; مستقبل الاقتصاد الفلسطيني بعد الانسحاب من غزة | مجلة المجتمع

العنوان مستقبل الاقتصاد الفلسطيني بعد الانسحاب من غزة

الكاتب عبدالحافظ الصاوي

تاريخ النشر السبت 17-سبتمبر-2005

مشاهدات 61

نشر في العدد 1669

نشر في الصفحة 44

السبت 17-سبتمبر-2005

الانتعاش يتوقف على الاستقرار ..حرية الحركة..وتدفق المساعدات

٢٠٠ مليون دولار مبادرات للقطاع الخاص للاستثمار في غزة قابلة للزيادة.. بشرط ضرورة اعتماد الاقتصاد الفلسطيني على القدرات الذاتية وفتح الأبواب الصناعات ومشاريع جديدة مع الدول العربية

الانسحاب الصهيوني أحادي الجانب من قطاع غزة، ترك العديد من التساؤلات عن مستقبل الدولة الفلسطينية. هل هذه الخطوة سوف تتبعها خطوات أخرى لتحريك عملية السلام؟ هل هو نوع من التكتيك لتحسين صورة الكيان الصهيوني أمام الرأي العام العالمي، بعد خمس سنوات من التدمير الكامل للبنية الأساسية الفلسطينية وإهدار أموال المساعدات التي قدمتها الدول العربية والأجنبية للسلطة الفلسطينية خلال الفترة من عام ١٩٩٥ - ٢٠٠٠م.

القاهرة: 

‏hafez56@hotmail.com‏

هل الأمر كذلك، أم أن هذه الخطوة أرادت بها «إسرائيل» أن تضرب عصفورين بحجر واحد الأول وهو تخليها عن غزة في الوقت الذي تبقي عليها تحت الاحتلال بصورة غير مباشرة، والأمر الثاني هو ابتزاز العالم من خلال الحصول على المعونات والتعويضات التي تقدر بنحو 5 مليارات دولار، هذا فضلًا عن محاولتها فتح آفاق أرحب على الصعيد الاقتصادي مع الدول العربية وبعض الدول الأخرى في آسيا وأمريكا اللاتينية التي ما زالت تتعاطف مع القضية الفلسطينية؟!

في هذا الإطار عقد منتدى البحوث الاقتصادية بالقاهرة مؤتمرًا في ٢٩ أغسطس الماضي، لمناقشة تقرير بعنوان مستقبل الاقتصاد الفلسطيني ... إستراتيجية إعادة الإعمار، قام بإعداده ومناقشته مجموعة من الاقتصاديين الفلسطينيين، بالإضافة إلى بعض المعنيين بالشأن الفلسطيني بالقاهرة.

استعرض التقرير الأوضاع الاقتصادية في فلسطين خلال السنوات الخمس الماضية، نتيجة الممارسات الصهيونية التي استهدفت تدمير البنية الأساسية وهدم ما تم إقامته من منشآت حيث ارتفاع معدلات البطالة لتصل إلى نحو %٧٠ وتدهور أوضاع الموازنة العامة للسلطة وارتفاع العجز بها. أيضًا تم التعرض للسياسة التي حرص الكيان الصهيوني على تبنيها خلال الفترة الماضية والمتمثلة في السيطرة على الاقتصاد الفلسطيني وجعله اقتصادًا تابعًا لها، حتى من خلال الاتفاقيات الدولية حيث تعامل السلطة الفلسطينية في نفس التعريفة الجمركية التي يعامل بها الكيان الصهيوني باعتبارهما يكونان اتحادًا جمركيًا، وهو أمر في غاية الغبن للأوضاع الاقتصادية الفلسطينية. 

ولقد حرصت المجتمع على عدم الخوض في القضايا التي طرحت من قبل ودلفت إلى محاولة استقراء المستقبل.

إعادة انتشار وليس انسحابًا:

الدكتور حسن أبو لبدة وزير العمل والشؤون الاجتماعية في فلسطين أشار في  كلمته أثناء الجلسة الافتتاحية إلى أن الانسحاب من غزة، يمثل إعادة انتشار واسعة النطاق في غزة، وليس انسحابًا كما يرغب العالم أن يراه. وستبقى غزة أرضًا محتلة، حيث يستمر الكيان في بالسيطرة على أجواء القطاع ومياهه الإقليمية، وحركة البضائع والأشخاص عبر المعابر الدولية. وأكد الوزير أن السلطة الفلسطينية لم تستطع إلى اليوم إحراز تقدم حقيقي في تغيير المواقف الصهيونية فيما يتعلق بترتيبات السيطرة على معبر رفح الحدودي مع مصر. ومن شأن هذه التطورات ألا تفضي إلى استئناف عملية السلام وتطبيق خريطة الطريق في ظل ما يقوم به الكيان الصهيوني حاليًا من تكثيف للنشاط الاستيطاني في محيط القدس واستمرار بناء جدار الفصل العنصري، ومصادرة آلاف الدونمات في مناطق مختلفة من الضفة وإعادة توطين المستوطنين الراحلين عن غزة في الضفة الغربية، وانتهى أبو لبدة إلى أنه في ظل هذه المعطيات ستتحول غزة إلى سجن كبير بدلًا من أن تكون أرض الأمل، وبدون تدخل عربي ودولي للضغط على الكيان من أجل تنفيذ خريطة الطريق يخشى أن تتحول غزة أولًا إلى غزة أخيرًا، مع ما يترتب على ذلك من تفاقم للأوضاع وزيادة المعاناة الفلسطينية وانهيار عملية السلام.

رهانات المستقبل الاقتصادي لغزة

وقال الدكتور باسم مكحول أستاذ الاقتصاد بجامعة بيرزيت إن المستقبل الاقتصادي لغزة في ظل تبني سيناريو متفائل يتوقف على ثلاثة عوامل رئيسة هي:

1- السياسات الصهيونية المتعلقة بحركة الأفراد والسلع والخدمات من وإلى الأراضي الفلسطينية «الضفة وغزة والعكس»، ففي حالة إلغاء هذه القيود تتاح الفرص للاستيراد والاستيراد المباشر سواء داخل الأراضي الفلسطينية أو مع الخارج، فوجود ممر آمن فيما بين الضفة وغزة سوف ينعش الحركة الاقتصادية الداخلية.

2-استمرار تدفق المساعدات الدولية وبخاصة الموجهة إلى قطاع غزة وتبرز أهمية هذه المساعدات من كونها سوف توجه بشكل كبير المشاريع اقتصادية وإقامة البنية الأساسية. مما سيؤدى إلى تحسين بيئة الأعمال وزيادة مساهمة القطاع الخاص الذي يخطط لاستثمار ملايين الدولارات في قطاع غزة.

3- قدرة السلطة الفلسطينية على فرض القانون والنظام وحماية الملكيات الخاصة وتفعيل الخدمات العامة وتحسين أداء مؤسسات القطاع العام من حيث نوعية الخدمات الحكومية ومدى قدرتها على خلق بيئة استثمارية محفزة للقطاع الخاص.

وفى حالة تحقيق هذه العوامل الثلاثة فإن الوضع الاقتصادي في غزة سوف يشهد انتعاشًا حقيقيًا. ولكن لابد من استيعاب أن هناك جدية حقيقية من قبل الدول المانحة في تقديم المساعدات حيث لمست بنفسها خلال الفترة الماضية الصعوبات التي واجهتها في إقامة مشروعاتها خلال فترة غياب السلطة الفلسطينية من جانب، ومن جانب آخر المأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني. إلا أن الأمر الأهم يبقى في أيدي سلطات الاحتلال. ففي حالة استمرار سيطرة الصهاينة على الممرات البرية والبحرية والجوية سوف تتحول غزة إلى سجن كبير مليء بالعاطلين عن العمل، مما سيخلق بيئة مواتية لمزيد من الانفلات الأمني إضافة إلى تصعيد أعمال المقاومة.

۲۰۰ مليون دولار.. مبادرات للقطاع الخاص

وحول إمكانية القطاع الخاص الفلسطيني على القيام بالدور المطلوب منه لإنعاش الاقتصاد الفلسطيني أشار الدكتور مكحول إلى أن هناك عدة مبادرات استثمارية في قطاع غزة من قبل القطاع الخاص تزيد على ۲۰۰ مليون دولار إلى الآن، وتتوقف زيادة هذه المبالغ على وجود البيئة الاستثمارية المحفزة. والجدير بالذكر أنه في الفترة الأخيرة تم تأسيس شركة الاتحاد للإعمار، وقد تم الاكتتاب بضعف عدد الأسهم المطروحة وجزء كبير من هذا الاكتتاب تم من قبل مستثمرين مقيمين في الداخل وأيضًا من الخارج، والقطاع الخاص أمامه فرصة جيدة للاستفادة من ودائع البنوك حيث توجد ودائع تصل لنحو ٤.٢ مليار دولار بالبنوك الفلسطينية. ومن القطاعات المتوقع أن تشهد رواجًا اقتصاديًا في الفترة القصيرة القادمة قطاعات الإنشاء والصناعات الاستهلاكية البسيطة وقطاع السياحة وأيضًا قطاع الزراعة حيث إن هذا القطاع أصبح يمتلك ميزة تنافسية في تصدير الزهور.

ويضاف إلى ذلك أن هناك محاولات لإكساب القطاع الخاص الثقة في المؤسسات الحكومية من خلال وجود شركات مشتركة تمتلك السلطة فيها حصة من رأس المال، كما أن اللجان التي عهد إليها باستلام وإدارة المستوطنات التي تم إخلاؤها، شارك فيها رجال أعمال بعدد لا بأس به.

حتمية الاستقلال الاقتصادي والسياسي

واستعرض الدكتور سمير عوض أستاذ العلوم السياسية بجامعة بيرزيت الجوانب المتعلقة بالحوكمة والمؤسسية في أعمال التقرير. وأشار إلى نقاط جوهرية مهمة فيما يتعلق بطبيعة الإدارة السياسية في الأراضي الفلسطينية في الفترة المقبلة، والتي ينبغي أن تحتوى على العناصر الآتية: 

 يجب على الفلسطينيين في الوقت الذي يقاومون فيه الاحتلال أن يقوموا أيضًا ببناء مؤسسات حديثة وفعالة وشفافة، وذلك بناء على رؤية أن الدولة الفلسطينية قادمة ونحن في مرحلة بناء البنية الأساسية، يجب ألا تقتصر على الشوارع والمباني فقط ولكن بناء المؤسسات مطلوب أيضًا لإيجاد العدل والإقامة القانون والحكم الصالح والشفافية؛ لأن المؤسسات غير الفعالة سوف تصبح إهدارًا للجهود والأموال.

الاستقلال السياسي يتطلب أيضًا استقلالًا اقتصاديًا، فلا يعقل أن يكون هناك استقلال سياسي من قبل العدو الصهيوني، ونبقى تحت الاحتلال الاقتصادي فالمطلوب أن يعتمد الاقتصاد الفلسطيني على القدرات الذاتية قدر المستطاع ويفتح الأبواب لصناعات جديدة ومشاريع جديدة مع الدول العربية خاصة مصر والأردن، لأن المسألة عبارة عن توفير رئة؛ ليتمكن الشعب الفلسطيني من التنفس من خلالها، ولا يبقى دائمًا تحت السيطرة الصهيونية الكاملة.

 الانتخابات والديمقراطية والتعددية هي صمامات أمان لعدم تحول الدولة الفلسطينية إلى دولة سلطوية أو ديكتاتورية، وصمام أمان لكل الاتفاقيات التي ستعقدها السلطة الفلسطينية، حيث إن الانتخابات المقبلة تتطلب شرعية التمثيل الشعبي، فلا يمكن أن يوقع اتفاقًا يحدد مصير الملايين من الفلسطينيين دون أن يكون قد وصل لهذه المكانة عن طريق انتخابات شرعية ونزيهة، فلابد أن تتوافر في فلسطين في المرحلة المقبلة آليات ديمقراطية الحكم وصناعة القرار السياسي.

الرابط المختصر :