; مستقبلُ الصومالِ بعدَ فشلِ اتفاقيةِ القاهرةِ | مجلة المجتمع

العنوان مستقبلُ الصومالِ بعدَ فشلِ اتفاقيةِ القاهرةِ

الكاتب إبراهيم الدسوقي

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أغسطس-1998

مشاهدات 66

نشر في العدد 1311

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 04-أغسطس-1998

الصومال

  • زعماء الفصائل أفلسوا في جميع الميادين رغم شعاراتهم البراقة.. وعلى المجتمع أن يعاملهم معاملة العصابات والتعامل مع الفعاليات السياسية الوطنية والمؤهلة لقيادة البلاد.
  • وراء فشل الاتفاقية ضعف الدور المصري في المتابعة ونشاط الدور الإثيوبي وعدم الاعتداد بموقف المعارضين.

يتفقُ المراقبونَ والمحللونَ على أن اتفاقية القاهرة التي ولدتْ أصلاً مشلولة، وصلتْ إلى طريق مسدود، ولم يعد لها أدنى أثر في مجريات الأحداث في الصومال، رغم تحفظ وتحرز الأطراف المعنية، سواء الموقعة عليها أو الراعية لها، عن الإفصاح عن هذه الحقيقة المرة، فهي على غرار عملية السلام في الشرق الأوسط التي لفظت انفاسها الأخيرة منذ أن تولى رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو سدة الحكم في إسرائيل، ومع ذلك فإن جميع الأطراف المعنية تغض الطرف وتتحاشى الحديث عن تلك الحقيقة، لدرجة الامتناع حتى عن مجرد التفوه بكلمة فشل عملية السلام، بل يتحدثون دوماً عن تحريك عملية السلام المتعثرة أو ضخّ دم جديد فيها.

فسفير مصر -راعية اتفاقية السلام- رغم أنه مفعم بالأمل والتفاؤل؛ حيث يردد دوماً: «أنا متفائل أنا متفائل، إلا أنه لم ينجح حتى الآن في إنعاش عملية المصالحة المحتضرة، أو ضخ دم جديد في شريانها الذابل، وزعماء الجبهات الموقعين عليها لا يزالون في سكرتهم يعمهون ويواجهون صراعات داخلية مريرة، ويحاولون -عبثاً- رأب التصدعات العميقة والشروخات الغائرة في صفوف جبهاتهم، أو منهمكين في قضايا جانبية تافهة بعيداً عن جوهر القضية الصومالية؛ مما يثبت مجدداً أنهم ليسوا على مستوى المسؤولية على الإطلاق.

فعلى الرغم مما صاحب اتفاقية القاهرة من الزخم الإعلامي الهائل، والتفاؤل العارم، بيد أنها تضمنت عدة نقاط ضعف مثلت نقاط خلل وارتشاح أدت في نهاية المطاف إلى تفريغ الاتفاقية من محتواها، وتركتها جثةً هامدةً لا روح فيها ولا حراك، ومن أبرز هذه النِقاط ما يلي:

1- عدم أخذ موقف معارضي اتفاقية القاهرة مأخذ الجد:

فمن المعلوم أن كلاً من: العقيد عبدالله يوسف أحمد، والجنرال آدم نور جبيو أعلنا رفضهما القاطع لاتفاقية القاهرة، وعادا فور انسحابهما من المحادثات إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا لتشكيل جبهة معارضة لاتفاقية القاهرة، وقد كان على المعنيين بعملية المصالحة أن يحسبوا لتلك المعارضة ألف حساب، وأن يبذلوا قصاري جهدهم لإقناع المعارضين، وأن يتبنوا مواقف متفهمة لوجهة نظرهم تتسم بالمرونة والعقلانية؛ لأن دور الرجلين في المعادلة السياسية القائمة على التوازنات العشائرية جد خطير، فالعبرة ليست بكثرة زعماء الفصائل الموقعين بل العبرة من هم هؤلاء الموقعون فكما أن هناك في مجلس الأمن الدولي دولاً تمتلك حق النقض «الفيتو» فإن بعض الفصائل الرئيسة في الصومال تتمتع بثقل خاص لا يمكن تجاهله، ومن بين هذه الفصائل على سبيل المثال لا الحصر الجبهة الديمقراطية للخلاص الوطني SSDF والتحالف الوطني الصومالي SNA بزعامة السيد حسين عيديد، والتحالف الصومالي للإنقاذ USC SSA بزعامة علي مهدي، وكذلك جمهورية أرض الصومال بزعامة السيد محمد إبراهيم عجال وغيرها.

وعلى الرغم من أن هذه المعادلة غير منصفة وغير عادلة في نظرنا، بيد أنها تمثل الواقع المر في الصومال ولا بُدَّ من التعامل معها على هذا الأساس، أما محاولة الالتفاف حول هذه الحقيقة وتأليف أغلبية لا تأخذ بها بعين الاعتبار فهي محكومة بالفشل، وهذا ما أدى فعلاً بعملية يونيصوم إلى الفشل الذريع؛ حيث حاولت تهميش دور الجنرال الراحل محمد فارح عيديد وتقزيمه تحت ذريعة أنه يمثل أقلية أمام أغلبية ساحقة من الفصائل والجبهات، وما حدث في مؤتمر القاهرة هو تكرار لهذا الموقف الخاطئ.

قد يقول قائل إن موقف العقيد عبد الله يوسف لم يكن يمثل موقف الجبهة الديمقراطية للخلاص الوطني SSDF؛ لأن رئيسها الجنرال محمد أبشر موسى قد وقع على اتفاقية القاهرة، ولكن الأيام أثبتت عدم صحة هذا القول؛ لأن أنصار تلك الجبهة خرجوا عن بكرة أبيهم في المدن الرئيسة في الأقاليم الشمالية الشرقية يؤيدون موقف العقيد عبد الله يوسف وينددون باتفاقية القاهرة، مما أجبر الجنرال محمد أبشر على التحفظ على توقيع البند الخاص بعقد مؤتمر المصالحة الوطنية الذي قررته اتفاقية القاهرة في مدينة بيدوا.

والعبرة بالخواتيم كما يقولون، فإن سكان الأقاليم الشمالية الشرقية عارضوا بشدة اتفاقية القاهرة واعتبروها مجحفة لحقوقهم، مما أدى إلى تنامي المطالبة بتشكيل إدارة أو حكومة محلية لتلك الأقاليم لتعزيز موقفها التفاوضي في حالة اقتسام المناصب ليس إلا.

وخلاصة القول، فإن شرارة المعارضة التي انطلقت من موقف العقيد والجنرال تفاقمت فيما بعد وجعلت من قبيل المستحيل أن ينعقد مؤتمر بيدوا دون إدخال التعديلات الجوهرية التي طلبها المعارضون لاتفاقية القاهرة في اجتماع أديس أبابا الذي ضم أبرز الشخصيات من المجلس الوطني للإنقاذ، وبفشل الجهات المعنية الالتزام بهذه التعديلات انهارت اتفاقية القاهرة، وذهبتْ أدراجَ الرياحِ.

2- اختيار مدينة بيدوا لاستضافة مؤتمر المصالحة الوطنية:

لم يكن اختيار مدينة بيدوا كحاضنة لمؤتمر المصالحة موفقاً لأن المدينة كانت من أكثر المدن الصومالية توتراً واضطراباً خلال السنوات الثلاث الماضية، وعلى وجه التحديد ابتداء من 17/9/1995م حين انتقل إليها الجنرال الراحل محمد فارح عيديد عقب إعلان حكومته في خطوة اعتبرها الجنرال مجرد زيارة قام بها رئيس الجمهورية إلى حاضرة إحدى محافظات البلاد في حين اعتبرها زعماء محافظة باي وبكول احتلالاً عسكرياً لمدينتهم، وانتهاكاً لحقوقهم الأساسية وامتهاناً لكرامتهم الإنسانية، ولإزالة آثار الاحتلال قاموا بإنشاء مليشيات للمقاومة المسلحة أطلق عليها اسم قوات المقاومة الشعبية القبائل رحنوين.

فاختيار مدينة في هذا الوضع المتدهور أمنياً لم يكن موفقاً على الإطلاق رغم إبرام اتفاقية جانبية بين السيد حسين عيديد زعيم التحالف الوطني الصومالي SNA، ورئيس إدارة "سالبلار"، وبين السيد عبد القادر زوبي زعيم قبائل دجل ومرفلي نصت على إخلاء المدينة من المليشيات المسلحة، وتشكيل قوات مشتركة تتولى مهمة محافظة الأمن والاستقرار في المدينة قبل عقد المؤتمر بشهر، وهذه الاتفاقية كغيرها من الاتفاقية التي يبرمها ويوقع عليها عادة زعماء الفصائل المتناحرة في الصومال كانت تفتقر إلى الية فاعلة للتنفيذ.

واكتفت الأطراف المعنية بتشكيل لجنة فنية مشتركة تضم شخصيات عسكرية وسياسية أنيطت بها مهمة تنفيذ بنود الاتفاقية الثنائية الخاصة بمدينة بيدوا حتى يعود الأمن والاستقرار إلى ربوع المدينة، وتكون مكاناً صالحاً وجديراً باستضافة مؤتمر عام يشترك فيه وفود رفيعة المستوى تمثل جميع الفصائل الصومالية، بالإضافة إلى ممثلين عن الفعاليات الاجتماعية والعشائرية، علاوة على مندوبي المنظمات الدولية والإقليمية، إلا أن هذه اللجنة لم تنجح في إنجاز شيء يذكر حيال المهام المنوطة بها، فسجلت فشلها الذريع، وانهارت الاتفاقية برمتها.

وعلى أنقاض الاتفاقية تجددت المواجهات العسكرية والاشتباكات المسلحة بين المليشيات الموالية لحسين عيديد ومليشيات المقاومة الشعبية القبائل رحنوين RRA، وأصبحت مدينة بيدوا مسرحاً لمعارك ضارية بين الجانبين، وسقطت المدينة في أيدي قوات المقاومة الشعبية لقبائل رحنوين في وقت سابق من شهر يونيو الماضي مما دفع حسين عيديد إلى قيادة قوة عسكرية كبيرة بنفسه للاستيلاء على المدينة مرة أخرى ولا يزال يرابط بقواته فيها منذ أن تمكن من طرد المليشيات المناهضة له عنها، والتي أخذت ترابط في مواقع ليست ببعيدة عن المدينة، ولا يمكن أن تحتضن مدينة بيدوا مؤتمر المصالحة وهي في هذه الحالة من الفوضى العارمة، والتوترات الأمنية والقلاقل السياسية والاضطرابات العاتية، ولا يلوح في الأفق بصيص من الأمل لحل مشكلة المدينة بعد انهيار الاتفاقية الخاصة بها، وبعد تجدد القتال الضاري فيها بين المليشيات المتناحرة.

3- تبني فكرة تشكيل إدارة المحافظة بنادر، وفتح المطار والميناء الدوليين:

إن إقحام هذه المشكلة المستعصية التي انكسرت عليها قرون العديد من رجالات إيطاليا المرموقين أمثال ماريو سيكا مسألة في غاية الخطورة.

وقد سبق أن منيت بانتكاسات خطيرة، بل وباءت بالفشل الذريع جميع المبادرات المحلية والإقليمية والدولية الخاصة بحل مشكلة مقديشو؛ لأن الخلافات القائمة بين أجنحة الفصائل المتناحرة فيها عميقة الجذور ومتشعبة الأغصان ومترامية الأطراف ومتشابكة وتحمل في طياتها تراكمات الصراعات الدموية المريرة التي شهدتها المدينة.

وعلى جانب آخر، فالمدينة ما زالتْ قضية الجمهورية الصومالية المعترف بها دولياً، وبالتالي فإن جميع الفصائل الصومالية والفعاليات السياسية لها الحق وبصورة متكافئة في أن تلعب دورها، وتنال حظها في معالجة مشكلة العاصمة القومية، بل إن ذلك يعتبر من أخص خصائص الحكومة الوطنية المركزية.

ومع تأكيد هذا المبدأ الراسخ، فإن لسكان المدينة في الأوضاع الحالية الحق كل الحق في تشكيل إدارة مؤقتة تدير شؤونهم، وتعيد الأمن والاستقرار إلى ربوعها ريثما يتفق الصوماليون على تشكيل حكومة وحدة وطنية تأخذ على عاتقها إدارة دفة الأمور في البلاد.

ولكن ربط القضيتين معاً أثبت فشله، فأدى إلى أن تراوح القضية الصومالية برمتها في مكانها، فلا بُدَّ من الفصل بين القضيتين، فإذا كان لدى زعماء الفصائل الموجودة في مقديشو الرغبة والفعالية لحل هذه المشكلة، فهذا شيء في غاية الإيجابية، وقد يفسح المجال أمام حل القضية الوطنية، أو على الأقل يخفف من وطأة الأزمة عن كاهل سكان الأقاليم الجنوبية التي تعاني من جراء إغلاق الميناء والمطار، ممَّا يشيب من هوله نواصي الولدان.

4- عدم فعالية زعماء الجبهات والفصائل الصومالي:

تعاني ساحة الجبهات والفصائل الصومالية من أزمة القيادة، وأزمة الشرعية وتقلص التأييد الشعبي لها، وفقدان المصداقية لدى المجتمع الدولي، وتفتقر إلى رؤى واضحة، وبرامج عملية لحل الأزمة السياسية الخانقة، ووضع حد لمأساة الشعب الذي ظل يئن تحت أنقاض كيان الدولة المنهار طيلة السنوات الثماني الماضية، فزعماء هذه الجبهات هم الذين قادوا البلاد إلى مستنقع الحروب الأهلية الطاحنة والفوضى العارمة، وأتوا على قواعد كيان الدولة الصومالية حتى خر السقف، وهم يتحملون تبعات التدمير والتخريب الشامل الذي لحق بجميع مرافق الحياة في البلاد، كما يتحملون مسؤولية تقطيع اوصال الشعب الصومالي وتمزيق وحدته، ووضع الحدود الوهمية بين مختلف المحافظات على أسس عشائرية بغيضة وإحياء النعرات الانفصالية أو الإقليمية، الأمر الذي يهدد وحدة البلاد.

علاوة على ذلك، فإن زعماء الجبهات والفصائل الصومالية أفلسوا في جميع الميادين ولا يمتلكون ورقة واحدة تمكنهم من إنقاذ البلاد رغم الشعارات البراقة والخطب الرنانة والوعود المعسولة، فمن العبث انتظار الحل من أناس لا يملكون نقيراً.

وهذا هو السبب الرئيس لفشل مؤتمر القاهرة؛ حيث وضعت الجهات المنظمة والراعية كل اهتماماتها على زعماء الفصائل، وهذا خطأ استراتيجي، فزعماء الجبهات رغم احتكارهم بقوة السلاح للقضية الصومالية، إلا أنه لا ينبغي أن يعتبروا ممثلين شرعيين للشعب الصومالي يتجولون ويتحدثون باسمه، ويقررون مصيره بل على المجتمع الدولي أن يعاملهم معاملهم العصابات التي تختطف الأبرياء، وتأخذهم رهائن، فالشعب الصومالي يعيش تحت رحمة هؤلاء القساة المدججين بالسلاح الذين يعبثون.

هذا، ولقد آن الأوان لإحقاق الحق وإعادة بمآسيه الأمور إلى مجراها الأصلي الطبيعي، وأن يدرك المجتمع الدولي بأن الصومال ليس عقيماً، بل هناك فعاليات سياسية وطنية نزيهة مؤهلة؛ لأن تقود سفينة البلاد إلى شاطئ الأمان، فلا بُدَّ من التعامل مع هذه القوى السياسية الوطنية الصاعدة.

6- الدور الخطير الذي لعبته إثيوبيا في إفشال اتفاقات القاهرة:

لم تخفِ الحكومة الإثيوبية انزعاجها من المبادرة المصرية والدور العربي الذي بدا يتألق نجمه في سماء الصومال بعد أن ظلت إثيوبيا تستأثر بالقضية الصومالية، حتى ظنت أن الصومال تابع لها، وأنها المفوض الوحيد من قبل دول الإيجاد ومنظمة الوحدة الإفريقية، ومنظمة الأمم المتحدة، وبالتالي من قبل المجتمع الدولي وحسبت أن بيت العنكبوت الذي نسجته والمتمثل في مجموعة سودري كفيل بتحقيق مخططها في إيجاد حكومة ضعيفة تابعة لها تأتمر بأمرها وتدور في فلكها، وتقع تحت هيمنتها المباشرة.

فعندما استطاعت حنكة الدبلوماسية العربية بقيادة مصر في قلب حسابات الحكومة الإثيوبية رأساً على عقب بين عشية وضحاها جن جنونها وثارت كالثور الهائج واستخدم وزير خارجيتها عبارات نابية غريبة على أدبيات الدبلوماسية الدولية؛ حيث وصف مصر بأنها اختطفت عملية المصالحة في الصومال.

فعمدت الحكومة الإثيوبية إلى وضع العراقيل أمام اتفاقية القاهرة مستخدمة نفوذها الواسع على كثير من زعماء الفصائل الصومالية وبخاصة مجموعة سودري، وسعت إلى تأجيج نيران الفتن، وصب الزيت على النار في المناطق الملتهبة أصلاً، فتجددت الاشتباكات في كثير من المناطق الجنوبية من البلاد، وكونت جبهة مناهضة لاتفاقات القاهرة، واقتربت أكثر إلى جبهة أرض الصومال، والأقاليم الشمالية الشرقية، كما قام أصدقاؤها في الفصائل الجنوبية بدور بارز في وضع العراقيل أمام تنفيذ اتفاقات القاهرة.

5- ضعف الدور المصري في المتابعة وتصحيح المسار:

لقد اعتادت الدبلوماسية الدولية في الوقت المعاصر أن ترفع من مستوى التمثيل في دفع عمليات السلام، واستعادة الأمن والاستقرار في مناطق التوتر في العالم لإلقاء الثقل المناسب لحجم المشكلة، فنرى مثلاً إدارة الولايات المتحدة تعين مفوضاً فوق العادة على درجة وزير المتابعة عملية السلام في الشرق الأوسط أمثال فيليب حبيب ودينس روس، أو منطقة البلقان مثل هولبروك.

ولا تسند مثل هذه المهمات الصعبة للسفراء المعتمدين لدى الدول المعنية، فكان على الحكومة المصرية أن ترفع من مستوى المتابعة فتعين مفوضاً فوق العادة على درجة وزير - مهمته متابعة تنفيذ اتفاقية القاهرة - يكون على اتصال دائم ومباشر بوزير الخارجية دون المرور بدهاليز بيروقراطية وزارة الخارجية والتي تقبع في متاهات تقارير السفير بالإضافة إلى ذلك، كان على الدبلوماسية المصرية إشراك الدول العربية الأخرى ذات الاهتمام الخاص بالقضية الصومالية، والتي تتمتع بسمعة أكبر لدى الصوماليين مثل: السعودية واليمن وليبيا.

وعلاوة على ذلك، فإن السفير المصري اعتكف في مدينة مقديشو، ولم يول الاهتمام المطلوب والعناية الضرورية للمناطق الأخرى مثل منطقة الشمال الشرقي والشمال الغربي أرض الصومال، إلا ما يندرج تحت ما يمكن اعتباره تحلة القسم، مما جعل الدور المصري في قفص الاتهام بانحيازه لمجموعات مقديشو، وهذا يسبب أضراراً بالغة للدور العربي بصفة عامة والمصري بصفة خاصة في حلبة الصراعات الإقليمية والدولية لاحتواء الأزمة الصومالية وكسبها إلى هذا المحور أو ذاك.

إيجابيات اتفاقية القاهرة:

ورغم فشل اتفاقية القاهرة، إلا أنها لا تخلو من إيجابيات، وأهم هذه الإيجابيات ما يلي:

أ- بروز الدور العربي في مسرح الأحداث في الصومال.

ب- تحجيم الدور الإثيوبي، وتقليم أظافره والحد من اخطاره.

جـ- تفكيك مجموعة سودري التي كانت قنطرة إثيوبيا لتنفيذ مخططها الخطير تجاه الصومال.

د- تفكيك مجموعة سلبلار حكومة حسين عيديد، التي كانت عقبة كأداء أمام المصالحة الوطنية بادعاءاتها بأنها حكومة تمثل الصوماليين جميعاً.

أوجادين .. الحقيقة والاسم والتاريخ:

تعليقاً على ما نشرته مجلة للمجتمع في عددها (۱۳۰۹) عن تسمية أوجادين للأخ سعيد سمتر، وتعليق المطلع عليها بانتظار رسائل من المهتمين بالشأن الصومالي، نوضح ما يلي:

لفظ (أوجادين) هو اللفظ المستخدم طوال الفترة التاريخية التي تعقدت فيها مشكلة هذه المنطقة منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر حينما كان يسكن المنطقة قبائل متعددة أكبرها قبيلة الأوجادين، أما تسمية الصومال الغربي، فهي تسمية ابتدعتها العبقرية الصومالية في نهاية الثلاثينيات من هذا القرن في محاولة منها لكبح جماح القبلية، ولجمع القبائل تحت لواء الوحدة الصومالية المقاومة الاستعمار الحبشي، وجاءت تسمية (جبهة تحرير الصومال الغربي) W.S.L.F من هذا المنطلق كإطار عام يوحد الجميع.

وعلى الرغم من أن (الصومال الغربي) أوسع نطاقاً من (أوجادين) وأكثر تعبيراً عن واقع المنطقة الصومالية التي تحتلها إثيوبيا، إلا إن اسم أوجادين - من الناحية التاريخية والأكاديمية والإعلامية - أقدم وأكثر استعمالاً، ودرجت عليه الوثائق.. استعمارية أو غيرها، وكذلك المراجع وسجلات الرحالة كلها أو معظمها، وبالتالي أصبح الاسم شائعاً في إطلاقه على المنطقة.

وتسمية الأوطان على أسماء القبائل التي كانت تسكنها أو مكتشفيها، أو فاتحيها أو غزاتها، أو محتليها.. تقليد تاريخي قديم وحديث أيضاً، وعليه فإنني لا أرى أي غضاضة من استخدام اسم أوجادين على منطقة الصومال الغربي طالما يؤدي المدلول السياسي والتاريخي والجيوغرافي والجهادي للمنطقة، والشعب الصومالي المسلم الذي يقطنها - لدى القارئ أو الدارس.

ومشكلة إطلاق الأسماء القبلية على المقاطعات طالت أجزاء أخرى من الصومال غير أوجادين إلا إن أكثر هذه الأسماء اختفت تلقائياً بفضل الوحدة الصومالية.

ومع كل الذي ذكرناه فإنه يجب ألا ينسينا حقيقة واقعية لا يمكن تجاهلها وهي أن اسم أوجادين تم استغلاله من قبل بعض قيادات قبيلة أوجادين لحاجة في نفس يعقوب، الأمر الذي أدى إلى امتناع القبائل الصومالية الأخرى في المنطقة عن التعامل مع جبهة تحرير أوجادينيا، وبخاصة بعد إصرار هذه القيادات على الاحتفاظ باسم قبيلتهم أوجادين كرمز للمنطقة، واقترح على المجتمع أن تفتح ملفًا عن أوضاع المسلمين في إثيوبيا عموماً على صفحاتها .. وشكراً لكم.

علي محمد حلني . كاتب صحفي صومالي: 

المجتمع: ما زال الحوار مفتوحاً حول أوجادين، فقد ورد إلينا رسائل عديدة حول هذه القضية سنقوم بنشرها تباعاً إن شاء الله، وإن كنا نلفت الانتباه إلى أن اهتمامنا بالحوار هنا ليس من أجل الوصول إلى الاسم الصحيح بقدر الحرص على تقديم معلومات جديدة من خلال الحوار عن هذه المنطقة المجهولة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

301

الثلاثاء 31-مارس-1970

مشاريع كثيرة، ولكن !!

نشر في العدد 1

1114

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان