العنوان مستقبل العمل الفدائي بعد الخروج من لبنان
الكاتب محمد عبدالرازق السعيد
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1982
مشاهدات 71
نشر في العدد 585
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 31-أغسطس-1982
المهم في رأي حبيب تفريغ المنطقة من العمل الفدائي.
- ياسر عرفات في الأمم المتحدة: الغصن بيد والبندقية باليد الأخرى.
- المرحلة القادمة تضع قيادة عرفات لمنظمة التحرير على المحك.
- هاني الحسن: كل من اشترك في المؤامرة ضدنا سيدفع ثمنًا غاليًا.
- سفير الأردن في واشنطن: إن الرد العربي الضعيف على الغزو قد يكنس كل الأنظمة العربية.
عندما سأل السيد شفيق الوزان رئيس الوزراء اللبناني المبعوث الأمريكي فيليب حبيب عن المكان الذي سيذهب إليه الفلسطينيون المحاصرون في بيروت، أجاب قائلًا: «من ناحيتي، فإنهم يستطيعون أن يذهبوا إلى الجحيم».
هكذا، وبدون لف أو دوران أعرف الوسيط الأمريكي بالصفاقة المعهودة، عن تبنيه الكامل لوجهة النظر الصهيونية بلا أي اعتبار المشاعر العرب والمسلمين، لأن المهم في رأي «حبيب» هو تفريغ الساحة اللبنانية بل المنطقة بأسرها من العمل الفدائي الذي يقلق اليهود ومن والاهم.
النوايا المكشوفة
إن الموقف الأمريكي من الصراع العربي الإسرائيلي، لم يتغير منذ أن حل النفوذ الأمريكي في المنطقة، وقد عزز هذا الموقف إخفاق الأنظمة العربية التي تدعم العمل الفدائي الفلسطيني إعلاميًا وكلاميًا، في أن تستبدل هذا الدعم. وهذا التأييد الشفهي بتأييد ودعم فعليين. يقول أحد المسؤولين الأمريكيين: «خلال غزو لبنان، لم تفعل الدول العربية شيئًا من أجل الفلسطينيين. وهذا الأمر يكشف بطلان كل الدعاوي العربية، بأن منظمة التحرير الفلسطينية تملك مفتاح الحل في الشرق الأوسط».
وعلى هذا فالإدارة الأمريكية تتخذ من التصدع العربي مبررًا لمشاركة الصهاينة طموحاتهم في القضاء على حركة المقاومة.
الحلول المطروحة
يراهن كثير من الأطراف العربية والدولية على الحل السياسي، طريقًا لعودة الحل الفلسطيني. وقد ارتفعت الأصوات المنادية بذلك مجددًا بعد الضربة الأليمة التي حلت على الصعيد العسكري في لبنان. فمن دعوى إلى الاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية والعدو الإسرائيلي إلى المطالبة بالرجوع إلى قرار التقسيم الصادر في سنة 1947م، والذي يقف وراءها الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، أو العودة إلى مشروع العاهل السعودي والحصول على تأييد له في القمة العربية القادمة. وقد أسدى بعضهم النصح إلى قيادات المقاومة بأن تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني، والاعتراف بحق إسرائيل بالوجود، سيمهدان السبيل لإقامة حوار مع الولايات المتحدة الأمريكية، وإلى قيام علاقة قد تؤدي إلى قيام الوطن الذي ما زال بعض الفلسطينيين يحلمون بقيامه.
ولكن هل تؤدي المشاريع المطروحة إلى إعادة الحقوق لأصحابها؟؟!
سياسة المنظمة المرحلية
خاطب السيد ياسر عرفات الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1974م قائلًا:
«لقد أتيت وأنا أحمل غصن زيتون بيد، وبندقية مقاتل من أجل الحرية باليد الأخرى... لا تتركوا غصن الزيتون يسقط من يدي». كان ذلك قبل ثمان سنوات، عندما كان لدى المنظمة أوراقًا أكثر فاعلية على الصعيدين الفلسطيني والعربي، بما فيها البنية العسكرية والسياسية والاجتماعية المتواجدة على الأراضي اللبنانية، بيد أن الجهود المضنية لإقامة الدولة الفلسطينية على أي جزء تنسحب منه إسرائيل لم تحقق غايتها، بسبب تجاهل الرأي العام العالمي، وغياب الدعم الحقيقي من الأشقاء.
المصاعب المقبلة
إن المعطيات الجديدة التي أفرزها العدوان الإسرائيلي على لبنان، فرضت مزيدًا من العوائق على مستقبل العمل الفدائي لأن الخروج من لبنان، وتوزيع المقاتلين على البلاد العربية ثمن باهظ يفسح المجال لتدخل الأنظمة على نطاق أوسع، عبر فرض القيادات الموالية لها، مما يؤدي إلى ضياع الجهد المطلوب في التنافس المحموم بين الزعماء العرب.
إن انتقال المنظمات الفلسطينية اليسارية إلى دول ما يسمى بالصمود والتصدي، ورحيل ياسر عرفات إلى تونس، وتوزيع قيادة «فتح» وقواعدها إلى السودان واليمن الشمالي وسوريا وغيرها، واستيعاب العراق والأردن للجبهة العربية وفصائل من جيش التحرير الفلسطيني، سوف يعني غياب التنسيق الذي كان متوفرًا في السابق، عندما كانت جميع المنظمات موجودة في لبنان كما يضع قيادة عرفات لمنظمة التحرير على المحك.
لذلك سوف يلجأ قادة المقاومة للحفاظ على استمرارية العمل الفدائي في المرحلة القادمة إلى معالجة المعضلات الآتية:
1- بقاء منظمة التحرير بأجنحتها المتعددة كحركة والحصول بسرعة على أسلحة جديدة، وقواعد يمكن العمل من خلالها.
2- التقرير فيما إذا كانت منظمة التحرير ستحتفظ بقيادتها وكوادرها.
3- الاختيار ما بين إعادة بناء المنظمة نفسها وتنظيم قواتها على المدى الطويل وعلى نفس المنهج التي كانت تسير عليه، أم تغيير التكتيك وفقًا للظروف الحالية.
4- وضع استراتيجية لتصعيد العمل الفدائي داخل الأرض المحتلة، والتغلب على الصعوبات التي تواجه هذا الهدف.
5- تأمين القرار الفلسطيني المستقل، بعيدًا عن تدخل الأنظمة العربية، والتي سعى إليه بعض قادة المنظمة قدر الإمكان.
6- مستقبل علاقة منظمة التحرير مع الأنظمة العربي. وكيفية التعامل معها بعد الموقف المخزي الذي واكب الغزو الإسرائيلي للبنان.
حلفاء حقيقيون
أدرك قادة المقاومة بعد النكبة الجديدة. أن الأنظمة الحالية لا خير فيها، وتراوحت تصريحاتهم بين الاتهام بالخيانة والتآمر ضد المقاومة الفلسطينية.
يقول السيد هاني الحسن في تصريح له لصحيفة دير شبيغل الألمانية: «إن الحرب في لبنان ستؤدي إلى تغييرات بعيدة الأثر في العالم العربي. ثم أردف قائلًا: «إن كل من اشترك في المؤامرة ضدنا سيدفع ثمنًا غاليًا، وسيقتل كل متآمر من قبل أبناء شعبه، وليس على أيدي الفلسطينيين».
وقد شارك بعض الدبلوماسيين العرب قادة المقاومة في التأكيد على هذا المعنى، فقد صرح السيد عبد الهادي المجالي سفير الأردن في واشنطن بقوله: «إن الرد العربي الضعيف على الغزو قد يكنس كل الأنظمة العربية».
إن التوقعات التي أشارت إليها كثير من هذه التصريحات قد تكون صحيحة لو كانت هذه الأنظمة وصلت إلى السلطة برغبة شعوبها، ولكن الحقيقة غير ذلك، ولا نعتقد أنها غابت عن أذهان أصحاب التوقعات، لأن الطريقة التي تستمت فيها الأنظمة للسلطة معروفة لدى الجميع، وغياب التحرك الشعبي فرضته الأنظمة المعزولة، ولو ملكت الشعوب زمام أمرها، لكنست أنظمتها منذ زمن طويل.
لقد سعت الحركة الإسلامية منذ حلول النكبة الأولى سنة 1948م، إلى تعبئة الطاقات الشعبية في الدفاع عن فلسطين والجهاد في ساحاتها، وعندما قامت الأنظمة الخيانية بقمع الحركة الإسلامية في مصر والشام خلال العقود الثلاثة الماضية، فقد حركت المقاومة حليفًا استراتيجيًا، يعرف كيف يقود التحرك الشعبي لصالح القضية الفلسطينية.
العودة إلى الشعب
إن صمود المقاومة منفردة في بيروت لمدة «72» يومًا في وجه أعتى الأسلحة الأمريكية يؤكد على جدوى الجهاد المسلح في صد العدوان واسترجاع الحقوق.
وإذا كان قد حيل بين الشعوب وأعدائها بسد فرضته الأنظمة بأنانيتها وخداعها. فإن التلاحم بين المقاومة الفلسطينية، والحركة الإسلامية على امتداد الساحة العربية، كفيل بتجميع الطاقات المخلصة، وإعطاء القضية بعدها الإسلامي المفقود الذي يؤمن مشاركة شعبية كبيرة تروي ظمأ الأمة إلى الجهاد في سبيل الله وعودة فلسطين إلى أبنائها المشردين...