل الأذى ليوم النصر، وتجرع الصبر للحظة التحرر.