; مستجدات السياسة السوفيتية في عهد "أندروبوف" | مجلة المجتمع

العنوان مستجدات السياسة السوفيتية في عهد "أندروبوف"

الكاتب أبو قحافة

تاريخ النشر الثلاثاء 07-ديسمبر-1982

مشاهدات 61

نشر في العدد 598

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 07-ديسمبر-1982

مستجدات السياسة السوفيتية في عهد أندروبوف

-الزعماء الجدد في الكرملين يحتاجون إلى عدة سنوات على الأقل لرسم سياستهم الخارجية.

-هل ماتت شعارات الشيوعية بموت- برجينيف؟

بقلم: أبي قحافة

هذا الأسبوع ظهرت أغلب الصحف الغربية وهي تحمل صورة زعيم الكرملين الجديد أندروبوف على صفحاتها الأولى، وهذا يدل على أن تلك الصحف ما زالت تهتم بما حدث أو قد يحدث في الاتحاد السوفيتي، بعد رحيل برجينيف، ومجيء أندروبوف إلى قمة السلطة.

وتكاد تجمع هذه الصحف على أن ما حدث في الاتحاد السوفيتي من تغيير قد لا يحمل معه مفاجآت إلا فيما يخص أفغانستان، فموت برجينيف كان متوقعًا، ومعركة الخلافة استمرت سنوات عديدة داخل الكرملين، والمفاجأة الوحيدة في اختيار الخليفة تكمن في سرعة عملية الاختيار بصورة غير متوقعة.

وعدا ذلك فلا يتوقع المراقبون الغربيون مفاجأة أخرى أو خطة جديدة أخرى في جعبة أندروبوف، اللهم إلا فيما يخص موضوع أفغانستان «مقبرة الروس»، فنظرًا للضربات القاسية التي تلقاها الجنود السوفييت ومضيفوهم من جنود الحكومة الأفغانية، سوف يسرع أندروبوف إلى العمل من أجل إنقاذ الجيش الأحمر من الورطة التي تورط فيها في أفغانستان، ولكن كيف؟

  • ثلاث سنوات لرسم السياسة الخارجية:

ليس من المتوقع أن يقدم زعماء الكرملين الجدد أي جديد قبل خريف عام ١٩٨٤؛ لأنهم سيكونون مشغولين في تلك الفترة بتقسيم ميراث برجينيف، ولا شك من أن أكثرهم ذكاء وحيوية هو الذي سوف يستولي على كل شيء في النهاية، وقد يكون هذا الشخص هو أندروبوف نفسه الذي تم اختياره على رأس الحزب، ويتوقع المراقبون تعيينه رئيسًا للدولة، فيجمع بين المنصبين الحيويين، كما كان سلفه يجمعهما في يد من حديد، ولعل زعماء الكرملين ينتهزون فرصة ثلاث سنوات تلك لتحقيق الأمور الآتية:

-تصحيح الأخطاء التي ارتكبوها مع برجينيف منذ خمس سنوات.

-الخروج من السكون الذي أبعدهم عن المشاركة في قضايا دولية مهمة.

-النزاع أو الوفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية.

-مواجهة إجراء تعديلات تجديدية على جهاز قيادة الحزب الشيوعي.

ويرى المراقبون أن زعماء الكرملين لم يتعودوا على التعجيل في تغيير الأوضاع السائدة في حالة تجديد قمة السلطة، ويمكن للمرء أن يتوقع أن أي حدث مهم لن يقع في الاتحاد السوفيتي حتى خريف ١٩٨٤؛ حيث يكون الأمريكيون يستعدون لخوض الانتخابات الرئاسية، وحينئذ قد يتسرب دخان التغيير من فوهات المدخنة السوفيتية، ويتوقع أن يكون دخانًا أبيض يحمل معه مزيدًا من الاتجاه السلمي، وتنسيقًا لسياسة الوفاق الدولي؛ لأن أندروبوف يكون حينئذ قد استقر تمامًا على القمة، لكنه يكون قد بلغ السبعين من العمر، ويبدأ الحديث من جديد عن اختيار من سيخلفه في السلطة، ومن هنا يبدأ العنصر المهم للوضع السوفيتي الجديد الذي بدأ بمجيء أندروبوف إلى القمة.

لا جديد إلا في أفغانستان:

إن موت ليونيد برجينيف ومجيء يوري أندروبوف؛ ليقف على قمة السلطة بعد وفاته بيومين فقط، لا يفتح أفاقًا جديدة في المنظور القريب على الأقل، لا بالنسبة للاتحاد السوفيتي نفسه، ولا للمعسكر الذي يقوده، ولا للعلاقات بين الشرق والغرب، ولا للحوار بين الشمال والجنوب.

فالأسلوب الذي انتهجه برجينيف حتى عام ۱۹۷۵ لتأكيد النكسة الإيديولوجية التي أصابت الشيوعية العالمية، وجعلتها تعجز عن مواكبة الرأسمالية منذ سنوات عديدة.

في عهد خروشوف حاول الاتحاد السوفيتي مداركة الولايات المتحدة والتفوق عليها في الدخل القومي السنوي قبل عام ١٩٧٠، ولكن خروشوف سقط من قمة السلطة بعد أن أذل الرئيس الأمريكي جون كيندي الشيوعية العالمية من خلال موقفه الحاسم في أزمة كوبا عام ١٩٦٢، فاجتمع زعماء الكرملين على التخلص منه، وأصبح هو كبش الفداء في هزيمة الشيوعية الدولية أمام الرأسمالية؛ لأنه هو الذي جسد الذل والهزيمة.

وهكذا تم إبعاد خروشوف من السلطة دون أن يحقق شيئًا من وعده الذي قطعه على نفسه لشعبه، وجاء برجينيف ومن معه من زعماء الكرملين في قمة السلطة، وتحت تأثير الصفعة الأليمة التي تلقوها من أمريكا في أزمة خليج الخنزير، ألغوا برنامج خروشوف نهائيًّا، وقطعوا هم أيضًا على أنفسهم وعدًا بملاحقة الولايات المتحدة والتفوق عليها في مجال التسلح، وسخروا في سبيل ذلك كل مقدرات بلدهم على حساب المواطن السوفيتي المسكين واقتصادهم والأيدولوجية الشيوعية.

فبينما تخصص اليابان 1% فقط من دخلها القومي السنوي للصناعة العسكرية، وتتفوق في صناعة السيارات والسفن والتكنولوجيا الحديثة، ترى الاتحاد السوفيتي يخصص ١٥٪ من عائده القومي السنوي للتسلح، ويهمل جميع الجوانب الأخرى، وهذه النسبة أكبر مرتين مما تخصصه أمريكا للتسلح، ورغم ذلك ما زالت ميزانية السوفييت العسكرية في ازدياد مطرد بمقدار ٥٪ منذ عشرين عامًا.

ويبلغ عدد أفراد الجيش الروسي خمسة ملايين جندي تقريبًا، ويعمل حوالي عشرين مليون مدني لصالح الجيش الذي يدير صفة الصناعات الثقيلة دون منازع.

ولسياسة برجينيف السلبية هذه لم يستفد المواطن السوفيتي العادي شيئًا من ثروات بلاده الطبيعية الهائلة.

ففي مجال الطاقة مثلًا يعتبر الاتحاد السوفيتي أول منتج عالمي للفحم والنفط.

ويصدر الغاز الطبيعي والذهب، ورغم كل ذلك وفي غضون خمسة وستين عامًا لا يزال الاتحاد السوفيتي يصدر المواد الخام لشراء الأجهزة والمصانع، وحتى الفنادق الموجودة فيه؛ فالشركات الفرنسية أو السويدية هي التي بنتها، واستوردت تلك الشركات بنفسها كل مواد البناء إلى الاتحاد السوفيتي سوى الأرض والماء طبعًا.

وبعد مضي خمسة وستين عامًا من استيلاء السوفييت على السلطة في روسيا لم يتمكنوا حتى الآن من تطوير منطقة سيبيريا الإستراتيجية، ولا يزال السوفييت منذ نصف قرن ينسبون كبر حجم وارداتهم من الحبوب والزبدة والسكر إلى ظروف طبيعية سيئة.

ولكن تلك الحجة مجرد خدعة.

ففي عام ١٩٥٠ كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ينتجان نفس الكمية من الحبوب،

لكن أمريكا اليوم تنتج ضعف ما ينتجه الاتحاد السوفيتي من الحبوب، وإذا قارنا بين الاتحاد السوفيتي واليابان التي لا تملك ثروات طبيعية، وبدأت نهضتها الصناعية بعد الاتحاد السوفيتي وصل إلى نتيجة أكثر إدانة للأسلوب الشيوعي.

في مجال الدخل الفردي مثلًا نجد أنه في الفترة ما بين ۱۸۰۰- ١٩٧٦ كانت اليابان وراء الاتحاد السوفيتي في الدخل الفردي حتى عام ١٩٦٠، لكن بعد أن استولى برجينيف على السلطة تقدمت اليابان على الاتحاد السوفيتي في هذا المجال، ومازال الفارق واسعًا بين الدولتين حتى الآن.

خلال جيلين كاملين لم يحقق النظام الشيوعي أي تقدم ملموس في أي مجال سوى المجال العسكري طبعًا، ولا يزال كثير من المواد الاستهلاكية توزع بالتقنين في الاتحاد السوفيتي، والمواطنون هنالك وفي غيره من البلاد الشيوعية يضيعون أوقاتهم في الطوابير أمام المخازن والدكاكين؛ مما أدى إلى ازدهار السوق السوداء في تلك البلاد، وانتشار الفساد والدعارة وإدمان الكحول.

شعارات تسقط:

لقد رفع الشيوعيون شعارات رنانة منذ ظهور هذه البدعة ما لبثت أن سقطت، وبان كذبها الواحد تلو الآخر.

فقد نادوا بالمساواة لكن مساواتهم أدت إلى خلق طبقة حزبية ديكتاتورية، انفردت بكل الامتيازات، وأصبحت ذات طابع وراثي يقودها أعضاء الحزب وأفراد أسرهم.

كما نادوا بزيادة الإنتاج فانخفض مستوى الإنتاج السوفيتي في عهد الشيوعية بنسبة الضعف في المجال الزراعي، ونسبة عشر مرات إلى الوراء في مجال الصناعة، وكذلك الشأن بالنسبة لجميع الأنظمة الشيوعية.

كذلك نادوا بالحرية، فأصبح الحزب الاشتراكي هو الذي يقرر مصائر المواطنين الشيوعيين، وهو الذي يقرر ما يمكن للمواطن أن يقرأه أو يستمع إليه من إذاعات خارجية.

أما السفر خارج البلاد فهو محتكر لأعضاء الطبقة الحزبية فحسب، وأصبح التطهير يطارد المواطن في أي بلد شيوعي، ويزج بالمنشقين في السجون والمعتقلات، أو ينفون إلى أماكن نائية داخل البلاد أو خارجها.

وأصبح المواطن الذي يريد أن ينجو من المشاكل يحفظ بدقة قاعدتين أساسيتين هما: عدم الانفراد بأي عمل، وعدم الانضمام إلى أقلية.

ولهذه الأسباب منع الحزب الشيوعي السوفيتي إذاعة نبأ موت بريجينيف على الشعب السوفيتي إلا بعد ٢٤ ساعة. 

وللسبب نفسه لا يزال الشعب الشيوعي في ألبانيا «المثال النموذجي للشيوعية» لم يعلم بوفاة برجينيف حتى الآن؛ لآن الرفيق أنور خوجة لم يأمر ببث الخبر عليهم بعد.

ماذا ينتظر من أندروبوف؟

هذه الأمور التي سردناها دعت مراقبين غربيين إلى القول بأن الشيوعية ماتت بموت برجينيف؛ لتشبث الشيوعيين بكرسي الحكم.

ومع ذلك فإن أندروبوف قد يحاول التمويه بأن الشيوعية ما زالت حية.

وقد يكون المجال الدولي ميدان تجربته الأولى، فبالنسبة لأفغانستان فإن أندروبوف قد يجتهد لابتكار مواقف سوفيتية جديدة نحو المشكلة الأفغانية؛ لإخراج الجيش الأحمر من الورطة التي وقع فيها، ويمكنه بكل بساطة إلقاء وزر هذا التورط على سلفه برجينيف شخصيًّا، أو يلقي به على عاتق سوسلون فيلسوف الحزب الشيوعي الراحل، ويستطيع أندروبوف بذلك أن يفتح طريقًا تستطيع موسكو بواسطته اقتراح منح كابول حكمًا ذاتيًّا مستقلًّا لإنهاء الأزمة، وينسحب الجيش السوفيتي من الميدان الأفغاني، وبذلك يشهد العالم مولد فنلندا أسيوية.

ولعل أندروبوف بدأ تمهيد الطريق لمثل هذه التسوية، عندما عمد إلى اختيار حيدار على زادة والمعروف باسم «علييت» عضوًا جديدًا في المكتب السياسي ونائبًا لرئيس الوزراء و«علييت» ابن إحدى الأسر المسلمة من مواليد أذربيجان سنة ۱۹۲۳، وكان مسئولًا عن علاقات الحزب الشيوعي السوفيتي بالأحزاب الشيوعية في الدول الإسلامية منذ عام ١٩٦٩.

ويرى المراقبون في اختيار هذا الرجل في عضوية المكتب السياسي بداية لسياسة دغدغة العالم الإسلامي، يهدف أندروبوف من خلالها إلى أمرين أساسيين؛ أولهما: الحصول على مباركة العالم الإسلامي للمبادرة التي قد يتقدم بها لتسوية المشكلة الأفغانية، التي أصبحت مشكلة سوفيتية مقلقة بعد الهزائم المتكررة التي مني بها الجيش السوفيتي على يد المجاهدين الأفغان.

وثانيهما: جلب تعاطف المسلمين السوفييت الذين يقدر عددهم بأكثر من خمسين مليون نسمة، لا يمكن تجاهلهم، على الرغم من قلة الحديث عنهم على المستويات الرسمية.

وآخر ما تقدم به هؤلاء المواطنون من طلبات كانت تشمل السماح لهم بزيارة الأماكن الإسلامية المقدسة، واستقبال زائرين مسلمين في بلادهم، والسماح بإقامة مدارس قرآنية، وإعادة فتح المساجد، وتخصيص إذاعات وبرامج تلفزيونية للمسلمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل