العنوان مستقبل الانتفاضة فهي تستقبل عامها السابع
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 07-ديسمبر-1993
مشاهدات 95
نشر في العدد 1078
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 07-ديسمبر-1993
مستقبل الانتفاضة في ظل اتفاق أوسلو
على مدار السنوات 6 الماضية احتلت الانتفاضة الشعبية في الأراضي
الفلسطينية المحتلة واجهة الصدارة في أحداث القضية الفلسطينية على مختلف جبهاتها،
وظلت رمزًا من رموز التحرر والخلاص من الاحتلال، وعلامة من علامات حياة الشعب
والأمة، وتصاعد رصيدها مع الأيام حتى استحالت ثابتًا من الثوابت الوطنية لا يجوز
المس به أو الدعوة إلى إسقاطه أو تغييبه مهما كانت الأسباب.
إلا أن المتفاوضين سرًّا في أوسلو كان لهم رأي آخر، وبات واضحًا لدى
الجميع أن ما تم إقراره في أوسلو سرًّا سينعكس بنتائجه على ما يحدث في الأراضي
المحتلة علنا، وهكذا أصبح السؤال المشروع عن مستقبل الانتفاضة، وأصبحت الإجابة
القاطعة في السابق مجموعة إجابات ظنية، كل منها يملك أدلته.
الانتفاضة في ظل الاتفاق
يمكن تقسيم الاتفاق الفلسطيني- الإسرائيلي إلى 3 أقسام: الأول هو
اتفاق إعلان المبادئ على مسار المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية، والذي جرى
التوقيع عليه في العاصمة الأمريكية واشنطن، والثاني هو رسالة الاعتراف التي وجهها
رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات لرئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين،
والتي تضمنت الاعتراف بإسرائيل وحقها في الوجود، إلى جانب التعهد بوقف العنف
والإرهاب، حسبما ورد في النص - ضدها. أما الشق الثالث من الاتفاق، فهو الرسالة
العكسية التي وجهها رابين إلى عرفات، معلنا اعترافه بمنظمة التحرير كممثل للشعب
الفلسطيني.
وما يعنينا في هذا المقام هو القسم الثاني من الاتفاق، والذي تعهد فيه
عرفات لرابين بوقف العنف ضد إسرائيل؛ إذ جاء في الرسالة: «أن منظمة التحرير
الفلسطينية تنبذ الإرهاب، وتتخلى عن أي عمل من أعمال العنف، وستتحمل المسؤولية
بالنسبة إلى كل عناصر وموظفي منظمة التحرير الفلسطينية، وتتعهد بتدارك أي انتهاك
لهذه التعهدات، وباتخاذ الإجراءات التأديبية ضد أي مخالف لها».
ولا يحتمل النص التأويل والتفسير على أوجه متعددة؛ إذ يبدو واضحًا أن
المنظمة وافقت على تولي مسؤولية وقف أي عمل يمس بأمن الدولة العبرية، وهي تؤكد
مسؤوليتها إزاء أي خرق لهذه التعهدات، ولأن قادة المنظمة يؤمنون أن «المنظمة هي
الشعب الفلسطيني على طريقة لويس الرابع عشر، فإن القول: بأن أنصار الفصائل غير
المنضوية تحت لواء منظمة التحرير لن تمسهم إجراءات المنظمة هو قول غير مسنود
بحقائق الواقع.
وتصديقًا للوعد المقطوع قام عرفات لاحقًا بتوجيه دعوة للفلسطينيين
داخل الأراضي المحتلة، طالبهم فيها بالتزام الهدوء، والعيش بطريقة عادية، كما وجه
أوامر عسكرية لقادة المجموعات المسلحة التابعة لحركة «فتح» بوقف الهجمات، التي
يشنها أفرادها على قوات الاحتلال، ولئن التزم المسلحون بأوامر عرفات فإن الشارع
الفلسطيني، الذي تملك الفصائل الفلسطينية الرافضة للاتفاق ثقلًا كبيًرا فيه لم
يستجب للدعوة.
وقد ظهر ذلك عقب مقتل أحد قادة الانتفاضة العسكريين؛ إذ خرجت الجماهير
الفلسطينية إلى الشوارع احتجاجًا على مقتل عماد عقل - قائد مجموعات مسلحة تابعة
لحركة حماس -، ويرى أنصار الاتفاق مع إسرائيل أن دخول الشرطة الفلسطينية سيعمل على
تهدئة الأوضاع، ويقلل من احتمالات الصدام بين المواطنين الفلسطينيين وقوات
الاحتلال الإسرائيلي.
الانتفاضة.. صور متعددة وعوامل متفجرة
لاستقراء مستقبل الانتفاضة الفلسطينية في الأراضي المحتلة يجب ملاحظة
جملة محاور، يدور الحديث حولها، وإن لم يطرق صلبها عندما يتطرق الحديث لمستقبل
الانتفاضة. بادئ ذي بدء لا بد من الإشارة إلى أن الانتفاضة الفلسطينية أخذت صورًا
متعددة على مدار سنواتها الست الماضية، وينبغي الإشارة إلى أنه لم تكن هناك حدود
فاصلة تفصل بين هذه الصور بشكل قطعي، بحيث تختفي الصورة؛ لتحل محلها صورة أخرى، بل
إن هذه الصور تتداخل وتتقاطع، وإن طفت تفاصيل إحداها على الأخرى.
في السنوات الأولى للانتفاضة أخذت الثورة طابعها الجماهيري الشعبي،
فظهرت المسيرات الحاشدة، التي تحرك فيها الآلاف وواجه الشعب الأعزل جيشًا مدججًا
بالسلاح، ويمكن القول: إن طابع الثورة كان طابع المقاومة السلبية، والذي امتد على
مدار سنوات الانتفاضة الثلاث الأولى، وقد تميزت بكثرة الشهداء والجرحى في صفوف
الفلسطينيين بسبب إطلاق الرصاص العشوائي على الجماهير المجردة من الأسلحة إلا
الحجارة والزجاجات الفارغة، كما تميزت هذه الفترة بمشاركة جميع الفئات العمرية
والاجتماعية في الفعاليات.
وفي الأشهر الأخيرة لهذه المرحلة بدأت الزجاجات الحارقة (قنابل
المولوتوف) والسكاكين تدخل الميدان بقوة؛ مما ساهم في تقليص حجم المشاركين في
الفعاليات وخاصة من كبار السن والنساء، مع ازدياد خسائر الاحتلال ازداد القمع مما
حافظ على التفاعل النفسي مع الملثمين، الذين ميزوا هذه الفترة وتميزوا بلثامهم
وبلطاتهم وحملاتهم ضد العملاء في أوساط الفلسطينيين.
في الشهور الأخيرة من عام 1990 بدأت الأسلحة النارية تحل محل البلطات
وتحول الملثمون إلى مطاردين، ونشأت أنوية المجموعات المسلحة، وتقلصت المسيرات
الجماهيرية، وتحولت الانتفاضة إلى حرب عصابات من نوع جديد بين أفراد المجموعات
المسلحة وبين قوات الاحتلال.
وظهرت في هذه الفترة بقوة مجموعات الفهد الأسود الجناح المسلح لحركة
فتح في الضفة الغربية، وصقور الفتح الجناح المسلح لنفس الحركة في قطاع غزة، وكتائب
الشهيد عبد الله عزام الجناح العسكري المسلح لحركة حماس في الضفة الغربية، وكتائب
الشهيد عز الدين القسام الجناح المسلح لحماس في القطاع، ومجموعات النسر الأحمر
التابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والنجم الأحمر التابعة للجبهة الديمقراطية،
وكتائب سيف الإسلام التابعة لحركة الجهاد الإسلامي.
وبهذا التحول ازدادت خسائر الاحتلال في الأرواح، وازداد القمع؛ ليأخذ
طابعًا جماعيًّا، واكتسب المطاردون والمسلحون تعاطفًا جماهيريًّا مع كل عملية
مسلحة نفذوها، وتمكنوا خلالها من قتل جندي إسرائيلي. ومع تبدل الصور والأشكال
استحالت الانتفاضة إلى نمط حياة يومي يعيشه الناس في الأراضي المحتلة سواء شاركوا
فيه مباشرة أو دعموه دون المشاركة فيه، ورغم اختفاء مظاهر الثورة من الشوارع، فقد
بقيت كامنة في النفوس، وساهمت انفجارات محددة في إظهارها كان آخرها استشهاد عماد
عقل، وما تلاه من أحداث في الأراضي المحتلة.
أما المحور الثاني للحديث: فهو الإجابة على سؤال محدد، هل ينهي اتفاق
إعلان المبادئ بين إسرائيل وقيادة منظمة التحرير الصراع العربي – الإسرائيلي؟ إن
الانتفاضة ليست سوى شكل من أشكال الصراع، ونشير في هذا الصدد إلى استطلاع للرأي
أجراه مركز السلام للدراسات، والذي يتخذ من الأراضي المحتلة مقرًّا له، وحسب
استطلاع المركز فإن 61 في المائة من أفراد عينة عشوائية من قطاع غزة أعربوا عن
معارضتهم لمشروع الحكم الذاتي المحدود في غزة وأريحا، وقال 63.75 في المائة منهم
أن الاتفاق لن يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس.
إن مشاعر كهذه تكشف ما يجول بخاطر الجماهير داخل الأراضي المحتلة،
وتحديدًا قطاع غزة، الذي تدور مفاوضات للانسحاب منه، أي أن سكانه سيكونون العينة
الاختيارية لما يمكن أن تكون عليه الأوضاع في المستقبل، وعزز هذه المشاعر جملة من
عوامل التفجر ما زالت كامنة داخل الأراضي المحتلة، وهي بمثابة صاعق تفجير للغضب
الكامن في النفوس، وتشكل محورًا ثالثًا من محاور النقاش، وتتمثل هذه العوامل
بالمستوطنات التي نص الاتفاق على بقائها في إطار المرحلة الانتقالية مع مرابطة
قوات إسرائيلية فيها؛ للدفاع عن سكانها.
ويعارض 63 في المائة من الفلسطينيين بقاء المستوطنات تحت الإدارة
الإسرائيلية، ويطالب هؤلاء بإخضاعها للسلطة الفلسطينية باعتبارها (المستوطنات)
مظهرًا من مظاهر الاحتلال، وهو ما تعارضه إسرائيل، التي ترى فيها أحد ضمانات أمنها
القومي، وينص الاتفاق كذلك على السماح للمستوطنين بالتنقل في الشوارع تحت حماية
الجيش الإسرائيلي، وهو ما قد يشكل عامل استفزاز قوي يقود إلى احتكاكات عنيفة بين
الطرفين.
وكان المستوطنون اليهود قد بدأوا حملة احتجاجات على سياسة الحكومة
الإسرائيلية، التي قالوا: إنها تخلت عنهم، واتخذت هذه الحملة طابع الشغب الجماعي،
ومهاجمة الممتلكات العربية، وقتل المواطنين العرب؛ مما أوجد جوًا عدائيًّا جدًّا
ضدهم في الأراضي المحتلة، ويتحرك المستوطنون داخل الأراضي العربية المحتلة في
مجموعات كبيرة مسلحة وتحت حماية الجيش، الذي يتواجد على مقربة منهم دون العمل على
وقف اعتداءاتهم.
ولا شك أن استمرار هذه الممارسات في ظل سلطة الحكم الذاتي سيجعل ضبط
الأوضاع داخل الأراضي المحتلة أمرًا صعبًا لا سيما وأن الشرطة الفلسطينية لا تملك
صلاحيات إزاء التعامل معهم. ويشكل استمرار الاحتلال في التواجد على الأرض العربية
عاملًا آخر من عوامل المقاومة؛ إذ إن الجيش الإسرائيلي سيرابط في المستوطنات ونقاط
أخرى خارج التجمعات العربية، مما يعني بقاء قوات إسرائيلية في الضفة والقطاع،
وتوفر فرص الاحتكاك بين الجانبين، وإن كانت ضئيلة إلا أنها تظل موجودة.
ثالثًا: وهو الأهم، ويتمثل في عدم توحد الموقف الفلسطيني إزاء الاتفاق
إذ تعارض حركة المقاومة الإسلامية «حماس» والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة
الديمقراطية لتحرير فلسطين وحركة الجهاد الإسلامي الاتفاق، وتعلن عزمها على مواصلة
العمل المسلح ضد جنود الاحتلال والمستوطنين، مما سيوجد توجهًا فلسطينيًّا معارضًا
لوقف الانتفاضة داخل المجتمع الفلسطيني.
الاستمرار هو المحدد
لا شك أن خروج حركة فتح رسميًّا وبما لها من ثقل في الشارع الفلسطيني
سيؤثر على الانتفاضة إلا أن بقاء قوى أخرى في الميدان سيحافظ على استمرار الثورة،
وسيؤدي انسحاب جزء من الشارع إلى إلقاء ثقل أكبر على الجزء الآخر إلا أن استمرار
التوتر والهجمات التي تعلن فصائل المعارضة عزمها على مواصلتها قد تجر أعدادًا
متزايدة من المنسحبين إلى الشارع خاصة إذا فشل الاتفاق في تلبية طموحاتهم أو على
الأقل التعهدات التي قطعها أصحاب الاتفاق على أنفسهم.
ويقول الإسرائيليون: إن انخفاضًا طرأ على العمليات المسلحة خلال
الأشهر 10 الأولى من هذا العام، ويؤكد الجيش الإسرائيلي أن 29 زجاجة حارقة ألقيت
باتجاه أهداف عسكرية إسرائيلية خلال شهر تشرين أول (أكتوبر) الماضي مقابل 43 زجاجة
ألقيت في شهر كانون الثاني (يناير) من هذا العام.
وفيما تم تفجير 6 عبوات ناسفة في يناير فإن أكتوبر لم يشهد سوى انفجار
عبوة واحدة، ولم تلق أي قنبلة يدوية خلال شهري أكتوبر وأيلول (سبتمبر) الماضيين،
غير أن قادة الجيش الإسرائيلي يرون أن هبوط عدد أعمال العنف لا يعني اختفاء
الغليان من الأراضي المحتلة، ويقول هؤلاء: إن المسلحين الفلسطينيين أصبحوا أكثر
ميلًا لشن هجمات أكثر إحكامًا وقسوة، حسب تعبير صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية.
ونشير في هذا الصدد إلى أن عمليات إطلاق الرصاص بكثافة ضد الأهداف
الثابتة والمتحركة عن بعد، ودون تخطيط ميزت عمل مجموعات حركة فتح المسلحة، كما أن
عمليات إلقاء الزجاجات الحارقة والعبوات الناسفة هي من أساليب النسر الأحمر،
وكتائب سيف الإسلام إلا أن الانخفاض الذي طرأ عليها مرده إلى أن هؤلاء أصبحوا
يفضلون الهجمات النوعية على غرار عمليات القسام، والتي تتراوح ما بين الاختطاف
والكمائن الثابتة والمتحركة ضد الأهداف الإسرائيلية.
وأخيرًا، فإن المؤشرات تقود إلى أن الانتفاضة أفرزت حقيقة هامة، وهي
نقل ثقل العمل الفلسطيني من الخارج إلى الداخل، وفي المرحلة القادمة ستتحول
الانتفاضة إلى أسلوب العمليات النوعية، مثل الاختطاف، واحتجاز الرهائن، والسيارات
المفخخة، وقد تختفي الفعاليات الجماهيرية من إضرابات ومسيرات، غير أن تصعيد القمع
الإسرائيلي أو دخول الشرطة الفلسطينية على خط المواجهة لصد العمل الفلسطيني المسلح
قد يعيد هذه المظاهر في مراحل لاحقة.
وقد ظهر مثل هذا التوجه عقب قيام وحدة إسرائيلية بقتل اثنين من نشطاء
حركة «فتح» في قطاع غزة؛ مما أدى إلى إعلان مجموعات صقور الفتح استئناف العمل
المسلح ضد الاحتلال.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل