العنوان مستقبل القضية.. هل تحدده أمريكا!؟
الكاتب عبدالعزيز العمري
تاريخ النشر الثلاثاء 01-نوفمبر-1988
مشاهدات 68
نشر في العدد 889
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 01-نوفمبر-1988
لقد كان الاحتلال اليهودي لفلسطين التطبيق العملي للفكرة اليهودية التوراتية القديمة والقائمة على ضرورة وأهمية تجميع اليهود من مواطن شتاتهم في أرض الميعاد.
هذه الفكرة التي وجدت سبيلها إلى الواقع من خلال الحركة الصهيونية العالمية، التي لملمت جهود اليهود وإمكاناتهم في العالم ووظفتها من أجل تحقيق هذا الحلم، بالقضاء على العقبة الكأداء التي حالت دون اليهود وتحقيق أطماعهم التوراتية في فلسطين. فعملوا على تحطيم وإسقاط الخلافة العثمانية آخر مظهر من مظاهر الوحدة الإسلامية... وذلك بالتحالف الماكر مع القوى الاستعمارية الأوروبية.
وقامت دولة بني صهيون في المنطقة... ولم يغب عن بالها لحظة واحدة أن هدفها البعيد هو إنشاء حضارة عبرية يهودية على أنقاض الحضارة الإسلامية... وهذا ما صرحت به رئيسة وزراء العدو السابقة غولدا مائير بقولها: «إن هذه الأرض لا تحتمل حضارتين».
لذلك فإن الحالة مع الاحتلال اليهودي اختلفت جذريًا عن حالة الاستعمار الفرنسي أو البريطاني أو الإيطالي حيث قامت الدولة اليهودية كاستعمار استيطاني للأرض إجلائي للسكان... من أجل تحقيق شعارهم: «أرض بلا شعب... لشعب بلا أرض».
المراحل التالية.. المنطقة بأسرها:
وقد عمل الكيان اليهودي في اتجاهات عدة من أجل تثبيت وجوده وضمان أمنه ابتداء وتهيئة الظروف لبدء المراحل التالية من تنفيذ المخطط الصهيوني الذي يستهدف المنطقة بأسرها ومن هذه الاتجاهات:
۱- أخذ الشرعية الدولية لوجوده الباطل على أرض فلسطين... فقد استطاع انتزاع هذه الشرعية من خلال قرار مجلس الأمن رقم «۱۸۱» لعام ١٩٤٧ والقاضي بتقسيم فلسطين إلى دولة يهودية ودولة عربية. وإذا كان اليهود قد استصدروا القرار في حينه لتثبيت وجودهم فإنهم الآن قد تجاوزوه.
٢- بناء قوتها العسكرية وتطويرها من أجل أن تصبح الدولة الأولى في المنطقة تسليحًا وقدرة عسكرية.
٣- خلق واقع جديد في الأراضي المحتلة عبر التوسع في بناء المستوطنات لتكريس وجودها.
٤- استهداف الشعب الفلسطيني ومجتمعه بمحاولات التدمير والتضييع والإفساد... لقتل روح المقاومة فيه.
٥- استمرار سياسة الضم أو القضم للأراضي العربية المجاورة.
٦- تدمير مواطن القوة ومكامن الخطر الذي يمكن أن يتهددهم «ضرب البنية العسكرية لمنظمة التحرير الفلسطينية - احتلال جنوب لبنان وعمل حزام أمني - ضرب المفاعل النووي العراقي - التهديد بضرب المفاعل النووي الباكستاني..».
٧- اختراق المنطقة العربية ومحاولة تطبيع العلاقات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياحية مع بعض الدول العربية لتهيئة العقل العربي للقبول بالعصر اليهودي..
۸ - الارتباط بتحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية كدولة عظمى.
٩- العمل للحصول على الشرعية الفلسطينية والعربية.
الأهم... الشرعية الفلسطينية:
والملاحظ أن دولة العدو اليهودي حققت نجاحات في الاتجاهات السابقة ولو على درجات متفاوتة... ولكن العنصر الأهم من بينها والذي لم تحققه خلال سنوات احتلالها هو الحصول على الشرعية الفلسطينية والعربية... أي إقرار صاحب الحق بتنازله الأبدي عن حقه لصالح الكيان اليهودي.
ولكن المتتبع لتطورات الأحداث ومسارها في الآونة الأخيرة يجد أن اليهود سجلوا اقترابًا كبيرًا من تحقيق هذا الهدف ويلاحظ تراكضًا عربيًا وفلسطينيًا باتجاه القبول بالتسوية السلمية وجعل سقف المطالب العربية والفلسطينية هو تنازل العدو عن أجزاء من الضفة والقطاع والاستعداد للاعتراف والإقرار بشرعية الوجود اليهودي الباطل على بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة.
الحق الإسلامي... والتآمر الدولي:
ولعل دراسة خريطة القوى السياسية الفاعلة على ساحة القضية الفلسطينية تعطي صورة واضحة لحجم التآمر الدولي على الحق الإسلامي في كل فلسطين... ومحاولة حلحلة الموقف الفلسطيني والعربي من أجل القبول بالواقع اليهودي البغيض بكل ثقله على الأرض والإنسان معًا. كما أن دوران بعض القوى الفلسطينية والعربية في فلك هذا المحور الدولي أو ذاك أدت وبالمحصلة إلى مساهمة هذه الأطراف في الدفع وباتجاه معاكس تمامًا للحق الإسلامي في فلسطين.
الموقف اليهودي:
يمكننا أن نحصر العوامل التي تدفع الكيان الصهيوني إلى التشدد أمام المطالب العربية والفلسطينية بالانسحاب من الضفة والقطاع - باعتبار ذلك سقف هذه المطالب - كما يلي:
۱- ارتباطها بتحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة ومشاركتها في برنامج حرب النجوم
۲- امتلاكها للسلاح النووي وإطلاقها القمر الصناعي التجسسي وما يعنيه من امتلاكها صواريخ بعيدة المدى.
٣ - حالة الضعف والتمزق العربي والتبعية المحاور الدول الكبرى التي كرست الوجود اليهودي.
٤ - سلب المنظمة الخيار العسكري وإجبارها على إخلاء مواقعها.
٥ - بدء ذوبان الجليد في علاقاتها مع الاتحاد السوفياتي ودول شرق أوروبا.
أما العوامل التي تدفع الكيان الصهيوني إلى القبول بتسوية ما فهي:
١- الانتفاضة المباركة في فلسطين المحتلة وما تعنيه من استنزاف يومي باهظ الثمن للآلة العسكرية اليهودية وللاقتصاد والأمن والحالة النفسية للمواطن اليهودي...
٢- القنبلة السكانية أو ما يسمى بالمشكلة الديمغرافية العربية.
٣ - توقف الحرب العراقية الإيرانية وتزايد احتمالات. اللجوء إلى خيار الحرب في حال فشل جهود التسوية.
٤- الخوف من تزايد معدلات الهجرة المعاكسة لليهود الذين ولدوا في فلسطين المحتلة.
٥- بروز التيار الإسلامي كقوة رئيسية تقود الشارع الفلسطيني باعتباره الخطر الأكبر والحقيقي الذي يهدد كيانهم ووجودهم الباطل وتزايد أعمال المقاومة المسلحة في فلسطين المحتلة وخارجها.
ومن خلال موازنة مجمل العوامل السابقة فالأغلب أن اليهود يميلون نحو التشدد مع الاستعداد للموافقة على شكل من أشكال الإدارة الذاتية للفلسطينيين والتي لا ترقى إلى مستوى الدولة.
الولايات المتحدة.. والمصالح الحيوية:
لقد عملت الولايات المتحدة الأمريكية على التسلل إلى منطقة الشرق الأوسط باعتبارها منطقة نفوذ حيوية للمصالح الأمريكية وذلك بعد أن استفردت بها سابقًا الدول الأوروبية «بريطانيا وفرنسا» وكان أول موطئ قدم للنفوذ الأمريكي في المنطقة عام ۱۹۲۰ عندما بدأت ترسل شركات النفط إلى منطقة الخليج العربي للتنقيب عن النفط.
وبعد الحرب العالمية الثانية كسرت أمريكا طوق «العزلة» التي كانت تعيشها فيما يتعلق بالسياسة الخارجية وبدأت انتشارها في المنطقة الذي كان يصطدم بالنفوذ البريطاني والفرنسي.
اليهود.. والحصان الرابح:
وقد اجتمعت ظروف عدة هيأت المجال أمام النفوذ الأمريكي في المنطقة وكان من أهمها اليهود أنفسهم الذين قطعوا شوطًا كبيرًا في محاولاتهم لإقامة کيانهم وكانوا يراهنون دائمًا على ما يسمى «الحصان الرابح» حيث ارتبطوا في البداية ببريطانيا التي منحتهم وعد بلفور عام ۱۹۱۷ ومهدت لهم لإنشاء كيانهم المزعوم لكن اليهود أدركوا أن بريطانيا كدولة استعمارية قد «شاخت» وأنها -في الأغلب- ستتراجع إلى المرتبة الثانية أو الثالثة بين الدول الكبرى في العالم لذلك عمل اليهود على نقل نفوذهم من بريطانيا وفرنسا إلى الولايات المتحدة باعتبارها المرشحة لتكون ذات النفوذ الأكبر في المنطقة... واليهود -كعادتهم- يحرصون على التحرك في ظل دولة عظمى. لذلك وجدنا أن أول رئيس أمريكي يهتم بإنشاء وطن قومي لليهود في العالم هو هاري ترومان عام ١٩٤٨؛ حيث كانت أمريكا هي أول دولة تعترف «بإسرائيل» وتمنحها التأييد والسيادة من أول يوم.
واليوم أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية طرفًا رئيسيًا في قضية فلسطين حيث لم تقتصر علاقاتها بالكيان الصهيوني وإنما تعدته إلى دول المنطقة الأخرى التي ارتبطت كثيرًا منها بالسياسة والمصالح الأمريكية... مباشرة في الأغلب أو عن طريق بعض الدول الأوروبية التي تدور في الفلك الأمريكي في بعض الأحيان.
أمريكا... دور متفرد:
ويمكن تحديد الموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية بناء على:
۱ - موقف الكيان الصهيوني.
٢ - المصالح الأمريكية في المنطقة ومدى تعرضها للخطر.
٣ - حالة الوفاق الدولي وتطور علاقاتها مع الاتحاد السوفياتي.
ومن استقرائنا للدور الأمريكي تجاه القضية الفلسطينية منذ عقد السبعينيات نجد أن هذا الدور كان دائمًا مراعيًا للموقف اليهودي ومتناسقًا ومتكاملًا معه ولم يكن يومًا متناقضًا مع المصالح اليهودية... ولعل ذلك يعود لأكثر من سبب يتعلق بعضها بكون الكيان اليهودي أداة أو ذراع للمصالح الأمريكية والأوروبية في المنطقة ولتأثير جماعات الضغط اليهودية في الانتخابات والإدارة الأمريكية... أما بالنسبة للمصالح الأمريكية في المنطقة فليس هناك ما يهددها نظرًا لحالة التبعية التي تعيشها كثير من الأنظمة للولايات المتحدة وتسليمها ابتداء بأن «كل أوراق الحل بيد أمريكا».
أما العنصر المستجد على الساحة فهو حالة الوفاق الدولي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي والتوجه نحو حل المشاكل الإقليمية وتبريد المناطق الساخنة... ثم الإقرار السوفياتي باعتبار المنطقة منطقة نفوذ أمريكية وبالتالي اعتماد التصور الأمريكي لحل الصراع في المنطقة.
ولعل العوامل السابقة جميعها تصب في خانة تكريس الدور الأمريكي المتفرد في المنطقة وحل مشاكلها.
ولعل هذا هو ما يفسر عملية التراكض في المنطقة -حتى من أصحاب الحق- لخطب ود الإدارة الأمريكية من أجل تحريك عملية السلام وقبول مشاركة هذا الطرف أو ذاك في التسوية ورفع الفيتو الأمريكي عن مشاركة الفلسطينيين في المؤتمر الدولي.
الموقف الأوروبي:
ويتحدد الموقف الأوروبي بناء على:
١ - الموقف الأمريكي.
٢ - المصالح الأوروبية في المنطقة.
٣ - النفوذ الصهيوني في أوروبا.
وخلاصة القول إن الدور الأوروبي هو دور تابع للموقف الأمريكي إلى حد كبير إضافة إلى كونه يكرس الوجود اليهودي في المنطقة لعدم وجود ما يهدد المصالح الأوروبية لغياب الموقف العربي الموحد الضاغط إضافة إلى فعالية وتأثير مجموعات اللوبي الصهيوني في دول أوروبا.
السوفيات... التسليم بالدور الأمريكي:
ويتحدد موقف الاتحاد السوفياتي بناء على المحددات التالية:
۱ - مصالحه في المنطقة.
۲ - العلاقة مع الولايات المتحدة في ضوء الوفاق الدولي.
۳ - تطور العلاقات مع الكيان الصهيوني.
فالاتحاد السوفياتي اهتم دائمًا بمد نفوذه في المنطقة من أجل الوصول إلى المياه الدافئة والاستفادة من ثروات المنطقة الحيوية إلا أن نفوذ السوفيات ما زال ضعيفًا بالمقارنة مع نفوذ الولايات المتحدة وإن حاول أن يتسلل من خلال الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع منظمة التحرير وسوريا... لكن هذه العلاقات بدأت تأخذ طابعًا متحفظًا في الآونة الأخيرة خاصة في ظل حالة الوفاق الدولي والتي يسلم السوفيات باعتبار المنطقة خاضعة للنفوذ الأمريكي... لذلك لوحظ أن موقف السوفيات من مسألة المؤتمر الدولي أصبح أكثر اقترابًا من التصور الأمريكي كما بدأ السوفيات بالضغط على المنظمة من أجل الاعتراف بـ «إسرائيل» وقبول قراري مجلس الأمن ۲٤٢ و ۳۳۸. وهكذا فإن علاقات السوفيات مع الأمريكان كانت على حساب موقفه وتأييده لحلفائه.. أما علاقاته مع اليهود فالدلائل كلها تشير إلى أنها تسير نحو الوضع الدبلوماسي الطبيعي.
منظمة التحرير أمام خيارين:
ويتحدد موقف المنظمة بناء على المحددات التالية:
١- القدرة على استئناف العمل العسكري.
۲ - مواقف الدول العربية.
٣ - موقف الاتحاد السوفياتي.
ومما لا شك فيه أن الغزو اليهودي للبنان أفقد المنظمة آخر موقع لها يمكن أن تنطلق منه وعزلها عن تجمعات الشعب الفلسطيني في مخيمات اللاجئين في لبنان كما استهدف القضاء على البنية العسكرية للمنظمة كذلك فإن موقف المنظمة إزاء حل القضية الفلسطينية لا يخرج عن موقف الدول العربية التي لا ترضى أن يبقى الوضع على ما هو عليه وتحاول التوصل إلى حل من خلال الجهود السلمية ومبادلة الأرض بالسلام وضمان الأمن لجميع الأطراف أما الاتحاد السوفياتي فإنه يمارس ضغطًا على المنظمة من أجل التنازل لتسهيل انعقاد المؤتمر الدولي..
وفي ظل هذه المعطيات فإن أمام المنظمة خيارين:
الأول: المشاركة بالتحركات السياسية والمؤتمر الدولي بعد إبداء المرونة الكافية تجاه الاعتراف بإسرائيل وقبول قراري مجلس الأمن ۲٤٢ و۳۳۸ وتعديل الميثاق الوطني أو طرح برنامج أو بيان سياسي يتجاوزه.
الثاني: أن تضرب «م. ت. ف» صفحًا عن التحركات السياسية والسلمية والمؤتمر الدولي وتعيد ترتیب أوراقها باتجاه التركيز على العمل العسكري وتحريك ساحة الداخل وساحة لبنان والتحالف مع القوى الشعبية الإسلامية الرافضة لنهج التسوية في فلسطين المحتلة وخارجها ومحاولة ترتيب اصطفاف جديد للقوى الشعبية الفلسطينية والعربية والإسلامية والعمل على قلب كل المعادلات الحالية التي حكمت مسار القضية الفلسطينية.
والمتتبع لتحركات المنظمة يعرف كيف حسمت توجهاتها.. ولصالح أي الخيارين..
الوجود اليهودي.. قاسم مشترك:
من استعراضنا السابق لمواقف القوى المؤثرة في القضية الفلسطينية وارتباطاتها وتوجهاتها يتضح أن معظم هذه القوى يمكن تصنيفها تحت إطار القوى المقرة والمسلمة بالدور المنفرد للإدارة الأمريكية في رسم خيوط الحل ليس بعيدًا عن أعين الكيان اليهودي.
ومن خلال هذا الاستعراض أيضًا تبين لنا أن القاسم المشترك الذي جمع كل الفرقاء وكل الأطراف المتصارعة هو الإقرار بالوجود اليهودي على أرض فلسطين الإسلامية.
والناظر إلى التطورات والتحركات واللقاءات بين قادة المنطقة يلحظ بأسى كيف تتشابك كل الخيوط ويشارك فيها أصحاب الحق لرسم خريطة المنطقة وفق التصور الأمريكي اليهودي الاستعماري... وكيف أصبح ذلك مطلبًا ملحًا تقدم لأجله التنازلات..
القفز على الترتيبات الأمريكية:
وبقي -كما هو دائمًا- التيار الإسلامي في فلسطين والمنطقة رافضًا أن يكون جزءًا من الترتيبات الأمريكية ولم يرض ببعض الأعطيات من أجل القبول بشرعية الكيان اليهودي الباطل على أرض فلسطين الإسلامية... ولم يجعل قضية الاعتراف باليهود ورقة يمكن استخدامها في لحظة من اللحظات... ولم يقفز عن مبادئه... ولم ولن يفرط بحقوق المسلمين... وسيبقى ينظر بحذر إلى ما ستفرزه المعادلات السياسية والمؤتمرات الدولية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل